Morse AI
ملخص واستماع ذكي للمقال
اتفاق الشركة السورية للبترول مع «كونوكو فيليبس» و«نوفاتيرا» لا يستهدف زيادة إنتاج الغاز فقط؛ بل يمثل عودة شركة طاقة أمريكية كبرى إلى سوق غابت عنها لعقود، في مؤشر على المسافة التي قطعتها سوريا من العقوبات إلى محاولة جذب رأس المال والخبرة الدولية.
دمشق – 17 يونيو/حزيران 2026
في السادس عشر من يونيو/حزيران، وقعت الشركة السورية للبترول عقداً مع شركتي ConocoPhillips وNovaterra Energy الأمريكيتين لتطوير عدد من حقول الغاز السورية وزيادة الإنتاج من الحقول القائمة.
جرى التوقيع في مقر وزارة الطاقة في دمشق بعد أشهر من المباحثات الفنية والقانونية والتجارية التي بدأت بمذكرة تفاهم سابقة بين الأطراف. ويشمل المشروع تحديث البنية التشغيلية للحقول، ورفع الكفاءة، وتوسيع إنتاج الغاز المخصص بصورة أساسية لتوليد الكهرباء والقطاعات الاقتصادية الأخرى.
لكن أهمية الاتفاق تتجاوز قطاع الطاقة.
فدخول كونوكو فيليبس، إحدى أكبر شركات النفط والغاز الأمريكية، إلى شراكة مباشرة مع مؤسسة سورية حكومية كان سيبدو قبل فترة قصيرة شديد الصعوبة في ظل منظومة العقوبات والعزلة المالية التي أحاطت بالاقتصاد السوري.
ولهذا يمثل العقد اختباراً عملياً لمسار بدأ سياسياً برفع القيود عن سوريا، وأصبح الآن مطالباً بإثبات قدرته على إعادة الشركات والتكنولوجيا والاستثمار الفعلي إلى البلاد.
الغاز قبل النفط
اختيار الغاز ليس مصادفة.
فإحدى أكثر المشكلات إلحاحاً في سوريا هي الكهرباء، والغاز الطبيعي عنصر رئيسي في تشغيل محطات التوليد.
وبحسب بيانات أوردتها رويترز، انخفض إنتاج الغاز السوري من نحو 8.7 مليارات متر مكعب في 2011 إلى ثلاثة مليارات فقط في 2023، بعد سنوات من الحرب والأضرار التي لحقت بالحقول والبنية التحتية ونقص الاستثمار والصيانة.
هذا الانخفاض لا يبقى داخل قطاع الطاقة.
عندما تقل إمدادات الغاز، يتراجع إنتاج الكهرباء. وعندما تصبح الكهرباء غير مستقرة، ترتفع كلفة الصناعة والمياه والنقل والخدمات، ويصبح جذب الاستثمارات إلى بقية قطاعات الاقتصاد أكثر صعوبة.
لهذا ربط وزير الطاقة محمد البشير الاتفاق باستقرار شبكة الكهرباء والتعافي الاقتصادي، بينما قالت الشركة السورية للبترول إن المشروع يستهدف استعادة القدرة الإنتاجية وإدخال خبرات وتقنيات حديثة إلى القطاع.
وبهذا المعنى، فإن إعادة تشغيل حقول الغاز ليست مشروعاً قطاعياً منفصلاً عن إعادة الإعمار.
إنها جزء من البنية الأساسية التي يحتاجها أي تعافٍ اقتصادي آخر.
من مذكرة تفاهم إلى عقد
يحمل توقيت الاتفاق أهمية أخرى.
ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وقعت الأطراف مذكرة تفاهم أولية بشأن تطوير قطاع الغاز. أما عقد يونيو، فجاء بعد استكمال مراحل من الدراسات والمفاوضات الفنية والقانونية والتجارية.
وهذه النقلة مهمة بالنسبة إلى سوريا.
فالعام الأول بعد سقوط النظام السابق شهد الإعلان عن عدد كبير من مذكرات التفاهم والاستثمارات المحتملة. لكن المعيار الحقيقي لنجاح سياسة جذب الاستثمار ليس عدد الاتفاقيات المعلنة، وإنما عدد المشروعات التي تنتقل إلى عقود قابلة للتنفيذ وعمليات فعلية على الأرض.
وتشير التقديرات التي رافقت الشراكة إلى إمكانية إضافة نحو أربعة إلى خمسة ملايين متر مكعب من الغاز يومياً خلال عام من بدء التنفيذ، إذا سارت عمليات تطوير الحقول وفق الخطط الموضوعة.
وإذا تحقق ذلك، فقد يكون الأثر مباشراً على قدرة سوريا على زيادة إنتاج الكهرباء وتقليل اعتمادها على الإمدادات الخارجية.
عودة شركة أمريكية تحمل معنى سياسياً
شارك في مراسم التوقيع الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي والرئيس التنفيذي ورئيس مجلس إدارة كونوكو فيليبس ريان لانس ومسؤولو نوفاتيرا.
وفي اليوم نفسه، استقبل الرئيس أحمد الشرع في قصر الشعب لانس والرئيس التنفيذي لنوفاتيرا أليكس ماكدونالد ورجل الأعمال السوري أيمن أصفري، بحضور وزيري الخارجية والطاقة ومسؤولين سوريين آخرين.
أعطى هذا اللقاء للاتفاق بعداً يتجاوز الصفقة التجارية.
وقال لانس خلال مراسم التوقيع إن الاتفاق يمثل عودة كونوكو فيليبس إلى العمل في سوريا بعد غياب امتد لعقود، معرباً عن أمله في توسيع نشاط الشركة مستقبلاً.
هذه العودة تحمل دلالة خاصة لأن الشركات الأمريكية كانت من أكثر الشركات حساسية لمخاطر العقوبات السورية.
وعندما تقرر شركة عالمية مدرجة في الولايات المتحدة الدخول مجدداً في مشروع طويل الأجل داخل سوريا، فإن القرار لا يعتمد على الاحتياطي الجيولوجي وحده؛ بل يتطلب أيضاً تقييماً للعقوبات والقوانين والمخاطر السياسية والقدرة على تحويل الأموال واستقرار العقود.
لذلك يمكن قراءة الاتفاق باعتباره مؤشراً مبكراً على أن التحولات السياسية والقانونية في العلاقة السورية الأمريكية بدأت تنتقل من المجال الدبلوماسي إلى قرارات الشركات.
الطاقة بوابة لعودة الاستثمار الغربي
لم تكن كونوكو فيليبس الشركة الدولية الوحيدة التي بدأت إعادة دراسة السوق السورية.
ففي مايو/أيار، دخلت الشركة نفسها مع TotalEnergies وQatarEnergy والشركة السورية للبترول في مسار منفصل يتعلق بمراجعة فنية لمنطقة بحرية قبالة الساحل السوري بالقرب من اللاذقية.
وتشير هذه التحركات إلى أن قطاع الطاقة قد يصبح أحد القطاعات الأولى التي تختبر بصورة جدية عودة الشركات الدولية إلى سوريا.
ذلك مفهوم اقتصادياً.
فسوريا تحتاج إلى الغاز والنفط لتشغيل اقتصادها، في حين تمتلك الشركات العالمية التكنولوجيا والتمويل والخبرة التي يحتاجها قطاع تعرض لسنوات من نقص الاستثمار.
لكن الشراكة تحمل أيضاً تحديات.
فالعقود طويلة الأجل في النفط والغاز تحتاج إلى قواعد واضحة لتوزيع الإيرادات، وشفافية في منح الحقوق، وبيئة قانونية قادرة على تسوية النزاعات، ومؤسسات تستطيع إدارة الموارد الوطنية بصورة تمنع تحولها إلى مصدر جديد للفساد أو عدم المساواة.
عودة الشركات الدولية إذن ليست هدفاً في حد ذاتها.
الهدف هو أن تتحول هذه العودة إلى طاقة أكثر استقراراً واقتصاد أكثر إنتاجاً وعائد يمكن أن تستفيد منه الدولة والمجتمع معاً.
من إزالة العقوبات إلى اختبار الثقة
خلال 2025، تحركت واشنطن بسرعة في تفكيك جزء كبير من منظومة القيود المفروضة على سوريا، وصولاً إلى إلغاء قانون قيصر في ديسمبر.
لكن رفع العقوبات كان دائماً الخطوة الأولى فقط.
فالقرارات الحكومية تستطيع إزالة الحواجز القانونية، لكنها لا تستطيع إصدار قرار يجبر شركة خاصة على استثمار أموالها في بلد تعتبره عالي المخاطر.
الشركات تفعل ذلك عندما تعتقد أن العائد المحتمل يبرر المخاطر وأن البيئة السياسية والقانونية تتحسن بما يكفي لحماية استثمار طويل الأجل.
من هنا تأتي الأهمية الدولية لعقد السادس عشر من يونيو.
إنه لا يعني أن قطاع الطاقة السوري تعافى، ولا أن الشركات الغربية ستعود جميعها إلى البلاد.
لكنه يظهر أن السياسة التي بدأت بإعادة فتح القنوات بين دمشق وواشنطن وصلت إلى مرحلة جديدة: شركة أمريكية كبرى تضع اسمها ورأس مالها وخبرتها في مشروع داخل سوريا.
وسيكون الاختبار الآن في التنفيذ.
إذا ارتفع إنتاج الغاز كما هو مخطط، وتحسنت قدرة محطات الكهرباء على العمل، وانتقلت الشراكة إلى مشروعات أخرى، فقد يصبح الاتفاق أحد المؤشرات المبكرة على بداية إعادة بناء قطاع الطاقة السوري على أسس جديدة.
أما إذا بقيت النتائج دون التوقعات، فسيؤكد ذلك أن رفع العقوبات وعودة الشركات لا يكفيان وحدهما لإصلاح قطاع دمرته سنوات الحرب.
في الحالتين، تغير شيء أساسي.
قبل سنوات، كان السؤال الدولي هو كيف يمكن منع الشركات الأمريكية من التعامل مع قطاع الطاقة السوري.
في يونيو/حزيران 2026، أصبح السؤال مختلفاً:
ما الذي يمكن أن تبنيه شركة أمريكية كبرى داخل هذا القطاع؟
سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.