تأتي هذه المادة ضمن سلسلة من المقالات تحت عنوان “سوريا بعيون أمريكية” نقل رؤية أمريكية لسورية كما عبر عنها سياسيون وصحفيون وكتاب أمريكيون، آملا أن يسهم هذا المسعى في مساعدة القارئ العربي على فهم طبيعة تلك العلاقة وإضاءة جوانبها المتعددة، سعيا إلى إزالة الغموض وتبديد الأوهام.
في يوم الخميس ٢٣ نيسان/أبريل ٢٠٢٦، عقدت أولى جلسات مؤتمر بعنوان “بناء الجسور وكسر الحواجز ”، الذي نظمه “التحالف السوري الأمريكي للاستقرار والازدهار”. واستمر المؤتمر لمدة يومين في قاعة متوسطة الحجم داخل مبنى الزوّار التابع للكونغرس الأمريكي، ودعي إليه عدد من المشرعين الأمريكيين من مجلسي النواب والشيوخ، إضافة إلى المبعوث السوري لدى الأمم المتحدة السيد إبراهيم العلبي، والقائم بالأعمال في واشنطن السيد محمد القناطري.
ولعل عنوان المؤتمر يبدو ترجمة حرفية للعبارة الإنجليزية
“Building Bridges & Breaking Barriers”
غير أنني أميل إلى صياغته بما يستعير من جمال العربية وانسيابها على نحو “تذليل الصعاب وتيسير سبل التلاقي”.
فالعلاقة السورية الأمريكية كانت على مدى نصف قرن مضى علاقة معتلة ؛ فمن جهة رأت الولايات المتحدة في سوريا دولة راعية للإرهاب وعزلتها دوليا ، في حين رأت سوريا في الولايات المتحدة قوة إمبريالية وطرفا في مؤامرة تستهدفها. أما اليوم، وقد انقشع ليل طويل من حكم عائلة الأسد، فقد أفسح المجال لإعادة النظر في تلك العلاقة، وبنائها على أسس أكثر توازنا قوامها تقاطع المصالح وتلاقيها، وغايتها تحقيق الخير والمنفعة للشعبين السوري والأمريكي.
اليوم الأول: أصدقاء سوريا في الكونجرس الأمريكي
النائب مارلن ستوتزمان
كان أول المتحدثين في المؤتمر عضو مجلس النواب عن ولاية إنديانا مارلن ستوتزمان، وهو نائب من الحزب الجمهوري ذو ميول مسيحية محافظة، وينحدر من عائلة ذات أصول ألمانية وبيئة ريفية زراعية. ويعد من أصدقاء سوريا الذين دعموا إلغاء قانون قيصر ودعا إلى إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، فهذا التصنيف ما زال يمثل عقبة أساسية تمنع الشركات الأجنبية من الاستثمار الجدي في سوريا بعد إزالة العقوبات. وقد قام بزيارة جريئة الى دمشق في نيسان/أبريل من العام الماضي برفقة النائب الجمهوري كوري ميلز، حيث التقى بالرئيس الشرع وممثلين عن الطائفة المسيحية، وزار كنيسة باب توما والكنيس اليهودي في جوبر و أبدى اعجابه بالشاورما السورية.
وخلال حديثه إلى الجالية السورية الأمريكية، عبر السيد ستوتزمان عن انبهاره بالنهضة الاقتصادية التي شهدتها دول في الشرق الأوسط كقطر ودول الخليج العربي، وأعرب عن أمله بأن تكون سوريا جزءا من هذه النهضة، وهو يرى عموما أن ثقلا اقتصاديا آخذ بالتحول من أوروبا إلى آسيا. و أشار إلى أن سوريا، بما تمتلكه من إرث تاريخي وغنى بالآثار المسيحية، يمكن أن تصبح مقصدا مهما للسياحة الدينية.
وعند سؤاله عن التحديات على الحدود الجنوبية مع إسرائيل، أعرب النائب عن رغبته في تحقيق سلام بين سوريا وإسرائيل، مؤكدا أن ذلك من شأنه أن يفتح آفاقا واسعة للازدهار الاقتصادي.
عضو مجلس الشيوخ جيم ريتش
ثم كان الدور لعضو مجلس الشيوخ عن ولاية ايداهو جيم ريتش، وهو جمهوري يشغل منصب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، وهو من الشخصيات المهمة في ملف رفع العقوبات عن سوريا. وعلى الرغم من تقدمه في السن (٨٣ عاما) فإنه يتمتع بحيوية لافتة، ويتسم حديثه بالصراحة والحدة. فبينما يدعم إعادة إعمار سوريا شدد على أن العبء الأكبر يقع على عاتق السوريين أنفسهم؛ إذ لا يمكن لأي استثمار أو نشاط اقتصادي أن ينجح في ظل تهالك البنية التحتية وضعف الاستقرار الأمني، فرفع العقوبات ليس عصًا سحرية تضمن بدء الاستثمار، بل هو خطوة هامة لكن مشروطة بقدرة الدولة السورية بتهيئة البيئة الملائمة. كما شدد على ضرورة أن تنأى سوريا بنفسها عن روسيا إذا كانت راغبة في تطوير علاقاتها مع الولايات المتحدة وهو موقف عبر عنه بوضوح لافت وأثار انتباه الحضور.
عضوة مجلس الشيوخ جين شاهين
السيدة جين شاهين هي عضو من الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ عن ولاية نيوهامبشر ومتزوجة من لبناني أمريكي، وكانت قد زارت سوريا في آب/أغسطس الماضي. أبدت السيدة شاهين خلال حديثها تعاطفها مع تخفيف القيود على تأشيرات الدخول ومعاملات الهجرة للسوريين في سياق دعمها لسياسات هجرة أمريكية أكثر انفتاحا، وهو موقف يفترق فيه الحزب الديمقراطي بشكل حاد عن الحزب الجمهوري، خاصة في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب.
النائب جو ويلسون
واختتمت المداخلات بكلمة النائب الجمهوري عن ولاية كارولاينا الجنوبية جو ويلسون، البالغ من العمر ٧٩ عاما، والذي يمزج في حديثه بين الجدية وحس الدعابة، وكان شديد الانتقاد لنظام الأسد الذي كان قد أطلق عليه اسم “عدو الدولة ” enemy of the state لكن السيد جو ويلسون قال ساخرا بأنه دخل قصرالأسد في دمشق و صافح الرئيس الشرع بينما كان الأسد الهارب يختبئ في موسكو. وكان جو ويلسون من بين الذين عبروا عن استيائهم من الضربات الإسرائيلية التي استهدفت منطقة الكسوة بريف دمشق في آب/أغسطس الماضي من خلال تصريح مشترك مع عضوة مجلس الشيوخ جين شاهين و النائب جوني ارنست.
تضمن اليوم الأول أيضا نقاشا بين الحضور و السيدين إبراهيم العلبي و محمد القناطري أدارته الدكتورة سراب الفتاح و دار حول دور الجالية السورية في أمريكا في مد الجسور بين الولايات المتحدة و سوريا إضافة إلى مواضيع أخرى تتعلق بالوضع السوري الداخلي.
اليوم الثاني – سوريا في مرحلة ما بعد رفع العقوبات
ضم اليوم الثاني أربع جلسات للنقاش تناولت المواضيع التالية:
الجلسة الأولى: اعادة بناء الاقتصاد في سوريا
ضمت الجلسة مجموعة من الخبراء الدوليين كان أبرزهم السيدة من أصول أردنية ناتاشا هول و هي باحثة مشاركة في مركز تشاتام هاوس و هو مركز أبحاث بريطاني مستقل متخصص في تحليل السياسات والعلاقات الدولية. تكلمت السيدة ناتاشا بصراحة عن تهالك البنية التحتية لسوريا و التي تشكل عائقا أمام الشركات الأجنبية الراغبة بالاستثمار، إضافة الى مخاوف أخرى تتعلق بالفساد و نضج النظام القضائي و التشريعات ، و تطرقت الى تجارب لا تبعث على كثير من التفاؤل عايشتها في لبنان و العراق يخشى من تكرارها في سورية . لكنها اعتقدت بوجود إمكانية لنهضة استثمارية في سوريا إذا ما أمكن تخطي هذه العقبات و اقترحت أن الخطوات الأولى للاستثمار لا بد و أن يقوم بها رجال أعمال سوريون في المغترب فهم الأكثر ارتباطا بوطنهم الأم و الأقدر على تحمل مخاطر الاستثمار كخطوة أولى، إضافة إلى الدول العربية الشقيقة في الخليج العربي و التي قد ترغب في الاستثمار في سوريا لأسباب عديدة ، و بذلك سيكون للمستثمرين السوريين في المغترب والمستثمرين الخليجيين دور في تشجيع شركات أجنبية قد ترغب هي الأخرى بالاستثمار. كما حذرت السيدة ناتاشا من الاضرار بالأعمال التجارية المحلية في حال اغراق الدولة باستثمارات خارجية في وقت تكون السوق المحلية هشة وغير قادرة على المنافسة، و هنا تبرز فكرة تشجيع الأعمال التجارية المحلية على النمو و هي فكرة طرحتها السيدة عائشة تشودري (أمريكية من أصول باكستانية تعمل ضمن مجموعة آسيا Asia Group و هي شركة استشارات استراتيجية تساعد الشركات على التوسع في الأسواق الآسيوية ) بعد أن أعطت مثالا عن مواطن سوري يعيش في ريف دمشق قابلته ضمن جولة بعثة تابعة للأمم المتحدة، و يعتاش من حياكة معاطف يبيع الواحد منها بقيمة ١٢ دولار و قد قدرت سعر مبيع نفس المنتج في الولايات المتحدة ب ٢٠٠-٣٠٠ دولار. قامت البعثة بتزويده بمعدات إضافية للخياطة للمساعدة في توسيع أعماله. استخدمت السيدة عائشة هذا المثال كنموذج لمساعدة الصناعة والمواهب المحلية على النمو بدل تدميرها بالمنافسة الخارجية.
الجلسة الثانية – العلاقات السورية الأمريكية
كان أبرز المتحدثين في تلك الجلسة السيد جاكوب ماكغي و هو مسؤول في وزارة الإدارةالأمريكية يشغل منصب نائب مساعد وزير الخارجية، و عبر بصراحة عن أن الولايات المتحدة ليست بصدد إعادة بناء سورية و انما تساعد السوريين على اعادة بناء بلدهم بأنفسهم بازالة العقبات من طريقهم. و قال السيد ماكغي بأن وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو بصدد مراجعة رفع سورية من قائمة الدول الراعية للارهاب (و هي العقبة الأكبر في طريق التحويلات المصرفية) و بأن الموضوع سيستغرق بضعة أسابيع او أشهر أخرى، حاثا الدولة السورية على الاستمرار باتخاذ إجراءات في محاربة الارهاب و ملاحقة غسيل الأموال و الجرائم الأخرى.
وعند سؤاله عن إمكانية تطور الأوضاع على الجبهة الجنوبية لسوريا مع اسرائيل طمأن السيد ماكغي الحاضرين بأن اسرائيل لا تنوي اقتطاع أراض سورية جديدة و انما تهتم بحفظ أمنها فقط على حد تعبيره، و أوضح بأن الادارة الأمريكية تدفع باتجاه الحوار و إقامة سلام في المنطقة مبديا تفاؤله ببدء المفاوضات بين لبنان و اسرائيل في واشنطن برعاية أمريكية.
كان السيد محمد قناطري أيضا حاضرا في تلك الجلسة و عبر عن ارتياح الحكومة السورية للتعاون القائم بين دمشق و الولايات المتحدة الذي يجري بشكل متسق و بوتيرة سريعة، في ظل تقاطع في المصالح و التلاقي في الرؤى.
الجلسة الثالثة : تمكين الشباب السوري
كانت الجلسة الثالثة نسائية بامتياز و ضمت ثلاث نسوة ناشطات في جهود تمكين الشباب السوري كان من بينهن السيدة لينا سيرجية عطار رئيسة مؤسسة كرم الأمريكية التي تكلمت عن الإنجازات التي قدمتها مؤسستها خلال سني الثورة السورية بتمكين اللاجئين والشباب السوريين من خلال برامج تعليمية ومنح دراسية ودعم مجتمعي لإعادة بناء حياتهم ومستقبلهم. كما شارك في الحوار كل من لين فيصل و هي صحفية في الجزيرة بلس و ليانا الزعبي الناشطة ضمن المنتدى السوري Syrian Forum.
الجلسة الرابعة : ما بعد ازالة العقوبات – كيفية العمل داخل سوريا و الامتثال للقوانين الناظمة
تناولت هذه الجلسة مسائل تخص القوانين الناظمة للعمل داخل سوريا في مرحلة ما بعد ازالة العقوبات وازالة الالتباسات القانونية أمام الشركات و المؤسسات المالية الساعية للاستثمار في سورية. كان أبرز المتحدثين في هذه الجلسة السيد آرون فورسبرغ و هو مدير مكتب العقوبات الاقتصادية ضمن وزارة الخارجية الأمريكية ، و كان من بين النقاط التي ذكرها في حديثه تأكيده على أن الادارة الأمريكية جادة في ازالة العقوبات الاقتصادية عن سوريا بقدر ما كانت جادة في فرضها بداية، و قال أن سورية واحدة من ٤ دول تم فرض عقوبات اقتصادية عليها حيث تشمل القائمة أيضاً إيران و كوريا الشمالية وكوبا، لكن سوريا هي الدولة الوحيدة التي تم اخراجها من دائرة العقوبات. و يعتبر قانون قيصر الذي فرض عام ٢٠١٩ بقرار من الكونجرس الأمريكي الأخير ضمن سلسلة طويلة من العقوبات بدأت المتحدة بفرضها عام ١٩٧٩. و يعتبر قانون محاسبة سورية الذي فرض في عهد إدارة جورج بوش الابن عام ٢٠٠٣ و قانون قيصر القراران الوحيدان الذين تم فرضهما بقرار من الكونجرس أما بقية العقوبات فقد تم فرضها بقرار رئاسي executive order و هذا يعني سهولة إلغاء القرارات التي تمت بقرار رئاسي مقابل تلك التي فرضها الكونجرس.
خلال الاجتماع أيضاً تلا السيد سمير صابنجي نائب المدير والمستشار القانوني العام في مجلس الأعمال السوري الأمريكي جملة من القوانين الناظمة للعمل ضمن سوريا يتوجب على المستثمرين اتباعها تجنبا لتبعات قضائية.
و هكذا اختتمت فعاليات هذا المؤتمر بكلمة موجزة من الدكتور طارق كتيلة رئيس لجنة المناصرة في التحالف السوري الأمريكي و المشرف على تنظيم فعالياته، بعد أن قدم الحضور صورة عن التحديات التي تواجه سوريا في مرحلة إعادة الإعمار أملاً بأن تترجم الأفكار التي طرحها الخبراء إلى استراتيجيات و خطط للعمل تنقل سوريا خلال السنوات القادمة إلى دولة مستقرة و مزدهرة طالما حلم بها السوريون جميعا و قدموا الغالي و النفيس في سبيل تحقيقها.


