تشهد منطقة الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة مخاضا عسيرا يعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات الدولية، وفي قلب هذا الإعصار المتلاطم تبرز الدولة السورية كلاعب يسعى لاستعادة توازنه المفقود من خلال مقاربة سياسية جديدة تتسم بالواقعية المفرطة والابتعاد المتعمد عن محاور التصادم المباشر.
وما نلمسه اليوم في المشهد السوري ليس مجرد تهدئة ميدانية عابرة أو استراحة محارب لامتصاص الضربات، بل هو تجل واضح لمرحلة انتقالية حرجة وعميقة، تحاول فيها دمشق فك الارتباط العضوي بين أمنها القومي والصراعات الإقليمية المشتعلة من حولها، وذلك في محاولة استراتيجية لاستثمار حالة الهدوء القسري وتحويلها إلى استقرار بنيوي يمهد الطريق لعملية إعادة بناء شاملة لما دمرته الحرب، بعيدا عن لغة الشعارات والمواجهات الصفرية التي استنزفت مقدرات البلاد.
وفي هذا السياق، أشار الدكتور أحمد السباعي، المقيم في الولايات المتحدة والعضو الاستشاري في التحالف السوري الأمريكي للسلام والازدهار، في قراءته التحليلية لهذا المشهد، إلى أن الدولة السورية بدأت بالفعل تتبنى تحولا استراتيجيا دائما وليس مؤقتا، على الأقل في المدى المنظور الذي قد يمتد لعشر سنوات كحد أدنى.
النأي بالنفس كاستراتيجية بناء وطني بعيدة المدى
وأوضح الدكتور السباعي لشبكة “سيريا مورس“ الإخبارية أن سياسة “النأي بالنفس” التي تنتهجها سوريا حاليا لم تعد مجرد مناورة تكتيكية لتفادي ضغوط دولية أو ضربات عسكرية محتملة، بل صارت عقيدة سياسية وطنية تهدف بالدرجة الأولى إلى توفير المناخ الملائم للنهوض الاقتصادي وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة المنهكة.
ويؤكد أن هذا المسار السوري الجديد ينطلق من إدراك عميق وواقعي لحجم الدمار الهائل الذي خلفته سنوات الصراع، مما جعل الأولوية الوطنية القصوى هي الالتفات التام نحو الجبهة الداخلية وتأمين الاحتياجات الأساسية للشعب السوري، الذي بات يعيش الجزء الأكبر منه تحت خط الفقر.
كذلك بين أن هذا التوجه يفرض بالضرورة الانكفاء عن الانخراط في أي صراعات إقليمية خارجية قد تؤدي، في حال وقوعها، إلى الانهيار التام لما تبقى من هيكل الكيان السوري، وهو ما تدركه القيادة السورية وتضعه في الحسبان.
سيادة القرار الوطني وتعارض الرغبات الدولية
وفيما يخص التدخلات الخارجية، أكد الدكتور السباعي أن القرار السوري بتجنب الانزلاق إلى مستنقع الحرب الإقليمية هو قرار سيادي بامتياز، نابع من تقدير دقيق وحذر للمصالح الوطنية العليا، بعيدا عن أي إملاءات قد تفرضها القوى الكبرى.
ولفت إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية، ورغم محاولاتها في بعض المنعطفات تشجيع دمشق على لعب أدوار معينة تخدم استراتيجيتها (كالتدخل في لبنان لمواجهة بعض الأطراف)، إلا أنها قوبلت برفض سوري قاطع وحاسم. موضحا أن هذا الرفض يثبت استقلالية الخيار السوري وبعده عن أي تفاهمات سرية أو صفقات قد ترهن القرار الوطني للخارج.
وبين الدكتور السباعي أن الإدارة الأمريكية تبدي اليوم نوعا من الواقعية في تفهم هذا الموقف السوري، فهي تدرك تماما أن الدولة السورية في وضعها الراهن، بما تعانيه من أزمات اقتصادية خانقة وعقوبات دولية، لا تملك القدرة ولا الرغبة في لعب أدوار إقليمية كبرى تتجاوز حدودها الجغرافية.
وبناء على ذلك، يرى السباعي أن هدوء الجبهة السورية يتقاطع في هذه المرحلة مع الرغبة الأمريكية في منع اشتعال حرب شاملة قد تخرج عن السيطرة.
توازنات القوى الإقليمية وآفاق الصراع المفتوح
وعند الانتقال لتحليل موازين القوى بين واشنطن وطهران، قدم الدكتور السباعي رؤية تحليلية تتسم بالواقعية السياسية، حيث استبعد تماما سيناريوهات الانهيار السريع أو السقوط المفاجئ للنظام الإيراني تحت وطأة الضغوط الحالية.
واستشهد السباعي برأي أحد أكبر الخبراء الاستراتيجيين في الولايات المتحدة، وهو البروفيسور الدكتور جون ميرشايمر، الخبير في العلاقات الدولية، الذي أكد أن أي محاولة جدية لتغيير الواقع السياسي في إيران تتطلب تدخلا عسكريا بريا واسع النطاق، وهو خيار يقع خارج دائرة حسابات التكلفة والمنفعة للإدارات الأمريكية المتعاقبة، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية العالمية.
واوضح أن استمرار سياسة “حافة الهاوية” الحالية ستؤدي إلى تضييق الخناق الاقتصادي على المجتمع الدولي بأسره نتيجة الارتفاع الجنوني المتوقع في أسعار الطاقة، مما يضع واشنطن وحلفاءها أمام معضلات كبرى لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد لتشمل تهديد البنية التحتية الحيوية في دول الجوار.
وأكد الدكتور السباعي أن هذا الواقع الجيوسياسي المعقد يفرض نوعا من الاستقرار الهش القائم على استنزاف متبادل للقوى دون الوصول إلى نقطة اللاعودة أو الانفجار الكبير، مما يعني أننا بصدد مرحلة طويلة من إدارة الصراع بدلا من حسمه، وهو ما يقلل من احتمالات حدوث تغيير جذري وفوري في شكل الشرق الأوسط في المستقبل القريب.
العودة الخليجية وإعادة تعريف النفوذ في سوريا
وعلى صعيد التحولات الكبرى في خريطة النفوذ الإقليمي داخل الأراضي السورية، أكد الدكتور السباعي وجود مؤشرات قوية ومتزايدة على عودة الزخم للدور الخليجي، ولا سيما الدور السعودي، وهو حضور يلقى صدى إيجابيا واسعا في الشارع السوري الذي يتطلع لاستعادة التوازن العربي في بلاده، مبينا أن هذا النفوذ الخليجي الصاعد لا يهدف بالضرورة إلى استئصال أو استبدال النفوذ الإيراني الذي تغلغل بعمق طوال العقود الماضية، بل يسعى إلى خلق حالة من التوازن الاستراتيجي افتقدتها سوريا لسنوات طويلة.
كذلك أشار إلى أن العلاقة التي تتبلور حاليا مع المملكة العربية السعودية تميل لأن تكون تحالفا سياسيا رصينا يحترم خصوصية وسيادة الدولة السورية، بدلا من كونها تدخلا مباشرا في الشؤون الداخلية أو محاولة لفرض وصاية سياسية، مما يمنح دمشق مساحة أكبر للمناورة في المحافل الدولية ويفتح لها أبوابا كانت مغلقة لسنوات في وجه التعافي الاقتصادي المنشود.
مستقبل سوريا بين طموح التعافي وتعقيدات الوساطة
أيضا استبعد الدكتور السباعي أن تلعب سوريا في الوقت الراهن أو القريب دور الوسيط بين إيران والغرب، مبينا أن هذا الدور يتطلب شروطا ومناخات سياسية لم تنضح بعد، فضلا عن التعقيدات والعداءات المترسبة التي تجعل من هذه المهمة عبئا سياسيا ثقيلا قد يضعف الموقف السوري بدلا من تقويته، مؤكدا أن الأولوية السورية المطلقة ستبقى متمحورة حول الحفاظ على حالة الهدوء الحالية كخيار استراتيجي وحيد لضمان النجاة الوطنية والبدء بورشة الإصلاح الداخلي.
وأعرب عن تفاؤله الحذر بقرب انتهاء موجة التصعيد الحالية في المنطقة خلال الأسابيع القليلة القادمة، خاصة مع توجه الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب نحو إغلاق ملفات الحروب المكلفة والتركيز على الاتفاقات السياسية والاقتصادية.
وفي ختام قراءته المعمقة، بين الدكتور السباعي أن سوريا قد اجتازت بالفعل أخطر مراحل الصراع، وهي اليوم تسير بخطى حثيثة، وإن كانت صعبة، نحو استعادة عافيتها والابتعاد نهائيا عن دوامة الحروب الإقليمية، لتصبح طرفا يسعى للاستقرار بدلا من أن يكون ساحة لتصفية الحسابات الدولية.


