حين يهل هلال شهر رمضان المبارك على محافظة اللاذقية، لا تكتفي المآذن بإعلان الصيام، بل تعلن الأرض برمتها حالة من الوجد الصوفي الفريد. حيث تتماوج زرقة المتوسط مع خضرة جبال الساحل السوري.
يكتسب الشهر الفضيل أبعادا تتجاوز حدود الشعائر لتصبح طقسا وجوديا يجمع بين السكينة والبهجة. من “حي القلعة” العتيق في قلب اللاذقية، وصولا إلى “حي العمارة” وحواري “جبلة” الضاربة في القدم، يفوح عبق التاريخ الممتزج برائحة البخور وقمر الدين، ليرسم لوحة اجتماعية تعكس أصابة هذا الشعب الذي يقدس الروابط الأسرية ويحتفي بالضيف وكأنه صاحب الدار.
قناديل تضيء عتمة المسافات
تتحول شوارع اللاذقية وجبلة مع حلول الشهر الفضيل إلى معرض مفتوح للجمال البصري. لا تقتصر الزينة هنا على الفوانيس الورقية التقليدية، بل تتعداها إلى إضاءات فنية تغطي واجهات الأبنية والشرفات، حيث تتدلى الحبال المضيئة لترسم أهلة ونجوما تحاكي في لمعانها انعكاس القمر على سطح البحر. وفي أسواق مدينة جبلة القديمة، وتحديدا بالقرب من جامع السلطان إبراهيم تتشابك خيوط الزينة بين الأزقة الضيقة، مما يضفي صبغة روحانية تأسر القلوب. هذا الاهتمام بالتفاصيل الجمالية يعكس رغبة المواطن الساحلي في خلق مساحة من الفرح والسكينة، وتحدي الظروف الصعبة ببريق الأمل الذي يمثله الشهر الكريم.
سكبة رمضان: تجسيد حقيقي للتكافل الاجتماعي
وفي السياق نفسه أشار أبو خالد أحد رجال الدين إلى أن “السكبة” في محافظة اللاذقية تمثل ركنا أساسيا من أركان الشخصية الاجتماعية الساحلية. مبينا أن قبل أذان المغرب بدقائق تشهد مداخل البيوت وأدراج الأبنية حركة دؤوبة، حيث يتنقل الصغار والكبار حاملين أطباقا تفوح منها روائح الشهيات. لافتاً إلى أنها ليست مجرد عملية تبادل للطعام، بل هي ميثاق محبة غير مكتوب “الجار للجار مهما عصفت الأزمات”
وبين أبو خالد لموقع “سيريا مورس ” أن قرى ريف اللاذقية وجبلة تأخذ هذه العادة طابعا أكثر عمقا، حيث يحرص الأهالي على إرسال “السكبة” إلى العائلات المحتاجة أو الأيتام قبل موائدهم الخاصة، مما يكرس مفهوم الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
مائدة الساحل: تمازج النكهات بين البر والبحر
من جانبه أكد العم أبو ضياء وهو مزارع يعمل بالبيوت البلاستيكية أن المائدة الرمضانية في اللاذقية تنفرد بتنوع يجمع بين خيرات الأرض وهبات البحر. بالإضافة إلى أن طبق “الفتة” الشامي يجد مكانه المرموق، والأطباق المحلية مثل “المغربية” و”الكبة السفرجلية” و”السمكة الحرة” تفرض حضورها بقوة.
لافتا إلى أن سحور أهل الجبل يحضر “الشنكليش” و”الزيتون” الأخضر والأسود كعناصر لا غنى عنها. أما المشروبات فما زال بائع “العرقسوس” و”التمر هندي” يجوب الساحات بزيه الفلكلوري، يسكب لزبائنه جرعات من الانتعاش تقاوم صبر الصيام. مبينا أن “الجزرية” اللاذقانية تبرز كملكة للحلويات الرمضانية، فهي رفيقة السهرات بامتياز، تمد الصائم بالطاقة وتجمع حولها العائلة في طقس اجتماعي دافئ.
نبض الشارع وذكريات الأمس
بدوره أكد أبو غسان وهو تاجر من مدينة جبلة أن رمضان في جبلة له نكهة مغموسة برائحة التاريخ، فالمشي في سوق جبلة القديم بعد صلاة التراويح يمنح سكانها شعورا بأمان وسكينة لايوصف .
بينما تشير السيدة “ليلى” وهي مدرسة من مدينة اللاذقية، إلى أن أجمل ما في رمضان هو “اللمة” العائلية التي تزداد بريقا بزيارة الأقارب في القرى الجبلية، حيث يمتزج هواء البحر العليل بنسمات الجبل الباردة، مما يجعل الإفطار هناك تجربة لا تُنسى.
هؤلاء المواطنون يجمعون على أن رمضان هو فرصة للتصالح مع الذات ومع الآخرين، ومحطة سنوية لتجديد الروح.
وفي سياق متصل أشار الدكتور نبيل خضور باحث في التراث الشعبي السوري أن محافظة اللاذقية حافظت على هويتها الرمضانية الخاصة نتيجة لموقعها الجغرافي وتنوعها السكاني. وأكد الدكتور خضور أن العادات الرمضانية في الساحل، مثل “المسحراتي” الذي لا يزال يطرق طبله في أحياء اللاذقية القديمة وجبلة، تمثل نوعا من “المقاومة الثقافية” للحداثة الجافة.
مضيفا أن استمرار هذه العادات يؤدي دورا حيويا في تعزيز الصحة النفسية للمجتمع، حيث تخفف هذه الأجواء من ضغوط الحياة اليومية وتخلق نوعا من الاستقرار الوجداني الذي يتوارثه الأبناء عن الآباء.
اللاذقية.. منارة الروح والسكينة
يبقى شهر رمضان في محافظة اللاذقية بمدنها وقراها شاهدا على عظمة الإنسان السوري وقدرته على اجتراح الفرح من صلب التحديات. إنها المحافظة التي عرفت كيف تزاوج بين خشوع الصلاة وبهجة العيد، وبين هدوء الجبال وصخب الموانئ. في كل فانوس يضاء، وفي كل “سكبة” تمر عبر باب الجار ، وفي كل دعاء يرفع تحت قبة جامع “السلطان إبراهيم” أو “المغربي”، تتجلى روح اللاذقية العصية على النسيان.
سيبقى هذا الشهر في عروس الساحل منارة للقيم، وموئلا للمحبة، ودرسا بليغا في الكرم الذي لا ينضب، تماما كبحرها الذي يغسل أقدام التاريخ كل يوم.


