سوريا

الخبز والكهرباء والغاز… ثالوث الأمن المعيشي

الخبز والكهرباء والغاز… ثالوث الأمن المعيشي
شبكة سيريا مورس الإخبارية

Morse AI

ملخص واستماع ذكي للمقال

الصوت مولّد بالذكاء الاصطناعي وليس صوتاً بشرياً.

في خضم التحولات السياسية الكبرى التي تمر بها بلادنا، ومحاولات إعادة رسم النظام العالمي من جهة، وتعقيدات المرحلة الانتقالية ومآلاتها من جهة أخرى، قد ننسى الإنسان السوري البسيط؛ ذلك الذي يخوض معركته اليومية من أجل لقمة العيش، ويسعى بصمت إلى تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة.

ورغم أهمية الملفات السياسية والأمنية، فإن الأمن المعيشي لا يقل أهمية عنها، بل قد يكون الشرط الحقيقي لاستدامة أي استقرار سياسي أو أمني.

وبعد عام كامل من الإنجازات الأمنية، ومحاولات تثبيت الاستقرار وتوحيد البلاد، أصبح واضحًا أن المسار الاقتصادي لا يسير بالكفاءة نفسها ولا بالوتيرة ذاتها. فقد نجحت الدولة، إلى حد كبير، في الوصول إلى صيغة أولية للتفاهم حول مناطق شرق الفرات، وبدأ الحديث عن دمج الفصائل التابعة لقوات سوريا الديمقراطية ضمن وزارة الدفاع، الأمر الذي بعث الأمل لدى السوريين بقرب عودة موارد النفط والغاز إلى خزينة الدولة.

وكان من الطبيعي أن يتوقع المواطن أن ينعكس ذلك على حياته اليومية، من خلال زيادة ساعات التغذية الكهربائية، وانخفاض أسعار الغاز المنزلي والطاقة، وبالتالي تخفيف تكاليف الإنتاج وتحريك عجلة الاقتصاد. فمن المعروف أن الطاقة تمثل أحد أهم عناصر تكلفة الإنتاج، وأي انخفاض في أسعارها ينعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات، ويمنح المواطن المنهك فرصة لالتقاط أنفاسه في مواجهة الغلاء وجشع بعض التجار، في ظل ضعف الرقابة وغياب الردع.

لكن ما حدث جاء معاكسًا لكل تلك التوقعات، بل ومخيبًا لآمال الناس. فقد شهدت الأسواق ارتفاعات غير مسبوقة في أسعار معظم السلع الأساسية، حتى أصبحت ربطة الخبز تُباع بنحو أربعة آلاف ليرة سورية بعدما كانت لا تتجاوز 450 ليرة، ناهيك عن الارتفاع المستمر في أسعار الغاز والكهرباء وسائر المنتجات المحلية.

وهنا تبرز أمام الحكومة في دمشق أسئلة لا يمكن تجاهلها:

هل يحتل الأمن الغذائي والمعيشي للمواطن السوري رأس سلم الأولويات، أم أنه لا يزال مجرد شعار إعلامي؟
وهل تمتلك الجهات التي تدير الملف الاقتصادي اليوم الكفاءات والخبرات اللازمة للتعامل مع اقتصاد أنهكته سنوات الحرب والعقوبات؟ فنحن لا نعيش ظروفًا طبيعية تسمح بالإدارة التقليدية، بل نواجه أزمة استثنائية تتطلب عقولًا استثنائية، وخبرات من أعلى المستويات، وقدرات إدارية قادرة على اتخاذ قرارات جريئة ومدروسة.

فالوقت لا يعمل لصالحنا. وغالبية السوريين يعيشون اليوم تحت خط الفقر، ولولا الحوالات المالية القادمة من الخارج، لربما شهدنا منذ زمن ما يمكن وصفه بثورة الجياع.

لقد انتهت نشوة التحرير وسقوط النظام، وبدأت مرحلة أكثر صعوبة؛ مرحلة الحاجة والعوز واتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة. كما أن الآمال التي عُلّقت على المليارات الموعودة والاستثمارات الأجنبية الضخمة، مهما كانت جديتها، لن تتحول إلى أثر ملموس في حياة الناس خلال أشهر، وربما تحتاج إلى سنوات قبل أن تنعكس على الاقتصاد، وإلى عقد كامل حتى يشعر بها المواطن العادي.

إننا جميعًا نقف إلى جانب الحكومة، ونتمنى لها النجاح، ونقدم ما نستطيع من دعم ونصح، لكن لا يمكن للمجتمع وحده أن يتحمل عبء معالجة أزمة اقتصادية بهذا الحجم.

لذلك، فإن الحاجة أصبحت ملحة لاتخاذ إجراءات عاجلة، في مقدمتها رفع الرواتب، وخفض أسعار الركائز الأساسية للاستقرار المعيشي، وهي ما وصفها صديقي العزيز المهندس نعيم الكوكي في أحد منشوراته بـ

ثالوث الأمن المعيشي
الخبز، والكهرباء، والغاز.

كما أن المرحلة تستدعي الاستعانة بالكفاءات الحقيقية، المحلية منها أو العالمية، دون تردد أو حسابات ضيقة. فالأوطان لا تُبنى بالمجاملات، بل بالخبرة والكفاءة والقدرة على الإنجاز.

فإما أن ننجح في بناء اقتصاد يمنح المواطن الحد الأدنى من الكرامة والأمان، وإما أن نجد أنفسنا أمام انحدار اقتصادي سريع ستكون كلفته على الدولة والمجتمع أكبر بكثير من كلفة الإصلاح اليوم.