الرئيسيةسوريااللاذقيةبين تطمينات "الطاقة" وازدحامات "اللاذقية": شبح الاحتكار والهلع يبتلع الشوارع

بين تطمينات “الطاقة” وازدحامات “اللاذقية”: شبح الاحتكار والهلع يبتلع الشوارع

ِتعيش مدينة اللاذقية الساحلية على وقع حالة من الاستنفار الشعبي غير المسبوق، حيث تحولت شوارعها إلى ساحات انتظار طويلة أمام محطات الوقود ومراكز توزيع الغاز المنزلي. وبينما تصدر وزارة الطاقة بيانات تؤكد فيها توفر المخزون واستمرارية التوريدات، تحكي الحشود البشرية وأرتال السيارات التي تمتد لمئات الأمتار قصة أخرى، عنوانها “فقدان الثقة” والخوف من القادم في ظل الظروف الإقليمية المتوترة.

​الأزمة أزمة وعي لا نقص مادة

​بدأت القصة ببيان رسمي صدر عن وزارة الطاقة في الجمهورية العربية السورية، حمل لغة تطمينية تهدف إلى تهدئة الشارع، الوزارة أكدت في بيانها التوضيحي أن المصافي تعمل بكامل طاقتها، وأن عقود استيراد النفط الخام تسير عبر القنوات المعتمدة وببرامج تكرير معتادة.
​وحول مشاهد الازدحام الخانقة، عزت الوزارة السبب إلى ارتفاع غير مسبوق في الطلب تجاوز 300% عن المعدل اليومي الطبيعي، معتبرة أن السبب هو الانجرار وراء الشائعات والتخوف من التطورات الإقليمية، وليس نقصا فعليا في المادة.
ودعت الوزارة المواطنين لعدم الضغط غير المبرر على منظومة التوزيع، مشيرة إلى أن المخزون التشغيلي يقع ضمن الحدود الآمنة.


صراع الأجساد من أجل “جرة غاز”

​في أحياء اللاذقية تبدو كلمات البيان الرسمي بعيدة كل البعد عن ضجيج التدافع وصراخ المواطنين. مشكلة الغاز المنزلي أخذت منحا مأساويا، أي بمجرد انتشار خبر وصول سيارة توزيع الغاز إلى أحد الأحياء، يهرع المئات من الرجال والنساء، وحتى كبار السن، حاملين أسطواناتهم الفارغة في رحلة بحث مضنية.

​يؤكد أبو محمد” لسيريا مورس “وهو موظف متقاعد وقف لساعات طويلة تحت غزارة المطر وشدة الرياح أنهم هو وجيرانه سمعوا في الأخبار أن الغاز متوفر، لكنهم على الأرض ينتظرون سيارة التوزيع كأنهم ينتظرون معجزة. لافتا إلى أنه عندما تصل سيارة الغاز يتحول المشهد إلى فوضى عارمة، حيث أن الناس يركبون فوق بعضهم البعض، والقوي هو من يحصل على الجرة أولا. مبينا أنهم لايتهافتون وراء الشائعات، فهم يركضون لأن بيوتهم باردة وطعامهم يحتاج للنار.

​هذا المشهد المتكرر في أحياء مثل المشروع العاشر والرمل الشمالي وصولا إلى مدينة جبلة يعكس فجوة عميقة بين التخطيط الورقي والقدرة على ضبط التوزيع العادل على الأرض، مما يفتح الباب أمام “السوق السوداء” التي وصل سعر الأسطوانة فيها إلى أرقام خيالية نتيجة هذه التجمعات غير المنظمة.

 

​الكازيات: “تفويل” الخزانات هربا من المجهول

​أما أمام محطات الوقود فالمشهد لا يقل تعقيدا حيث أن أرتال البنزين والمازوت شلت حركة المرور في الشوارع الرئيسية. المواطنون هناك لا ينكرون “الهلع” لكنهم يبررونه بمرارة التجارب السابقة.
أشارت رنا وهي طبيبة أطفال كانت تنتظر دورها في ساحة الانتظار بإحدى محطات الوقود عند مدخل المدينة، إلى الدوافع وراء هذا الازدحام قائلة: لماذا نركض لتعبئة الوقود؟! لأننا إعتدنا تاريخيا أن التصريحات الرسمية التي تنفي وجود نقص ما، تعقبها دائما أزمة حادة. إذ نخشى حقيقة أن تنقطع الطرق أو تتوقف التوريدات نتيجة الأوضاع الإقليمية الراهنة، لافتة إلى أنها تجد قضاء 5 ساعات في الانتظار الآن، أفضل بكثير من البقاء بلا وقود لسيارتها مبينة أنها الوسيلة الوحيدة التي تنقلها إلى عملها ، وضمانها الوحيد لعدم التأخر عن مرضاها الصغار الذين ينتظرون رعايتها الطبية

من جهة أخرى أكد عدد من المواطنين المتواجدين أمام بعض محطات الوقود في مدينة جبلة أنهم يجدون أنفسهم اليوم مضطرين لتأمين مادة المازوت بما توفر لديهم من سيولة نقدية ومن أي محطة متاحة، وذلك في ظل المخاوف المتزايدة من انعكاسات الحرب على إيران وتأثيرها على استقرار التوريدات.
​مشيرين إلى أن مادة المازوت متوفرة في المحطات، إلا أن الازدحامات الكبيرة والخانقة باتت المشهد الطاغي، لافتين إلى أن القلق من المجهول هو ما يدفع الجميع لمحاولة ملء خزاناتهم الخاوية الآن وتأمين الدفء قبل تفاقم الأوضاع.
​ولفت المواطنون إلى أنهم يواجهون أعباء مادية وضغوطا نفسية كبيرة، حيث يضطرون للانتظار لساعات طويلة وسط هذه الزحمة، مؤكدين أن دافعهم الوحيد هو خشيتهم من مواجهة البرد بصدور عارية في حال تطورت الظروف الميدانية وأثرت على حركة التوزيع.

 

​ أزمة ثقة وإدارة أزمات

للوقوف على الجانب التحليلي يرى الخبير الاقتصادي الدكتور وديع اسمندر أن المعضلة الحالية تتجاوز في أبعادها مجرد نقص التوريدات لتستقر في عمق سايكولوجيا الأزمات وضعف آليات التدخل الحكومي. مبينا أن المشهد القائم في اللاذقية وغيرها من المحافظات لا يعكس بالضرورة عجزا في المادة الأولية، بل يمثل انفجارا غير مسبوق في الطلب مدفوعا بانعدام الثقة بين المواطن والجهات التنفيذية.

​وأكد الدكتور اسمندر ” لسيريا مورس ” أن القفزة الهائلة في المبيعات، والتي وصلت إلى حدود 300% تشير بوضوح إلى سلوك استهلاكي تحوطي، حيث يسعى المواطنون لسحب مخزونات المستقبل وتخزينها اليوم، مما يفضي إلى ما يعرف بـ “الندرة المصطنعة” التي تخنق السوق وتزيد من حدة الاختناقات.
​وفي سياق الحلول يرى الدكتور اسمندر أن إدارة الأزمة تتطلب ما هو أبعد من إصدار البيانات الإعلامية، إذ بات من الضروري التوجه نحو زيادة ضخ المادة بشكل استثنائي لكسر حدة الطلب وتهدئة روع المستهلك، بالتوازي مع فرض رقابة ميدانية صارمة على قنوات التوزيع لقطع الطريق أمام المحسوبيات والاتجار بالمواد في السوق السوداء بأسعار مضاعفة.
وفي ختام حديثه أشار الخبير الإقتصادي إلى أن الاستمرار في ضخ الوعود اللفظية بتوفر المادة، في وقت يزدحم فيه الواقع بمظاهر الاكتظاظ في الشوارع، لن يؤدي إلا إلى تفاقم حالة الهلع وتقويض ما تبقى من جسور الثقة.

 

صرخة أمل

​بين سندان الحاجة اليومية ومطرقة القلق من القادم، يواصل المواطن في اللاذقية نسج خيوط صبره بانتظار فجر جديد. ومع تزايد الآمال بأن تحمل الأيام القادمة انحسارا لموجة الازدحام العابرة، تظل العيون شاخصة نحو الأفق ، ترقب اللحظة التي تترجم فيها الوعود إلى دفء في المواقد ونبض في المحركات. هي حياة يومية لا يطلب فيها المواطنين المستحيل، بل ينشدون استقرارا يطوي صفحات الانتظار الطويل، لتعود السكينة إلى تفاصيل حياتهم، وتضاء البيوت بنور الطمأنينة قبل نيران المواقد.

لوريس عمران
لوريس عمرانhttps://syriamorse.com/author/ioreesomran/
تتمتع بخبرة تمتد لأكثر من عشرين عاما في التحرير الصحفي، إعداد التقارير، وتغطية الأحداث الاقتصادية والاجتماعية في الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية. تميزت لوريس بقدرتها على كتابة المحتوى بدقة وتحليله بأسلوب مهني، إلى جانب مساهمتها في تطوير غرف التحرير لضمان جودة الأخبار والمقالات المنشورة. حاصلة على إجازة في التجارة والاقتصاد من جامعة تشرين، وبدأت مسيرتها المهنية في جريدة الثورة السورية عام 1996 حيث عملت محررة صحفية، ثم انتقلت إلى جريدة الحرية السورية عام 2017. كما عملت مراسلة لمجلات المجتمع الاقتصادي والمزمنة، وكتبت تقارير اقتصادية وتحليلية لموقع سينسيريا. خلال مسيرتها، أجرت مقابلات مع خبراء في الاقتصاد وغطت مجموعة واسعة من الأحداث المحلية والسياسية والاجتماعية، مع الحرص على تقديم مواد دقيقة وموضوعية. انضمت لوريس اليوم إلى شبكة سيريا مورس لتمثل صوت محافظة اللاذقية وتسهم بخبرتها ورؤيتها المهنية في إثراء التغطية الصحفية وتقديم محتوى إعلامي موثوق ومتميز.
مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

مقالات أخرى للكاتب