الرئيسيةسورياالحسكةالقامشلي بلا بنك دم… مدينة تجري عملياتها على “خيط رفيع” من الخطر

القامشلي بلا بنك دم… مدينة تجري عملياتها على “خيط رفيع” من الخطر

منذ سقوط نظام بشار الأسد وفرار ضباطه، أغلق بنك الدم الرسمي في مدينة القامشلي، ذلك المركز الذي كان يدار سابقا من وزارة الدفاع، بينما كانت تجهيزاته تتبع لوزارة الصحة. إغلاق هذا المرفق الحيوي ترك فراغا طبيا خطيرا لا يزال سكان المدينة يدفعون ثمنه يوميا.

حاجة يومية وقلق دائم

في ظل غياب بنك دم رسمي مجهز، أصبحت طلبات التبرع بالدم مشهدا يوميا على وسائل التواصل الاجتماعي. نداءات متكررة لإنقاذ مريض بين الحياة والموت، تنشر كل يوم تقريبا، تعكس هشاشة الوضع الطبي في المنطقة.

أخطر ما يواجهه الأطباء هو اضطرارهم إلى طلب التبرع “وقت العملية”، حيث يستدعى المتبرعون على عجل دون الوقت الكافي لإجراء الفحوصات الضرورية، مثل الكشف عن فيروس نقص المناعة أو التهاب الكبد الوبائي.
ويقول الدكتور نافع ساكير إن هذا الإجراء “يشكل مخاطرة كبيرة قد تنعكس على حياة المريض مستقبلا، ويكشف حجم الفجوة الطبية الناتجة عن غياب مركز متخصص لتحضير وحدات الدم مسبقا”.

تكلفة باهظة ومرضى بلا خيارات

في المشافي الخاصة، يتراوح سعر كيس الدم بين 200 و400 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من المرضى، خصوصا في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة. وحتى بعد دفع هذا المبلغ، يبقى الحصول على الدم رهنا بوجود متبرعين متطابقين، ما يضاعف معاناة المرضى ويؤخر العمليات الجراحية.

الهلال الأحمر الكردي، رغم جهوده المستمرة، لا يستطيع تغطية الاحتياجات اليومية المتزايدة. فالمركز يقدم دعما لمرضى التلاسيميا وبعض الحالات الطارئة، لكنه يفتقر إلى الإمكانيات التقنية والمخزون الكافي لتلبية الطلب المتزايد.

أما مشفى الشعب (المشفى الوطني سابقا)، الذي يخضع حاليا للترميم، فيقول مدير صحة القامشلي الدكتور أحمد:
“نعمل على تجهيز بنك دم داخل المشفى، ورغم أن أعمال الترميم لم تنته بعد، إلا أننا نحاول تغطية الحالات الإسعافية بتكلفة رمزية ريثما يبدأ البنك عمله رسميا”.

قصة الحاج محمد… نجاة بالصدفة

تجسد قصة الحاج محمد الحاجة الملحة لوجود بنك دم مجهز. فخلال استعداده لعملية قلب مفتوح في أحد مشافي القامشلي، طلب منه إحضار خمسة متبرعين لتأمين وحدات الدم اللازمة. وبعد الفحص، تبين أن أحد المتبرعين مصاب بالتهاب الكبد، ما أنقذ المريض من كارثة محققة.
هذه الحادثة سلطت الضوء على المخاطر اليومية التي يواجهها المرضى، وأكدت أن إجراء العمليات الكبرى في المدينة أشبه بالمقامرة بالحياة.

مبادرات فردية لسد الفراغ

أمام غياب الحلول الرسمية، ظهرت مبادرات شعبية تعتمد على جهود الأهالي.
من أبرزها مجموعة على تطبيق “واتساب” تحمل اسم بنك الدم القامشلي، تنشر فيها الحالات الحرجة وتنظم عبرها عمليات التبرع.
هذه الجهود أنقذت العديد من الأرواح، لكنها تبقى حلولا مؤقتة لا يمكن أن تحل محل مؤسسة طبية مجهزة ومعتمدة.

المواطن رودي موسى يروي تجربته المؤلمة قائلا:
“لم نتمكن طوال خمسة أيام من تأمين الدم لزوجتي التي كانت تخوض عملية ولادة معقدة. اضطررت إلى نشر مناشدات عبر الإنترنت، واستطعنا في النهاية تأمين الكمية المطلوبة وإنقاذها مع طفلنا”.
قصة موسى ليست استثناء بل واقعا متكررا يعانيه الأهالي في القامشلي يوميا.

مدينة بحاجة إلى مؤسسة لا مبادرة

القامشلي اليوم مدينة تجري عملياتها في ظروف طبية محفوفة بالمخاطر، تعتمد على مبادرات تطوعية وروح التضامن بين الناس أكثر مما تعتمد على نظام صحي فعال.
لكن هذا الواقع لا يمكن أن يستمر، فغياب بنك دم رسمي مجهز بمختبرات فحص وتحليل يجعل كل عملية جراحية مغامرة غير مضمونة النتائج.

افتتاح بنك دم رسمي في القامشلي لم يعد مطلبا خدميا بل ضرورة إنسانية وصحية عاجلة.
فالحياة لا تدار عبر مجموعات “واتساب”، ولا يمكن ترك المرضى يواجهون مصيرهم على أمل المصادفة أو الحظ.

بيريفان رسول
بيريفان رسولhttps://syriamorse.com/author/berivan-resol/
إعلامية محترفة تعمل كمذيعة، مراسلة، وفنانة صوتية، ولديها خبرة واسعة في الإذاعات والمنصات الرقمية. بدأت مسيرتها بين عامي 2015 و2017 كمترجمة ومراسلة قبل انتقالها للعمل مذيعة ومؤدية صوتية في إذاعتي سورويو FM ورام FM، ثم في منصة نورث برس بلس. وإلى جانب عملها الإذاعي، تعمل بريفان منذ عام 2018 كفنانة صوت مستقلة، مقدمة تسجيلات لنشرات وتقارير ومواد إعلامية متنوعة. وطورت بريفان مهاراتها من خلال تدريبات احترافية في الأداء الإعلامي، الوقوف أمام الكاميرا، وتحرير الأخبار. وهي تتقن العربية والكردية والإنجليزية، وتكتب كمدونة عن قضايا الحياة والمجتمع. انضمت بريفان إلى شبكة سيريا مورس الإخبارية لتمثيل صوت محافظة الحسكة وإيصال قضاياها وتطوراتها إلى الجمهور بدقة ومهنية. يعكس عملها التزاما واضحا بنقل القصص وصياغة المحتوى بوضوح ومهنية.
مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

مقالات أخرى للكاتب