شهدت مدينة حلب، ومعها مناطق واسعة من الريف الحلبي، تحسنا ملحوظا في التغذية الكهربائية، بعد أقل من أربع وعشرين ساعة على بدء ضخ الغاز الأذربيجاني إلى سوريا عبر الأراضي التركية.
مظاهر الفرح انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عبر الأهالي عن ارتياحهم لهذا التطور المفاجئ الذي أعاد الأمل بتحسين الواقع الخدمي.
3.4 ملايين متر مكعب من الغاز يوميا
وبحسب المعلومات الرسمية، بلغت الكميات الأولية من الغاز الأذربيجاني التي بدأت بالتدفق نحو سوريا حوالي 3.4 ملايين متر مكعب يوميا، تمر عبر تركيا لتصل إلى محطة غاز الرضوانية في ريف حلب الشمالي، على أن يتم ضخ جزء منها باتجاه محطة توينان في محافظة حمص وسط البلاد، مما يتيح تغذية المحطات الحرارية لإنتاج ما يقارب 800 ميغاواط من الكهرباء لتوزيعها على مختلف المدن والمناطق السورية.
شراكة إقليمية بتمويل قطري
المشروع لم يكن ليبصر النور دون الدعم القطري والتمويل المباشر من صندوق قطر للتنمية، وذلك في إطار اتفاق ثلاثي ضم سوريا وتركيا وأذربيجان، هدفه دعم قطاع الطاقة في سوريا، الذي يعد حجر الأساس في أي تعاف اقتصادي واجتماعي وخدمي.
تحديات ضخمة أمام وزارة الكهرباء
خلال خمسة عشر عاما من الحرب، خرجت معظم المحطات الحرارية عن الخدمة، بعضها بشكل كلي والبعض الآخر جزئي.
وعلى سبيل المثال، لا تعمل اليوم من محطة حلب الحرارية سوى عنفة واحدة فقط من أصل خمس.
ولهذا، تبذل الحكومة السورية جهودا متسارعة لإعادة ترميم وتأهيل ما دمرته الحرب، مستفيدة من الكوادر المحلية ذات الكفاءة العالية، بالإضافة إلى تعاون فني مع خبراء من تركيا.
اتفاقية استراتيجية لتعزيز أمن الطاقة
وزير الطاقة السوري، وخلال حضوره مراسم بدء الضخ، أكد أن تدشين خط الغاز الإقليمي الذي يربط سوريا بأذربيجان عبر تركيا، يعد خطوة استراتيجية لتعزيز أمن الطاقة في البلاد.
واعتبر أن هذه الخطوة ستنعكس إيجابا على التغذية الكهربائية وزيادة ساعات التشغيل في محطات التوليد، الأمر الذي سيدعم الاقتصاد، ويحسن الوضع المعيشي، ويشجع على عودة المهجرين.
شركاء المشروع: دعم إقليمي مباشر من أذربيجان وتركيا وقطر
من جانبه أشار وزير الطاقة الأذربيجاني جباروف في تصريح نقلته “وكالة الأناضول” التركية: “إن نقل الغاز الأذربيجاني إلى سوريا يحمل أهمية تاريخية، ويعد محطة مفصلية في تاريخنا بمجال الطاقة، وتشكل هذه الخطوة مرحلة مهمة في بناء جسر الطاقة بجنوب القوقاز والمناطق القريبة”، ولفت إلى أن المشروع يأتي في إطار عملية إعادة الحياة إلى طبيعتها في سوريا، ويمهد الطريق لتعاون مستقبلي بين البلدين.
وأشاد جباروف بالتعاون الاستراتيجي القائم بين تركيا وأذربيجان، لافتًا إلى أن هذا التعاون كان من أبرز العوامل التي أسهمت في سرعة إنجاز مشروع نقل الغاز من بلاده إلى سوريا.
وفي تصريح للسيد أرسلان بيرقدار وزير الطاقة التركي، أشار إلى أن تصدير الكهرباء إلى سوريا يتم عبر ثماني نقاط مختلفة، ومن المنتظر زيادة قدرة التصدير بنسبة 25 بالمئة أولا، وإلى أكثر من الضعف لاحقًا، لافتًا إلى إمكانية تصدير ما يصل إلى ملياري متر مكعب من الغاز الطبيعي إلى سوريا سنويا.
وفي بيان نقلته وكالة “قنا” القطرية، أكد صندوق قطر للتنمية أن “إمدادات الغاز الطبيعي بدأت في التدفق من أذربيجان إلى سوريا مرورا بتركيا، وهو ما يمثل خطوة مفصلية في مسار التضامن الإقليمي وتعزيز الروابط بين الدول الشقيقة”.
وأضاف البيان: إن المشروع تم تنفيذه في وقت قياسي، ليشكل خطوة حيوية في دعم عملية إعادة الإعمار والاستقرار في سوريا، التي بدأت عقب التطورات التاريخية في كانون الأول الماضي.
وأشار البيان إلى أن ذلك يأتي في إطار جهود دولة قطر والتزامها بدعم تعافي واستقرار سوريا، من خلال صندوق قطر للتنمية، وذلك عبر دعم إنتاج الكهرباء من خلال هذه المبادرة، حيث سيسهم بشكل كبير في تعزيز إمدادات الكهرباء في سوريا.
ماذا عن مشروع “أورباكون؟
في سياق متصل، نشرنا في وكالة “Syria Morse” مقالًا عن توقيع اتفاق تاريخي بين وزارة الطاقة السورية ومجموعة “أورباكون” التي تضم شركات من قطر وتركيا والولايات المتحدة، بقيمة تصل إلى 7 مليارات دولار، لإنشاء محطات توليد كهرباء بطاقة 5 آلاف ميغاواط. غير أن هذا المشروع، ورغم ضخامته، منفصل تمامًا عن خط الغاز الأذربيجاني، ويأتي ضمن سلسلة اتفاقيات موازية لتعزيز مصادر الطاقة المتنوعة في سوريا.
اضغط الرابط لعرض مقال اتفاق وزارة الطاقة السورية ومجموعة “أورباكون”
حلب تحتفل: نهاية عصر الأمبيرات؟
ربما كانت مدينة حلب، عاصمة الصناعة السورية، أكثر المدن ابتهاجا بوصول الغاز، بعد أن تحملت أعباء تشغيل المولدات لسنوات طويلة، بتكاليف تجاوزت مئات المليارات، كانت ترهق المواطن والمؤسسات على حد سواء.
اليوم، تنفس الحلبيون الصعداء، وبدأت الآمال تبنى على واقع كهربائي جديد يعيد الحياة لأحياء المدينة ومعاملها ومؤسساتها.
الطريق إلى التعافي بدأ
لا يمكن إغفال أن ما تحققه سوريا اليوم من اتفاقيات وشراكات إقليمية ودولية، ما كان ليحدث لولا الجهود الحكومية المستمرة لتحسين الواقع الاقتصادي والخدمي. ومع بدء عودة آلاف الأسر السورية إلى مدنها، تبدو مؤشرات التعافي أكثر وضوحا من أي وقت مضى، رغم التحديات الهائلة.


