بينما كان العالم يترقب ملامح النظام الدولي الجديد في مطلع عام 2026 خطفت سوريا الأضواء من قلب “مؤتمر ميونخ للأمن” لترسم مشهدا لم يكن يتخيله أكثر المتفائلين قبل أعوام قليلة. لم تكن المصافحات في أروقة المؤتمر مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر، بل كانت إعلانا ضمنيا عن انتهاء حقبة الجمود الكبير وبدء مرحلة الواقعية المشروطة في السياسة الأمريكية تجاه دمشق.
في هذا السياق تبرز قراءة الدكتورة عزة عبد الحق عضو استشاري بالتحالف السوري الأمريكي للسلام والازدهار، لتفكك طلاسم هذا التحول حيث أشارت إلى أن المتغيرات الميدانية والسياسية، بدءا من صعود القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، وصولا إلى براغماتية ماركو روبيو في الخارجية الأمريكية، قد وضعت قطار الحل على سكة التفاهمات المباشرة.
ولفتت عبد الحق إلى أننا لسنا أمام مجرد “تهدئة” بل نحن بصدد مخاض عسير لولادة سورية جديدة، تعيد تموضعها إقليميا ودوليا بعيدا عن صراعات المحاور.
واقعية “روبيو” وميلاد الدبلوماسية المشروطة
توقفت الدكتورة عزة عبد الحق، في حديثها إلى موقع «سيريا مورس»، عند ما وصفته بالتحول الجذري في اتجاهات السياسة الخارجية الأمريكية، مشيرة إلى أن تولي Marco Rubio وزارة الخارجية شكل انتقالا واضحا من مرحلة “الانتظار السلبي” إلى نهج يقوم على التفاوض المباشر. واعتبرت أن لقاء ميونخ، الذي جمع الوزير الأمريكي بوفد سوري رفيع ضم وزير الخارجية أسعد الشيباني وعددا من قادة «قسد»، مثل محطة مفصلية في إعادة فتح قنوات التواصل السياسي.
ورأت عبد الحق أن روبيو، الذي عرف سابقا بمواقفه المتشددة، بات اليوم أكثر انسجاما مع توجهات البيت الأبيض الرامية إلى خفض الانخراط العسكري وتقليص كلفته، مستندا إلى ما وصفته بأرضية تعاون أمني في ملفات مكافحة الإرهاب يمكن أن تشكل مدخلا لإعادة بناء الثقة بين الطرفين بعد سنوات من القطيعة.
تجاوز «قيصر» وصياغة اقتصاد الاستقرار
إلغاء قانون قيصر بالكامل
وفي قراءتها للمشهد الاقتصادي الراهن، أكدت الدكتورة عبد الحق على أن ما يعرف بـ قانون قيصر قد تم إلغاؤه بالكامل، في خطوة تعكس – بحسب توصيفها – تحولا واضحا في مقاربة الإدارة الأمريكية، التي باتت تفضل دعم مسارات الاستقرار وإعادة بناء المؤسسات على سياسات الضغط القصوى التي غذت حالة الفوضى خلال السنوات الماضية.
موضحة أن الرؤية الأمريكية الجديدة لم تعد تفصل بين الملفين السياسي والاقتصادي، بل أصبحت تربط بشكل عضوي بين مشروع إعادة الإعمار في سوريا وبين تبني الحكومة السورية الحالية نهجا دبلوماسيا معتدلا ومنفتحا على الحوار الإقليمي والدولي. معتبرة أن هذا الربط يعكس إدراكا أمريكيا متزايدا بأن تحقيق الاستقرار المستدام لا يمكن أن يتم عبر العقوبات وحدها، بل عبر تحفيز البيئة الاقتصادية وفتح قنوات التعاون المشروط.
وبينت عبد الحق أن المشهد داخل الكونغرس الأمريكي لا يخلو من التحفظات، إذ لا تزال بعض الدوائر تطرح تساؤلات وتطالب بضمانات إضافية تحول دون إعادة فرض عقوبات جديدة مستقبلا، حيث وصفت هذه المواقف بأنها أقرب إلى مناورات سياسية داخلية تهدف إلى تسجيل مواقف أو انتزاع التزامات محددة، أكثر من كونها عرقلة حقيقية لمسار التحول الجاري.
وفي هذا السياق، رأت أن القرار التنفيذي الفعلي يتجه من قبل إدارة الرئيس Donald Trump نحو تقديم دعم مشروط للحكومة السورية، التي أشارت إليها باسم حكومة “الشرع”، وذلك طالما استمر التنسيق الميداني والسياسي في الملفات الحساسة المرتبطة بالأمن القومي، سواء ما يتعلق بمكافحة الإرهاب، أو ضبط الحدود، أو إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية.
وأشارت عبد الحق بأن المرحلة المقبلة مرهونة بمدى قدرة الطرفين على ترجمة هذا التحول السياسي إلى خطوات عملية على الأرض، بما يفتح الباب أمام تدفق الاستثمارات، وعودة المشاريع التنموية، وتخفيف الأعباء الاقتصادية عن المواطنين، في إطار معادلة جديدة عنوانها” الاستقرار مقابل الانخراط المسؤول في المنظومة الدولية”.
وحدة التراب السوري في اختبار “الدمج الوطني”
وعلى صعيد الملفات السيادية، لفتت عبد الحق إلى أن قضية الشمال السوري دخلت مرحلة الحسم عبر رؤية مدعومة أمريكيا تهدف إلى “الدمج الكامل والسلمي” للقوى المحلية ضمن مؤسسات الدولة المركزية. وأبانت أن الجلوس خلف طاولة واحدة تحت العلم السوري الموحد في ميونخ، يعكس إرادة دولية لصهر الهويات الفرعية في بوتقة الهوية الوطنية الواحدة.
وأوضحت عبد الحق أن نجاح هذا المسار يتطلب مراقبة دولية دقيقة لبناء الثقة، وضمان اجتثاث جذور الإقصاء والفساد التي ميزت الحقب السابقة، بما يكفل حقوق كافة المكونات عبر تشريعات وطنية حديثة.
التموضع الإقليمي الجديد وفرص الانسحاب الأجنبي
وأكدت الدكتورة عبد الحق أن الانفتاح الاقتصادي هو السلاح الأقوى الذي تستخدمته واشنطن حاليا لإعادة تموضع دمشق في محيطها العربي، بعيدا عن الاستقطابات الحادة. مشيرة إلى أن الحكومة السورية تدرك تماما أن الطريق إلى “شرق أوسط آمن” يمر عبر استقرارها الداخلي، وهو ما يسهم بدوره في تسريع انسحاب القوات الأجنبية وتقليل الكلف العسكرية.
ولفتت عبد الحق إلى أن سوريا باتت تمتلك اليوم القدرة على اختيار شركائها الدوليين بناء على لغة المصالح المتبادلة، مما يفتح الباب أمام تحالفات استراتيجية تتناسب مع تطلعات الشعب السوري في حياة كريمة.
المغترب السوري قاطرة التعافي والنهوض الاقتصادي
وفي ختام حديثها، أكدت الدكتورة عبد الحق أن الجالية السورية في الخارج تمثل ركيزة أساسية في مسار “التعافي المبكر”، لما تمتلكه من خبرات علمية متقدمة وإمكانات مالية قادرة على إحداث تأثير حقيقي وملموس في الاقتصاد الوطني.
وأوضحت أن الرفع الكامل للقيود البنكية والمالية يعد شرطا جوهريا لتهيئة مناخ استثماري جاذب، يسهم في تدفق رؤوس الأموال وتنشيط المبادرات الاقتصادية.
وأشارت إلى أن السوريين في بلاد الاغتراب يمتلكون من الكفاءة والقدرة ما يؤهلهم للقيام بدور محوري في تحريك عجلة الاقتصاد ودفع مسيرة النهوض والتنمية.


