قرار خفض الرسوم الجمركية على المواشي: دراما اقتصادية تعصف بأسواق اللحوم وتثير الجدل بين المربين والتجار
تحرير الاستيراد في مواجهة أزمة الثروة الحيوانية: خطوة جريئة أم طعنة في ظهر المربي المحلي؟
أعلنت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير مؤخرا عن قرار اقتصادي حاسم يقضي بتخفيض كبير ومفاجئ على الرسوم الجمركية المفروضة على واردات المواشي، هذه الخطوة التي وصفت رسميا بأنها تهدف إلى دعم قطاع الثروة الحيوانية وتشجيع حركة الاستيراد المنتظم، أطلقت شرارة نقاش ساخن حول تداعياتها المتوقعة، حيث انقسم الفاعلون في السوق بين متفائل يرى فيها فرصة للتحديث، ومتخوف يخشى الإغراق والمنافسة غير العادلة.
التعديلات الجمركية كانت جذرية وشملت خفضا هائلا على رسوم إدخال أنواع المواشي الرئيسية. فبعد أن كان رسم وارد الأبقار 53 دولارا للرأس الواحد، انخفض ليصبح 7 دولارات فقط ، كذلك سجل الرسم على الجمال انخفاضا دراماتيكيا من 27 دولارا إلى 7 دولارات للرأس. أما الأغنام والماعز، فشهدت انخفاضا متواضعا نسبيا من 7 دولارات إلى 5 دولارات للرأس ، هذا التباين في نسب التخفيض هو تحديدا ما فجر التناقضات في ردود فعل السوق.
مربو الأغنام والماعز: صرخة الخسارة في وجه المنافسة المستوردة
الشريحة الأوسع والأكثر تضررا وتخوفا من القرار هي بوضوح مربو الأغنام والماعز ، بالنسبة لهؤلاء المربين، الذين يعتمدون تقليديا على المراعي الطبيعية ويصارعون حاليا ارتفاعا غير مسبوق في أسعار الأعلاف، لم يأت القرار كدعم بل كتهديد وجودي.
أبو خالد الذي يمتلك قطيعا من 50 رأسا في ريف اللاذقية، عبر عن إحباطه العميق.
وأكد من خلال حديثه لسيريا مورس أن التخفيض الجمركي لا يخدم المربي المحلي، بل “يضربه في الصميم” لافتا إلى أن هناك قضية جوهرية غائبة عن المعنيين وهي الحاجة الملحة لدعم الأعلاف وليس لتسهيل استيراد قطعان تنافسهم.
وأشار أبو خالد إلى معادلة اقتصادية قاسية: سعر كيلو اللحم المحلي أصبح يكلفه أكثر مما سيباع به المستورد بعد هذا التخفيض الجمركي الهائل. هذا الوضع، بحسبه، سيدفعه اضطراريا لبيع قطيعه لأنه لم يعد مجديا اقتصاديا معتبرا أن الهدف هو إغراق السوق باللحم المستورد بدلا من إنقاذ المربي المحلي من مصاريفه المتفاقمة.
من جهتها قدمت أم علي وهي مربية ماعز حلوب في جبلة، منظورا آخر لتأثير القرار على المربي الصغير، مؤكدة أن القرار “موجه للمستوردين الكبار”، فهو لا يقدم أي تيسير للمربي الذي يعتمد على بيع الحليب ومنتجاته. حيث تضاعفت تكاليف الرعاية البيطرية والأدوية، وفي ظل تدفق اللحم المستورد الرخيص، يبتعد المشتري عن منتجات الحليب والجبنة المحلية التي تحتاج إلى سعر أعلى لتغطية تكاليف الإنتاج. وشددت على المطلب المحوري إذ يجب عليهم أن يدعموا العلف والنخالة أولا، عندها فقط يمكننا المنافسة.
هذه الأصوات تعكس هاجسا حقيقيا من تدمير القاعدة الإنتاجية المحلية نتيجة عدم التوازن بين تسهيل الواردات وتوفير مدخلات الإنتاج.
مربو الأبقار: بارقة أمل لتحديث السلالات ورفع الإنتاجية
على النقيض تماما، استقبل مربو الأبقار، خاصة العاملين في إنتاج الحليب، القرار بنظرة أكثر تفاؤلا وإيجابية. بالنسبة لهم، لا يعد التخفيض تهديدا بل فرصة طال انتظارها لإعادة بناء القطعان المحلية المنهكة.
المربي فهد يزبك الذي يمتلك 10رؤوس أبقار حلوب في رأس البسيط باللاذقية، رأى في تخفيض الرسوم “فرصة ذهبية”. فالسلالات المحلية من الأبقار أصبحت ضعيفة الإنتاج، والقرار الحالي يمثل حافزا قويا لتشجيع استيراد البقرات الحلوب ذات الإنتاجية العالية والمحسنة وراثيا، دون تكبيدهم رسوما جمركية باهظة الثمن، معتبرا أن مضاعفة إنتاج الحليب سيمكنه من تعويض ارتفاع أسعار العلف ولو بشكل جزئي، لكنه ربط نجاح هذه الفرصة بسهولة الوصول إلى السلالات المطلوبة.
في السياق ذاته، أكد الحاج توفيق، تاجر ومربي أبقار لحم في مدينة اللاذقية، على أن القرار “ضروري للتحول النوعي” في قطاع اللحوم الحمراء. مبينا ان السوق المحلي بحاجة ماسة لسلالات الأبقار التي تحقق وزنا أكبر وتنمو بمعدل أسرع. بالإضافة إلى ذلك، سيسهل التخفيض دخول العجول الصغيرة التي يمكن تربيتها محليا لفترة قبل الذبح، ما يساعد في سد النقص الهائل في اللحوم الحمراء. ومع ذلك، شدد الحاج توفيق على أهمية الرقابة الصارمة على نوعية المواشي المستوردة لضمان خلوها من الأمراض، وهي نقطة تقاطعت مع التحذيرات الاقتصادية العامة.
المستوردون والاقتصاديون: تفعيل التجارة النظامية وضبط الأسعار
ردود الفعل من التجار والمستوردين كانت متوقعة، إذ يرون في القرار تصحيحا اقتصاديا طال انتظاره.
الحاج منير مستورد مواشي من بانياس، أشار إلى أن الرسوم السابقة كانت تشكل “عبئا كبيرا” يرفع التكلفة النهائية على المستهلك، مضيفا أنه مع التخفيض الكبير الذي شمل حتى الجمال، أصبح الاستيراد النظامي أكثر جاذبية بكثير من التهريب، ما سيسمح بإدخال كميات أكبر لتغذية السوق، بالإضافة إلى الأمل في أن ينعكس ذلك على استقرار الأسعار.
من منظور تحليل اقتصادي أعمق أكد الدكتور حسام عيسى خليلو، الخبير الاقتصادي، على الأهمية الاستراتيجية لهذا القرار. فهو يساهم في دعم الأسواق المحلية وتوفير احتياجاتها من اللحوم ومشتقات الثروة الحيوانية، وفي نفس الوقت، يساعد في ترميم قطاع الثروة الحيوانية الذي تعرض “لتشوهات حادة” جراء تداعيات الحرب وتتالي مواسم الجفاف.
ومع ذلك أشار الدكتور خليلو إلى أن تأثير القرار لن يكون فوريا، بل “يحتاج إلى بعض الوقت” حتى ينعكس على الأسواق والمستهلكين، ريثما تنظم عملية الاستيراد بكميات مدروسة. والنقطة الأهم التي أثارها الخبير الاقتصادي هي ضرورة تشديد الرقابة الصحية على الأسواق ومراقبة المواشي المستوردة بدقة فائقة. مبينا أن هذا التحذير ليس هامشيا، فالمخاوف قائمة من تسلل أمراض ذات عدوى عالية، مثل الحمى القلاعية والجدري، والتي يمكن أن تودي بالقطيع المحلي المنهك أصلا، مما يحول مكاسب التخفيض الاقتصادي إلى كارثة صحية ومالية.
المطلوب تفعيل رقابة صحية صارمة
يمثل قرار خفض الرسوم الجمركية على المواشي ورقة اقتصادية ذات وجهين، فبقدر ما يحمل من وعود لتحديث القطيع الحلوب وتغطية النقص في اللحوم الحمراء عبر الاستيراد المنظم، فإنه يضع ضغطا هائلا على مربي الأغنام والماعز الصغار الذين يحتاجون إلى دعم مباشر في مدخلات الإنتاج لا منافسة مستوردة.
إن نجاح القرار رهين ليس فقط بمدى قدرة التجار على الإمداد، بل بقدرة الحكومة على خلق توازن دقيق يضمن دعم البنية التحتية للإنتاج المحلي بالتوازي مع تسهيل الواردات، بالإضافة إلى تفعيل الرقابة الصحية الصارمة على كل رأس ماشية يدخل البلاد.


