الرئيسيةسوريااللاذقيةالنفط السوري... ملك للشعب السوري

النفط السوري… ملك للشعب السوري

تعد مسألة النفط في سوريا اليوم واحدة من أكثر القضايا تعقيدا وحساسية في التاريخ السوري الحديث، فهي لم تعد مجرد مورد اقتصادي ناضب أو مادة خام تستخرج من باطن الأرض، بل تحولت إلى محور صراع جيوسياسي محلي ودولي ألقى بظلاله الثقيلة والمؤلمة على معيشة المواطن السوري وتفاصيل حياته اليومية، ورغم أن الدستور السوري والقوانين الناظمة للثروات الباطنية تؤكد بوضوح لا لبس فيه أن النفط والغاز هما ملكية عامة للشعب السوري بأكمله، تهدف عوائدهما حصرا إلى تحقيق التنمية المستدامة ورفع مستوى الرفاه الاجتماعي، إلا أن الواقع الميداني خلال السنوات الأخيرة فرض تحولا جذريا ومأساويا في خارطة السيطرة على هذه الحقول. هذا التغيير أدى إلى حرمان الخزينة العامة من موارد كانت تشكل في وقت ما العمود الفقري للموازنة السنوية للدولة، وترك السوريين في مواجهة مباشرة مع أزمات وقود متلاحقة، وارتفاع جنوني في تكاليف المعيشة، وتدهور غير مسبوق في القدرة الشرائية نتيجة فقدان السيطرة على أهم رافعة للقطع الأجنبي في البلاد.

حين يتحول “الحق” إلى حلم بعيد

في جولة استطلاعية لرصد آراء المواطنين في محافظة اللاذقية حول هذا الملف الشائك، يبرز شعور عارم بالإحباط الممزوج بالأمل المتمسك بضرورة استعادة الثروات الوطنية كحل وحيد للأزمات الراهنة.
يقول أحد المواطنين من سكان حي الصليبة وهو يراقب حركة الشارع المثقلة بالأعباء: إن الحديث عن النفط السوري أصبح بالنسبة لعامة الناس مرادفا للمفارقة الموجعة، فبينما تمتلك بلادهم آبارا عملاقة، يضطرون إلى اللجوء لشراء المشتقات بأسعار تفوق طاقتهم المادية بمراحل لأنها مستوردة بالعملة الصعبة. ويضيف بحرقة أن المواطن لا يهمه من يسيطر جغرافيا بقدر ما يهمه أن يرى أثر هذا النفط في جيبه وفي انخفاض أسعار المواد الغذائية التي ارتفعت تبعا لارتفاع تكاليف النقل والطاقة، مشيرا إلى أن استعادة النفط هي استعادة لكرامة المواطن المعيشية قبل كل شيء.
من جهة أخرى يؤكد مصطفى أحد سكان منطقة المشروع السابع” لسيريا مورس ” أن غياب الإدارة المركزية الشفافة والوطنية لهذه الموارد خلال سنوات الحرب لم يؤد فقط إلى خسارة مالية، بل تسببت بكوارث بيئية وصحية نتيجة انتشار الحراقات البدائية في المناطق الخارجة عن السيطرة، والتي تنهب الثروات وتلوث الهواء والتربة في آن واحد ، ويرى مصطفى أن عودة هذه الحقول إلى كنف الدولة هي الضمانة الوحيدة لإعادة إطلاق مشاريع التنمية المحلية وتطوير الخدمات الأساسية من التعليم والصحة، حيث كان من المفترض أن تُموّل من عائدات هذا “الذهب الأسود”.
يتفق أبناء اللاذقية بمختلف شرائحهم على أن استعادة السيطرة الوطنية الكاملة على حقول الحسكة ودير الزور تمثل الخطوة الأولى والجوهرية لإنهاء المعاناة، شريطة أن تدار هذه الموارد بنزاهة تضمن وصول خيراتها إلى كل بيت سوري دون تمييز أو محاباة.

معركة استعادة الغاز والكهرباء

من زاوية فنية وهندسية ، أوضح الخبير في شؤون الطاقة الدكتور ملهم ديوب أن قطاع النفط السوري تعرض لدمار ممنهج وهائل في البنيته التحتية، بدءا من خطوط النقل الممتدة لمئات الكيلومترات وصولا إلى منشآت التكرير الكبرى في حمص وبانياس التي تعمل حاليا بأقل من طاقتها التصميمية نتيجة نقص الإمدادات الخام ، مشيرا إلى أن العقدة الأكبر تكمن في أن معظم الإنتاج السوري، وتحديدا في حقول العمر والتنك والرميلان، يقع حاليا خارج سيطرة الدولة المركزية، مما يجعل الاستفادة من الغاز المصاحب لعمليات استخراج النفط أمرا شبه مستحيل في الوقت الراهن ، مبينا أن هذا الغاز هو “كلمة السر” في حل أزمة الكهرباء، حيث أن فقدانه يجبر محطات التوليد بالاعتماد على الفيول المستورد والمكلف، أو البقاء في حالة عجز تؤدي إلى ساعات تقنين طويلة شلت الحركة الإنتاجية في البلاد.
وأضاف الدكتور ديوب أن إعادة تأهيل هذه الحقول فور استعادتها ستكون تحديا هندسيا ضخما يتطلب استثمارات هائلة وتقنيات حديثة لرفع كفاءة الاستخراج، خاصة وأن العديد من الآبار تعرضت للاستنزاف الجائر والضخ غير المدروس علميا من قبل جهات غير مختصة همها الوحيد الربح السريع. لافتا إلى أن المشكلة من وجهة نظر تقنية لا تكمن فقط في كمية الإنتاج التي يمكن تحصيلها، بل في القدرة على ربط هذه الحقول مجددا بالشبكة الوطنية للاستفادة من كل قطرة غاز تساهم في إضاءة المنازل إضافة إلى تشغيل المصانع، وهو ما سيوفر على الدولة السورية مئات الملايين من الدولارات التي تنفق شهريا لتأمين بدائل الطاقة.

كيف تنهار الليرة بغياب النفط؟

في السياق الاقتصادي التحليلي أشار الخبير الاقتصادي الدكتور علي ميا إلى أن فقدان السيطرة على الموارد النفطية هو السبب الجوهري وراء العجز الهيكلي المزمن في الميزان التجاري السوري. مبينا أن بعد أن كانت سوريا قبل الحرب تصدر كميات فائضة من النفط وتحقق اكتفاء ذاتيا كاملا يؤمن استقرار الليرة، تحولت اليوم إلى مستورد كامل للمشتقات النفطية بالقطع الأجنبي .
لافتا إلى أن هذا التحول الدراماتيكي أدى إلى استنزاف الاحتياطي النقدي لدى المصرف المركزي، وساهم بشكل مباشر في انهيار قيمة الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، مبينا أن الدولة أصبحت مضطرة لتأمين الدولار من السوق المحلية أو عبر قنوات معقدة لتغطية فاتورة الطاقة، مما يرفع الطلب على العملة الصعبة ويخفض قيمة العملة الوطنية.
وأكد الدكتور ميا أن استعادة النفط كـ “ملك للشعب” تتطلب بناء نموذج اقتصادي جديد يعتمد على الشفافية المطلقة وحوكمة العوائد، بحيث تودع هذه الأموال في صندوق سيادي وطني يوجه نحو القطاعات الإنتاجية المتعثرة.

المطلوب: وضع حد للتهريب

يرى هؤلاء أن استمرار الوضع الراهن، حيث يتم تهريب النفط السوري عبر الحدود أو بيعه في الأسواق السوداء الإقليمية، يمثل نزيفا مستمرا لثروة الأجيال القادمة وجريمة اقتصادية بحق الشعب السوري ، فهذه الممارسات تحرم الدولة من مورد سيادي أساسي كان من الممكن توظيفه في إعادة الإعمار، بالإضافة إلى دعم القطاعات الخدمية، وخلق فرص عمل حقيقية.
إن التنمية الحقيقية وتحسين مستوى المعيشة لا يمكن أن يتحققا في ظل غياب إدارة وطنية شفافة للموارد الطبيعية، بل يتطلبان استعادة السيطرة الكاملة على الثروات النفطية واستثمارها ضمن سياسات اقتصادية عادلة تخدم المصلحة العامة وتضع حداً لاقتصاد الفوضى والتهريب.

لوريس عمران
لوريس عمرانhttps://syriamorse.com/author/ioreesomran/
تتمتع بخبرة تمتد لأكثر من عشرين عاما في التحرير الصحفي، إعداد التقارير، وتغطية الأحداث الاقتصادية والاجتماعية في الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية. تميزت لوريس بقدرتها على كتابة المحتوى بدقة وتحليله بأسلوب مهني، إلى جانب مساهمتها في تطوير غرف التحرير لضمان جودة الأخبار والمقالات المنشورة. حاصلة على إجازة في التجارة والاقتصاد من جامعة تشرين، وبدأت مسيرتها المهنية في جريدة الثورة السورية عام 1996 حيث عملت محررة صحفية، ثم انتقلت إلى جريدة الحرية السورية عام 2017. كما عملت مراسلة لمجلات المجتمع الاقتصادي والمزمنة، وكتبت تقارير اقتصادية وتحليلية لموقع سينسيريا. خلال مسيرتها، أجرت مقابلات مع خبراء في الاقتصاد وغطت مجموعة واسعة من الأحداث المحلية والسياسية والاجتماعية، مع الحرص على تقديم مواد دقيقة وموضوعية. انضمت لوريس اليوم إلى شبكة سيريا مورس لتمثل صوت محافظة اللاذقية وتسهم بخبرتها ورؤيتها المهنية في إثراء التغطية الصحفية وتقديم محتوى إعلامي موثوق ومتميز.
مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

مقالات أخرى للكاتب