لم تكن بيارات الحمضيات في محافظة اللاذقية مجرد مساحات خضراء تكسو الجبال والسهول، بل كانت على مدى عقود “الذهب الأصفر” الذي يمنح العائلات الريفية أمانها الاقتصادي، والعمود الفقري للتجارة الزراعية في الساحل السوري.
إلا أن هذا المشهد الوردي بدأ يتآكل تدريجيا، ليحل محله واقع قاتم يهدد باقتلاع تاريخ زراعي كامل، اليوم يقف المزارع في اللاذقية حائرا أمام أشجاره التي باتت تطالبه بتكاليف تفوق قدرته على الاحتمال، في ظل غياب التخطيط الحكومي الفعال وتفاقم الأزمات المعيشية.
قصص من قلب البيارات: صرخة المزارع المنسي
في جولة ميدانية شملت القرى الممتدة من ريف جبلة وصولا إلى أقصى الريف الشمالي، التقينا بوجوه أتعبتها الشمس والهموم.
العم “أبو محمد” الذي قضى أكثر من خمسين عاما في رعاية بستانه الذي ورثه عن أجداده، تحدث بمرارة وهو يلمس أغصان شجرة برتقال ذابلة، مبينا أن هذه الأرض لم تبخل عليهم يوما لكنهم اليوم أصبحوا عاجزين عن خدمتها. لافتا إلى أن سعر كيس السماد الواحد يعادل تعب موسم كامل، والمبيدات التي يحتاجها لمكافحة الآفات باتت تباع بأسعار خيالية وكأنها معادن ثمينة.
وأشار أبو محمد ” لسيريا مورس ” أن المعاناة لا تتوقف عند المستلزمات، بل تمتد لتشمل شريان الحياة الأساسي ( المياه) فمياه الري باتت عملة نادرة نتيجة جفاف السدود واهتراء الشبكات التي لم تخضع للصيانة منذ سنوات ، حيث يضطر المزارعون للجوء إلى المحركات لاستخراج المياه، وهنا تبرز أزمة المحروقات ، إذ يصل سعر ليتر المازوت في السوق السوداء إلى أرقام تعجيزية، مما يترك الأشجار عرضة للعطش والموت البطيء.
أما في قرية “الشراشير” بجبلة يرسم “أبو الحسن” لوحة أكثر قتامة للواقع الميداني ، مبينا أن المشهد تحت الأشجار مؤلم للغاية فالثمار تنضج ثم تتساقط لتتعفن على الأرض لأن كلفة قطافها ونقلها إلى سوق الهال تتجاوز سعر بيعها.
وبين أبو الحسن أن سعر الكيلوغرام الواحد من أجود الأنواع “أبو صرة” أو “الليمون” لا يتجاوز 4 آلاف ليرة سورية بينما يحتاج المزارع لضعف هذا المبلغ لتغطية أجور اليد العاملة، و ثمن الصناديق البلاستيكية، وعمولات التجار والوسطاء. لافتا إلى أن هذا الواقع المرير دفع جيرانه، بقلوب يعتصرها الألم، إلى اقتلاع أشجار الحمضيات واستبدالها بزراعات استوائية كالموز، بحثا عن ربح سريع يسد رمق عائلاتهم.
غياب الصناعة التحويلية
السيد جمال مزارع آخر التقيناه في ريف اللاذقية، وضع يده على الجرح الغائر في هذا القطاع، وهو غياب “الصناعة التحويلية”. مشيرا إلى أنه منذ سنوات وهم يسمعون وعودا حكومية بإنشاء معامل للعصائر تستوعب الفائض الإنتاجي، لكنها بقيت حبرا على ورق ، منوها أنه عندما يفيض الإنتاج، يتحول المحصول من ثروة وطنية إلى عبء اقتصادي يغرق الأسواق المحلية ويخفض الأسعار إلى ما دون التكلفة. لافتا إلى أن غياب الدعم الحكومي المباشر، وتخلي المؤسسات المعنية عن دورها في استجرار المحصول بأسعار تأشيرية عادلة، جعل المزارع الحلقة الأضعف في سلسلة الإنتاج.
بيئة مجهدة وأمراض تتربص
من منظور علمي وتقني أشار الدكتور المهندس ياسر العلي، المختص في وقاية النبات إلى أن الأزمة الحاصلة في موسم الحمضيات هي نتيجة تراكمية لسوء الإدارة البيئية والزراعية، لافتا إلى أن ضعف التسميد الناتج عن غلاء الأسعار أدى إلى تراجع “مناعة الأشجار”، مما جعلها فريسة سهلة لآفات مثل “صانعة الأنفاق” و”ذبابة الفاكهة”.
وحذر الدكتور العلي من التوجه العشوائي نحو المحاصيل البديلة (مثل الموز والمنغا) مؤكداً أنه رغم ربحيتها الحالية، إلا أنها تستهلك كميات هائلة من المياه تفوق قدرة الأحواض المائية في الساحل، مما قد يؤدي مستقبلا إلى تملح التربة وجفاف الآبار الجوفية.
مؤكدا أن الحل التقني يكمن في إعادة تأهيل شبكات الري واستخدام تقنيات الري الحديث، بالتوازي مع توفير المستلزمات بأسعار مدعومة لضمان جودة الثمار وقدرتها على المنافسة التصديرية.
فشل السياسات واحتكار الوسطاء
في السياق نفسه أكد الخبير الاقتصادي الدكتور شادي جليلكو أن أزمة الحمضيات هي مرآة لفشل السياسات التسويقية المتلاحقة، موضحا أن الفجوة الكبيرة بين ما يدفعه المستهلك وما يتقاضاه المزارع تذهب لجيوب “حلقات الوساطة” وسماسرة النقل.
وأشار جليلكو إلى أن الحكومات المتعاقبة اكتفت بمسكنات مؤقتة، بينما يحتاج القطاع إلى ثورة في البنية التحتية اللوجستية ، مبينا أن غياب مراكز الفرز والتوضيب الحديثة يقلل من فرص التصدير إلى الأسواق الخارجية التي تشترط معايير جودة معينة، مؤكدا أن خسارة هذا القطاع ليست مجرد خسارة فردية للمزارع، بل هي نزيف للاقتصاد الوطني الذي يفقد مصدرا هاما للقطع الأجنبي، مشددا على أن “السيادة الغذائية” تبدأ من حماية المزارع وتأمين استقراره في أرضه.
استراتيجيات الإنقاذ: ما العمل؟
من جهة أخرى بين الخبير الإقتصادي أن إنقاذ “الذهب الأصفر” في اللاذقية يتطلب خطة طوارئ وطنية تتجاوز لغة الوعود، مضيفا أنها تتمثل في دعم مباشر للمستلزمات (توفير الأسمدة والمبيدات والمحروقات بأسعار مدعومة فعليا عبر الجمعيات الفلاحية) وتطوير الري بالانتقال من الري التقليدي إلى الري الحديث وصيانة السدود لتقليل الهدر المائي.
أيضاً تفعيل الصناعات التحويلية عبر البدء فورا بإنشاء معامل عصائر حكومية أو تشجيع القطاع الخاص بتقديم تسهيلات ضريبية، لامتصاص الفائض السنوي.
بالإضافة إلى تنظيم التصدير بفتح قنوات تصديرية مباشرة ودائمة مع الدول المجاورة (مثل العراق وروسيا والخليج) وتسهيل حركة الشاحنات عبر الحدود، أيضا ضبط الأسواق كإلغاء تعدد الحلقات الوسيطة لضمان وصول الربح العادل للمنتج والسعر المنطقي للمستهلك.
بين الإرث والرحيل
يبقى المزارع السوري في اللاذقية اليوم واقفا في “منطقة رمادية” خطيرة فهو بين خيار التمسك بإرث أجداده ومواجهة الإفلاس، أو اقتلاع تاريخه بيده والبحث عن بدائل قد لا تكون مستدامة. إن استمرار تجاهل أوجاع هذا القطاع سيعني بالضرورة تحول الساحل السوري من سلة خضراء إلى مناطق زراعية مشوهة بيئيا واقتصاديا
إن حماية الحمضيات ليست مجرد ترف، بل هي ضرورة وطنية لإعادة التوازن للاقتصاد المحلي وحماية الأمن الغذائي السوري.


