Morse AI
ملخص واستماع ذكي للمقال
أول زيارة لأمين عام للأمم المتحدة إلى دمشق منذ 17 عاماً حملت رسالة تتجاوز الرمزية: المنظمة الدولية تريد أن تكون شريكاً في إعادة بناء سوريا، لكنها تربط نجاح المرحلة الجديدة بالشمول السياسي، والمساءلة، وسيادة القانون، واحترام وحدة البلاد وسيادتها.
دمشق – 28 يوليو/تموز 2026
حين وصل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى دمشق في 25 يوليو/تموز، كان يدخل عاصمة تغيّر موقعها في النظام الدولي بصورة كبيرة خلال أقل من عامين.
كانت الزيارة الأولى لأمين عام في منصبه إلى سوريا منذ عام 2009، والأولى لغوتيريش منذ توليه قيادة الأمم المتحدة. واستقبله الرئيس أحمد الشرع في قصر الشعب، حيث تركزت المحادثات على الانتقال السياسي وإعادة الإعمار ودور المنظمة الدولية في دعم التعافي السوري.
لكن أهمية الزيارة لم تكن بروتوكولية فقط.
لسنوات، ارتبط حضور الأمم المتحدة في سوريا بمفردات الحرب: النزوح، والمساعدات الإنسانية، ومجلس الأمن، والأسلحة الكيميائية، والمفقودون، واللاجئون، ووقف إطلاق النار.
أما زيارة يوليو، فقد طرحت علاقة مختلفة:
كيف يمكن للأمم المتحدة أن تنتقل من الاستجابة لأزمة سوريا إلى المساهمة في بناء مرحلة ما بعدها؟
«لا تستطيع دولة أن تعيد بناء نفسها وحدها»
بعد اجتماعاته مع الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني، وضع غوتيريش المسألة في إطار واضح.
قال إن سوريا تقف أمام «لحظة من الإمكانات»، وإن الخروج من صراع بهذه القسوة لا يمكن أن يتحقق بجهود دولة واحدة فقط. ودعا المجتمع الدولي إلى مساعدة السوريين في بناء مستقبل أكثر استقراراً وشمولاً وازدهاراً.
من جانبها، طلبت دمشق زيادة الدعم الدولي، ولا سيما في إعادة الإعمار ومعالجة آثار النزوح، وناقش المسؤولون السوريون مع غوتيريش خطة تتعلق بإغلاق مخيمات النزوح وإعادة السكان إلى مجتمعاتهم.
هذه النقطة تعكس تحولاً مهماً.
المساعدات الإنسانية قادرة على إبقاء المجتمعات في مواجهة الأزمة.
لكن إعادة بناء بلد دمرت الحرب أجزاء واسعة من اقتصاده وبنيته التحتية تحتاج إلى شيء مختلف: استثمارات، ومؤسسات، وخدمات عامة، وعودة السكان، وقدرة الدولة على إدارة مرحلة طويلة من التعافي.
ولهذا أصبحت الأمم المتحدة مطالبة هي الأخرى بإعادة تعريف دورها في سوريا.
صيدنايا: الماضي يدخل معادلة المستقبل
لم تقتصر زيارة غوتيريش على الاجتماعات الرسمية.
فقد زار سجن صيدنايا، أحد أكثر المواقع ارتباطاً بتاريخ الاعتقال والتعذيب في عهد النظام السابق، ووصفه بأنه تذكير قاسٍ بالقمع الذي تعرض له السوريون. كما التقى ممثلين عن مؤسسات العدالة الانتقالية والمفقودين والمجتمع المدني والمنظمات النسائية ومكونات مختلفة من المجتمع السوري.
وهنا ظهرت الرسالة الثانية للزيارة.
إعادة إعمار سوريا، في الرؤية الأممية، ليست مشروعاً من الإسمنت والكهرباء والطرق فقط.
إنها أيضاً مسألة عدالة ومساءلة ومصالحة وثقة بين السوريين.
وأكد غوتيريش أن الأمم المتحدة مستعدة لدعم جهود العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان والمصالحة، إلى جانب تطوير سيادة القانون، والوصول مستقبلاً إلى دستور دائم وانتخابات حرة ونزيهة. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن العملية يجب أن تبقى سورية القيادة والملكية.
وهذا التوازن مهم.
فالمجتمع الدولي يستطيع أن يقدم الخبرة والتمويل والمساعدة التقنية، لكنه لا يستطيع أن يصنع عقداً اجتماعياً سورياً بالنيابة عن السوريين.
الشمول السياسي كشرط للاستقرار
ركز غوتيريش خلال لقاءاته على ضرورة مشاركة جميع السوريين في المرحلة الجديدة، بمن فيهم النساء والشباب ومختلف المكونات الدينية والإثنية.
وأشاد بالتقدم المحقق في مسار العلاقة بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية، مع الإقرار باستمرار قضايا مرتبطة بعملية الدمج ونزع الطابع العسكري تحتاج إلى معالجة.
هذه المسألة تتجاوز المبادئ السياسية.
فأحد أكبر الأخطار التي تواجه سوريا بعد الحرب هو أن تنتقل من صراع على السلطة إلى صراعات حول شكل الدولة ومن يملك مكاناً فيها.
ولهذا ترى الأمم المتحدة أن استدامة التعافي الاقتصادي والأمني مرتبطة بقدرة المؤسسات الجديدة على بناء ثقة تتجاوز الانتماءات الطائفية والإثنية والمناطقية.
فالاستقرار الذي يقوم على غياب الحرب فقط يمكن أن يبقى هشاً.
أما الاستقرار الذي تقوم عليه دولة يشعر مواطنوها بأنهم ممثلون داخلها فهو أكثر قدرة على الاستمرار.
السيادة السورية تعود إلى الخطاب الأممي
حمل ملف إسرائيل والجنوب السوري واحداً من أكثر مواقف غوتيريش وضوحاً خلال الزيارة.
ففي ختام وجوده في سوريا، أكد ضرورة احترام سيادة سوريا واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها، وندد بالانتهاكات الإسرائيلية المستمرة لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974. كما أعاد التأكيد على الموقف الأممي الذي يعتبر الجولان أرضاً سورية.
وكان من المخطط أن يزور غوتيريش قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك «أندوف»، إلا أن قيود الجدول الزمني حالت دون ذلك. وبدلاً من ذلك، التقى في دمشق قائدة القوة، ومحافظ القنيطرة، وممثلين عن المجتمعات المحلية المتأثرة بالتطورات في المنطقة.
أهمية هذا الموقف بالنسبة إلى دمشق واضحة.
فالحكومة السورية الجديدة تريد أن تجعل استعادة السيادة ووحدة الأراضي جزءاً أساسياً من شرعيتها الدولية، في وقت لا تزال فيه القوات الإسرائيلية موجودة في مواقع تقدمت إليها بعد سقوط النظام السابق.
وبالنسبة إلى الأمم المتحدة، يعيد ذلك أحد أقدم ملفات وجودها في سوريا إلى مركز النقاش الجديد حول مستقبل البلاد.
من نيويورك إلى دمشق
يمكن قراءة زيارة غوتيريش أيضاً باعتبارها امتداداً للحظة سبتمبر/أيلول 2025، عندما وقف الرئيس أحمد الشرع على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
آنذاك كانت سوريا تحاول العودة إلى المنظمة الدولية.
وبعد عشرة أشهر، جاء رأس المنظمة إلى دمشق.
بين الحدثين، أزيلت عقوبات أممية عن الشرع، وتوسعت العلاقات السورية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، واستعادت دمشق حضوراً دبلوماسياً كان يبدو بعيداً خلال سنوات الحرب. وكانت رويترز قد وصفت زيارة غوتيريش بأنها محطة جديدة في عودة القيادة السورية إلى المسرح الدولي.
لكن الانتقال من الاعتراف السياسي إلى الشراكة الدولية يرفع مستوى المسؤولية أيضاً.
كلما أصبحت سوريا أكثر اندماجاً في المؤسسات الدولية، أصبحت قضايا حقوق الإنسان وسيادة القانون والمساءلة وإدارة التنوع أكثر ارتباطاً بعلاقاتها الخارجية.
وهذا ليس بالضرورة عائقاً أمام الحكومة الجديدة.
قد يكون جزءاً من الطريق الذي يسمح لها بتحويل الانفتاح الدبلوماسي إلى دعم اقتصادي ومؤسسي طويل الأجل.
الأمم المتحدة أمام سوريا مختلفة
في ختام الزيارة، وصف غوتيريش وجوده في سوريا بأنه زيارة «تضامن وشراكة»، مؤكداً أن استقرار سوريا وازدهارها وشمولها سيصب في مصلحة السوريين والمنطقة والعالم.
ربما تكون كلمة الشراكة هي الأكثر دلالة.
لسنوات طويلة، كانت العلاقة بين سوريا والأمم المتحدة تدار إلى حد كبير ضمن منطق الأزمة.
اليوم، تحاول دمشق أن تنتقل إلى علاقة تقوم على التعافي وبناء المؤسسات وعودة النازحين والاستثمار والتنمية.
لكن الأمم المتحدة حملت معها إلى دمشق رسالة موازية:
لا يمكن فصل إعادة البناء المادي عن إعادة بناء الثقة.
ولا يمكن فصل استعادة السيادة عن بناء دولة القانون.
ولا يمكن فصل العودة إلى المجتمع الدولي عن مسؤولية الدولة تجاه جميع مواطنيها.
لهذا لم تكن زيارة غوتيريش إعلاناً بأن الانتقال السوري نجح.
كانت اعترافاً بأن سوريا وصلت إلى مرحلة أصبح نجاح ذلك الانتقال فيها مصلحة دولية تستحق الاستثمار فيها.
وبعد سنوات كانت الأمم المتحدة تسأل فيها كيف يمكن تخفيف معاناة سوريا، بدأ السؤال يتغير:
كيف يمكن مساعدة السوريين على بناء الدولة التي تأتي بعد المعاناة؟
سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.