الشرق الأوسطسوريا

أوروبا تعيد سوريا إلى إطار الشراكة: اتفاق 1978 يعود بالكامل بعد خمسة عشر عاماً

تحميل المقال PDF
أوروبا تعيد سوريا إلى إطار الشراكة: اتفاق 1978 يعود بالكامل بعد خمسة عشر عاماً
شبكة سيريا مورس الإخبارية

Morse AI

ملخص واستماع ذكي للمقال

الصوت مولّد بالذكاء الاصطناعي وليس صوتاً بشرياً.

قرار الاتحاد الأوروبي إنهاء التعليق الجزئي لاتفاق التعاون مع سوريا ترافق مع أول حوار سياسي رفيع المستوى بين الجانبين، في انتقال واضح من سياسة العقوبات وإدارة الأزمة إلى بناء علاقة مؤسسية تقوم على التجارة والتعافي وإعادة الإعمار.

بروكسل – 12 مايو/أيار 2026

بعد خمسة عشر عاماً من تعليق أجزاء أساسية من علاقته الاقتصادية مع دمشق، أعاد الاتحاد الأوروبي في 11 مايو/أيار التطبيق الكامل لاتفاق التعاون مع سوريا، في خطوة تحمل معنى يتجاوز استعادة مجموعة من الأحكام التجارية.

فقد اعتمد مجلس الاتحاد الأوروبي قراراً ينهي التعليق الجزئي للاتفاق الذي يعود إلى عام 1977 ودخل حيز التطبيق في 1978، ملغياً بذلك القرار الأوروبي الذي اتُخذ عام 2011 رداً على الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها نظام بشار الأسد.

وفي اليوم نفسه، عقدت بروكسل أول حوار سياسي رفيع المستوى بين الاتحاد الأوروبي وسوريا منذ التحول السياسي الذي أعقب سقوط نظام الأسد، برئاسة مشتركة بين مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني.

تزامن المساران — القانوني والسياسي — لم يكن عرضياً.

فبعد عام ركز فيه الاتحاد الأوروبي على رفع العقوبات الاقتصادية وفتح قنوات التواصل مع السلطات السورية الجديدة، بدأ في مايو/أيار الانتقال إلى مرحلة مختلفة: إعادة بناء علاقة طبيعية ومؤسسية مع الدولة السورية.

من تعليق 2011 إلى قرار 2026

علق الاتحاد الأوروبي في سبتمبر/أيلول 2011 أجزاء من اتفاق التعاون رداً على القمع الذي مارسه نظام الأسد ضد السوريين.

وشمل التعليق أحكاماً تجارية تزيل القيود الكمية المفروضة على بعض الواردات السورية، بما فيها النفط والمنتجات النفطية والذهب والمعادن الثمينة والألماس. وتم توسيع الإجراءات في العام التالي.

لكن المشهد الذي استند إليه ذلك القرار تغير جذرياً بعد سقوط الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.

في مايو/أيار 2025، رفع الاتحاد الأوروبي عقوباته الاقتصادية على سوريا، مع الإبقاء على القيود المرتبطة بأسباب أمنية وعلى الإجراءات التي تستهدف الأسد وأفراداً وكيانات مرتبطة بالنظام السابق.

وفي أبريل/نيسان 2026، اقترحت المفوضية الأوروبية إنهاء التعليق المتبقي لاتفاق التعاون.

وفي 11 مايو، أصبح الاقتراح قراراً أوروبياً رسمياً.

وقال مجلس الاتحاد الأوروبي إن الظروف التي أدت إلى تعليق الاتفاق لم تعد قائمة، وإن استعادة تطبيقه الكامل تنسجم مع سياسة أوروبية تهدف إلى دعم انتقال سلمي وشامل ومساعدة سوريا في تعافيها الاجتماعي والاقتصادي.

ما الذي يتغير عملياً؟

من الناحية القانونية، يزيل القرار القيود التي كانت ما تزال مفروضة على تطبيق بعض بنود الاتفاق التجاري.

لكن أهميته بالنسبة إلى الاقتصاد السوري تتجاوز المنتجات التي يشملها.

فالاتفاق يوفر منذ عقود الإطار القانوني الأساسي للعلاقات الاقتصادية والتجارية بين سوريا والاتحاد الأوروبي.

والعودة الكاملة إليه تعني أن العلاقة لم تعد تعتمد فقط على إعفاءات من العقوبات أو قرارات سياسية مؤقتة، وإنما تعود إلى إطار تعاقدي مستقر بين الطرفين.

وهذا الفارق مهم للشركات والمستثمرين والمؤسسات المالية.

رفع العقوبات يعني أن التعامل أصبح ممكناً.

أما وجود إطار تعاون رسمي فيعني أن دمشق وبروكسل بدأتا إعادة بناء القواعد التي يمكن أن ينمو داخلها ذلك التعامل.

وتتيح الأحكام المستعادة إزالة قيود على واردات سورية محددة، بما فيها النفط والمنتجات النفطية وبعض المعادن والسلع الأخرى.

ومع ذلك، فإن استعادة الاتفاق لا تعني أن التجارة ستعود تلقائياً إلى مستويات ما قبل الحرب.

فالبنية الإنتاجية السورية ما تزال بحاجة إلى إعادة تأهيل، والنظام المصرفي يحتاج إلى استعادة علاقاته الخارجية، فيما ستبقى الشركات الأوروبية بحاجة إلى تقييم المخاطر القانونية والأمنية والاستثمارية قبل الدخول إلى السوق.

لأول مرة: حوار سياسي مؤسسي

ربما كانت الخطوة الأكثر دلالة في 11 مايو هي أن القرار التجاري لم يحدث منفرداً.

ففي اليوم نفسه، جلس الشيباني وكايا كالاس على رأس أول حوار سياسي رفيع المستوى بين الاتحاد الأوروبي وسوريا.

وناقش الاجتماع العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية ودعم عملية الانتقال السورية، إضافة إلى التعافي الاجتماعي والاقتصادي وإعادة الإعمار وحقوق السوريين بمختلف مكوناتهم.

وقالت كالاس إن الخطوات الأوروبية تمثل إشارة مهمة إلى تطبيع العلاقات مع سوريا، مشيرة إلى أن الاتحاد تحرك سريعاً لدعم عملية الانتقال وإعادة الإعمار بعد سقوط نظام الأسد.

الأهمية هنا هي الانتقال من دبلوماسية الزيارات إلى دبلوماسية المؤسسات.

فاللقاءات بين الرؤساء ووزراء الخارجية يمكن أن تطلق علاقة جديدة، لكن الحوار السياسي الدوري والاتفاقات القانونية والبرامج الاقتصادية هي التي تمنح تلك العلاقة القدرة على الاستمرار.

إعادة الإعمار تدخل إطاراً دولياً جديداً

شهد اليوم نفسه أيضاً انعقاد منتدى تنسيق الشراكة مع سوريا، الذي نظمته المفوضية الأوروبية بالاشتراك مع السلطات السورية الانتقالية.

وضم المنتدى دولاً أعضاء في الاتحاد الأوروبي ودولاً شريكة وممثلين عن الأمم المتحدة ومؤسسات مالية دولية، بهدف تنسيق المساعدات وجهود التعافي وإعادة الإعمار مع الأولويات السورية.

وهذه خطوة مهمة لسوريا.

فإعادة بناء بلد دمرت الحرب جزءاً كبيراً من بنيته التحتية واقتصاده تحتاج إلى أكثر من اتفاقات ثنائية منفصلة.

تحتاج دمشق إلى قدرة على تنسيق التمويل الدولي وتحديد أولويات وطنية ومنع تكرار المشروعات أو تضاربها، والأهم بناء مؤسسات تستطيع إدارة مليارات الدولارات بطريقة قابلة للمساءلة.

ومن هنا، بدأت أوروبا تستخدم شيئاً تملكه إلى جانب المال: قدرتها على جمع الدول والمؤسسات الدولية حول إطار واحد.

أوروبا تعيد تعريف علاقتها بسوريا

منذ عام 2011، ارتبط الملف السوري في بروكسل بثلاثة عناوين رئيسية: العقوبات، والمساعدات الإنسانية، واللاجئون.

قرار مايو لا يلغي هذه الملفات، لكنه يضيف إليها عناوين جديدة: التجارة، والاستثمار، وإعادة الإعمار، والتعاون السياسي المنتظم.

وتشير المفوضية الأوروبية إلى أن الاتحاد ودوله الأعضاء قدموا منذ عام 2011 أكثر من 41 مليار يورو من المساعدات الإنسانية والتنموية ودعم الاستقرار للسوريين وللدول التي استضافت اللاجئين. ومع الإطار الجديد، بدأت بروكسل تتحدث بصورة متزايدة عن التعافي وإعادة الاندماج الاقتصادي لسوريا في فضائها المتوسطي.

هذا التحول مهم في قراءة المرحلة السورية الجديدة.

فالمساعدات تساعد المجتمع على تحمل الأزمة.

أما التجارة والاستثمار والمؤسسات فهي أدوات تحتاجها الدولة للخروج منها.

الشراكة الأوروبية تبقى مشروطة بالانتقال

رغم ذلك، لا تعني استعادة العلاقات أن أوروبا تخلت عن شروطها السياسية.

فالحوار الذي انعقد في بروكسل أكد مجدداً دعم الاتحاد لعملية انتقال شاملة تحافظ على حقوق جميع المواطنين السوريين، إلى جانب الاستقرار وإعادة الإعمار والتنمية.

وهذا يعكس جوهر السياسة الأوروبية بعد الأسد.

بروكسل لم تعد تحاول التأثير في سوريا من خلال العزلة الاقتصادية الشاملة، لكنها لم تنتقل أيضاً إلى علاقة خالية من الشروط.

الفرق هو أن أدوات التأثير أصبحت الآن موجودة داخل العلاقة: التجارة، والتمويل، والحوار السياسي، ودعم المؤسسات، والمشروعات التنموية.

من رفع الحواجز إلى بناء الجسور

في أبريل، اقترحت المفوضية الأوروبية استعادة الاتفاق.

وفي 11 مايو، حوّل مجلس الاتحاد الأوروبي هذا الاقتراح إلى قرار، فيما جلس المسؤولون السوريون والأوروبيون في بروكسل لبدء أول حوار سياسي مؤسسي من نوعه.

هذه الخطوات مجتمعة تجعل الحدث أكبر من مجرد تعديل تجاري.

ففي عام 2011، كان تعليق الاتفاق جزءاً من عملية فك الارتباط بين أوروبا ونظام الأسد.

وبعد خمسة عشر عاماً، أصبحت استعادته جزءاً من محاولة بناء علاقة مع الدولة السورية التي خرجت من تلك المرحلة.

لن يؤدي الاتفاق وحده إلى إعادة بناء سوريا، ولن يعيد التجارة والاستثمار بين ليلة وضحاها.

لكنه يزيل طبقة أخرى من البنية القانونية التي نشأت خلال الحرب، ويستبدل بها إطاراً يقوم على التعاون.

وبذلك انتقلت العلاقة السورية–الأوروبية في 11 مايو/أيار خطوة إضافية:

من إنهاء سياسة العزلة إلى البدء ببناء سياسة الشراكة.