Morse AI
ملخص واستماع ذكي للمقال
كنت أحاول، في منامي، أن أجد جوابًا عن سؤال ملحّ تفرضه هذه المرحلة:
لماذا لم نستطع أن نحقق مفهوم الدولة في الوطن العربي، لا بوصفها كيانًا مستقلًا تحيط به الحدود، بل باعتبارها عقدًا اجتماعيًا، وفكرة جامعة، وبوصلة تهدي المجتمع نحو المستقبل؟
أعتقد، كما يرى المفكر الأردني مالك العثامنة، أن المشكلة تكمن في أننا بدأنا من القمة بدلًا من أن نبدأ من القاعدة؛ فبنينا مؤسسات قبل أن نبني المواطن، وكتبنا دساتير قبل أن نرسّخ الثقة بين الناس والسلطة. وهكذا أصبح لدينا شكل الدولة من دون روحها، وإطارها من دون مضمونها الحقيقي؛ اسم رسمي وشعار وحدود، لكن من دون إحساس يومي بالانتماء إلى الكيان الذي نعيش فيه.
غاب العقد الاجتماعي الحقيقي، وغاب معه صوت الناس. فلا انتخابات حقيقية تمنح الفرد شعورًا بأنه شريك في صنع القرار وبناء الوطن، وتعزز لديه الإحساس بالمسؤولية والانتماء. ولعقود طويلة، لم نكن شركاء في دولنا، بل متلقّين للأوامر، نخضع لأيديولوجيات متباينة تشترك في غاية واحدة: تطويع المجتمع وتحويل أفراده إلى قطيع يسير خلف من يمسكون بدفة القيادة.
لقد خلطنا بين الدولة والنظام الحاكم؛ لأن النظام سخّر مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسستان الأمنية والعسكرية، لحماية مصالحه ومصالح الموالين له والدفاع عنها بكل شراسة ودموية. وفي ظل هذا الخلط غاب القانون، وتحولت الاستثناءات إلى عرف سائد، وأصبح كثير من أصحاب النفوذ فوق المساءلة.
وهكذا ضاعت الحقوق، وخسر الإنسان الضعيف والبسيط والفقير آخر درع يحميه من حيتان المجتمع، وقاطعي الطريق، وأصحاب السلطة والنفوذ. وكان من نتيجة ذلك أن ماتت فكرة الدولة بوصفها منظومة للعدل، وتشرذمت الهوية الوطنية، وتحولت الانتماءات العائلية والعشائرية والطائفية والمناطقية إلى الملاذ الأخير للإنسان العربي.
وحين بدأنا نبحث عن الهوية الحقيقية للدولة، لم نستطع أن نحسم خياراتنا: هل نريد دولة مواطنة، أم دولة عشيرة، أم دولة طائفة، أم دولة الحزب الواحد، أم دولة تحمل رسالة أيديولوجية تتجاوز مواطنيها واحتياجاتهم؟
تحولت كل دولة عربية إلى حالة منفصلة، وأحيانًا مناقضة لما حولها. وأصبحت الدولة مجموعة من المؤسسات التي تؤدي بعض الوظائف، لكنها لم تتحول إلى رافعة حقيقية لمشروع حضاري ينهض بالمجتمع ويمنحه غاية مشتركة.
كما أغرقنا الخوف من الحرية في متاهات أكبر وأعمق. فالدولة الحديثة تقوم على حق السؤال وحق المساءلة، لكننا، دولةً ومجتمعًا، ظللنا نخشى النقد وكشف العيوب ومواطن الضعف، بل ونخشى المختلف أيضًا؛ مع أن الاختلاف، حين تحميه المواطنة وينظمه القانون، يصبح مصدر قوة لأي بلد متحضر يقوم على التشاركية والعدالة الاجتماعية.
وكان من أخطر النتائج غياب الخيال السياسي؛ لأن الدولة، في معناها العميق، مشروع خيال وحلم جماعي. غير أن الانشغال بلقمة العيش والصراعات التي لا تنتهي أطفأ حتى الحلم الكامن في داخلنا، فتحولت الدولة إلى مجرد جهة يُنتظر منها تقديم الخدمات، بدلًا من أن تكون فكرة كبرى تحتضن مستقبل أبنائها.
لا يبدأ الحل بإضافة نصوص جديدة إلى دساتير قديمة، ولا بتغيير أسماء المؤسسات والشعارات، بل بإعادة كتابة العقد الاجتماعي على أسس حقيقية: مواطن واعٍ وحر، ودولة عادلة، وقانون يحمي الجميع على قدم المساواة، وهوية وطنية واضحة لا تخجل من تنوعها، بل تتباهى به وتحميه.
نحتاج إلى دولة تمنح الحقوق قبل أن تطالب بالواجبات، وتمنح مواطنيها شعورًا حقيقيًا بالمواطنة والكرامة والشراكة؛ دولة تصبح مرآة لأحلامهم مجتمعة، ومشروعًا حضاريًا ينتمون إليه، ويحرصون عليه، ويدافعون عنه؛ لأنهم يرون في صوته صوتهم، وفي كرامته كرامتهم، وفي مستقبله مستقبل أطفالهم.
مقال مميز يفتح بابًا للأمل بقدر ما يطرح من أسئلة. بناء الدولة يبدأ من الإنسان، ومن الإيمان بأن المواطنة والعدالة والشراكة قادرة على تحويل أحلامنا إلى واقع ومستقبل أفضل للأجيال القادمة.
سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.