استيقظ مزارعو ريف اللاذقية وجبلة على واقع ميداني معقد فرضته موجة من الصقيع الإشعاعي، والتي لم تكتف بتلف المحاصيل فحسب، بل كشفت عن ثغرات عميقة في قدرة القطاع الزراعي على الصمود أمام التقلبات المناخية المفاجئة. وفي الوقت الذي كان فيه المزارعون يترقبون جني ثمار تعبهم لتغطية الالتزامات المالية المترتبة على تكاليف البذور والأسمدة والنايلون، جاءت هذه الموجة لتبعثر الحسابات وتضع الكثيرين أمام تحدي الاستمرارية في الموسم الحالي، بعد أن تحولت آلاف البيوت البلاستيكية من وحدات إنتاجية إلى مساحات من الشتلات المتضررة التي فقدت قيمتها التسويقية في ليلة واحدة ساكنة.
استثمارات في مهب الريح
في جولة ميدانية قامت بها سيريا” مورس “لرصد حجم الأضرار، كانت ملامح القلق واضحة على وجوه المزارعين الذين استثمروا كل ما يملكون في تأمين مستلزمات الإنتاج التي باتت تشكل عبئا ماليا كبيرا.
أبو ياسر من قرية بخضرمو بريف جبلة الذي كرس وقته وجهده لزراعة البندورة المحمية، يرى أن الزراعة اليوم لم تعد مجرد مهنة مرتبطة بالأرض، بل تحولت إلى استثمار عالي المخاطر يتأثر بشكل مباشر بتقلبات التكاليف والمناخ على حد سواء، موضحا أن أسعار البذور الهجينة والأسمدة والمبيدات الزراعية، بالإضافة إلى تكاليف تجهيز البيوت البلاستيكية بالنايلون والحديد، استنزفت السيولة المالية المتاحة لديه، حيث كان يعلق آمالا كبيرة على هذا الموسم لسداد الديون المتراكمة للصيدليات الزراعية، إلا أن الصقيع كان أسرع من طموحاته، إذ أدى انخفاض درجات الحرارة المفاجئ إلى تلف الأوراق والثمار بشكل كامل.

سباق مع الزمن وفقدان الجدوى الاقتصادية
لا تقتصر المأساة على ضياع المحصول الحالي فحسب، بل تمتد لتشمل ضياع عامل الوقت الذي يعد حاسما في الدورة الزراعية. منير من قرية الشامية بريف اللاذقية أشار إلى أن البدء من جديد في منتصف الموسم يتطلب توفر سيولة مالية فورية ومستلزمات إنتاج قد لا تكون متوفرة بسهولة في الوقت الراهن، فضلا عن أن الأصناف التي تمت زراعتها لها توقيت زمني محدد للنمو والإنتاج، وتجاوز هذا التوقيت يعني فقدان الجدوى الاقتصادية من الزراعة لهذا العام. لافتا إلى أن هذه التعقيدات تضع المزارع في زاوية ضيقة، حيث يجد نفسه مطالبا بتأمين بدائل سريعة في ظل ظروف اقتصادية ضاغطة، وهو ما يزيد من حجم التحديات التي يواجهها المزارع السوري الذي بات يعتبر الحلقة الأضعف في سلسلة الإنتاج الغذائي.
ليلة الصقيع الإشعاعي
وفي السياق نفسه رأى المهندس الزراعي خالد العلي الخبير في وقاية النبات، أن ما حدث هو نتيجة ظاهرة “الصقيع الإشعاعي” وهي من أخطر الظواهر المناخية التي تواجه الزراعات المحمية، تحدث عندما يكون الجو صافيا تماما والرياح ساكنة، ما يسمح للأرض بفقدان حرارتها المخزنة بسرعة نحو الفضاء، فتتكون كتلة هوائية باردة جدا تستقر فوق سطح الأرض مباشرة.
ويؤكد العلي أن المحاصيل مثل البندورة والفليفلة والفاصولياء تحتوي على نسبة عالية من المياه في خلاياها، وعندما تهبط الحرارة إلى مستويات متدنية، يتجمد هذا الماء ويزداد حجمه، مما يؤدي إلى تمزق الجدران الخلوية للنبات، مضيفا أنه بمجرد بزوغ الشمس تبدأ هذه الأنسجة بالتحلل السريع، هذا ما يفسر تحول النبات إلى اللون الداكن وجفافه خلال ساعات قليلة.
وأكد الدكتور العلي “لسيريا مورس” أن البيوت البلاستيكية التقليدية المتبعة في المنطقة توفر حماية محدودة جدا ولا يمكنها مواجهة هذه الموجات دون توفر أنظمة تدفئة فعالة، وهي تقنيات يفتقر إليها معظم المزارعين بسبب تكاليف الطاقة المرتفعة وغياب الدعم اللازم لتطوير هذه المنشآت الزراعية.
المطلوب تقديم قروض انتاجية

تداعيات هذه الكارثة الزراعية لن تتوقف عند حدود الحقول، بل ستنتقل آثارها قريبا إلى الأسواق والمستهلكين بشكل مباشر. وفي هذا السياق، يشير الخبير الاقتصادي الدكتور حسام عيسى خليلو إلى أن تلف كميات كبيرة من المحاصيل في أهم معقل للزراعة المحمية سيؤدي حتماً إلى نقص في العرض، ما سينعكس على شكل ارتفاع ملحوظ في الأسعار.
ويرى خليلو أن غياب منظومة تأمين زراعي فاعلة وشاملة هو الثغرة الأساسية التي تجعل المزارع مكشوفا أمام المخاطر الطبيعية، معتبرا أن الاعتماد على التعويضات المحدودة التي قد تقدم لاحقا لا يمكن أن يغطي التكاليف المرتفعة للزراعة الحديثة. ويؤكد على ضرورة تدخل المؤسسات المعنية عبر تقديم قروض إنتاجية عاجلة بدون فوائد، وتوفير منح من البذور والأسمدة لتمكين المزارعين من إعادة تأهيل أراضيهم قبل فوات الأوان، لضمان استقرار سلة الغذاء الأساسية وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
رؤية وقائية مستدامة
كما يبرز دور البحث العلمي الزراعي في استنباط أصناف نباتية تكون أكثر مقاومة للتذبذبات الحرارية العنيفة، بالإضافة إلى ضرورة دعم مستلزمات التدفئة وتوفير المحروقات المخصصة للزراعة بأسعار مدعومة، لتمكين المزارعين من تشغيل أنظمة الحماية في الليالي المتجمدة.
في نهاية المطاف، يبقى المزارع في ريف اللاذقية وجبلة ينتظر خطوات عملية وجريئة تخرجه من دائرة الخسائر المستمرة. إضافة إلى إن صمود هذا القطاع هو مسؤولية جماعية تتطلب تكاتف الجهود لتوفير بيئة إنتاجية آمنة، تضمن استمرار الزراعة المحمية كدعامة أساسية للاقتصاد الوطني، وتحمي آلاف العائلات من مواجهة أزمات مالية قد تخرجهم من دورة الإنتاج بشكل نهائي إذا لم يتم تدارك الموقف وتقديم الدعم الحقيقي والمباشر في الوقت المناسب.


