ِتتسارع الاحداث على خارطة المعارك التي يخوضها الجيش العربي السوري، وسجل الجيش يوم امس السبت تقدما ملحوظا سيطر خلاله على كامل ريف حلب الشرقي وصولا الى اجزاء واسعة من ريف الرقة
بداية العمليات من دير حافر
التطورات العسكرية بدأت عقب انسحاب قوات قسد من دير حافر ومسكنة، حيث انتشرت قوات الجيش في ساعات الصباح الاولى، ودخلت مدينتي دير حافر ومسكنة، واشتبكت مع قوات قسد بمحيط مطار الجراح العسكري.
بالتوازي حشدت قوات الجيش قواتها وبدأت بالتقدم نحو ريف الرقة، وتمكنت من السيطرة على قرية دبسي عفنان بريف الرقة الغربي.
وشهدت القرية هجوما واسعا بمسيرات انتحارية مصدرها تنظيم قسد، تعامل معها الجيش.
توسيع نطاق السيطرة نحو الرقة ودير الزور
الجيش تابع تقدمه ليسيطر على بادية الرصافة وقلعتها الاثرية اضافة الى عشرات القرى الواقعة في محيط الرصافة، ما شكل تضييقا للخناق على قوات قسد المتمركزة داخل مطار الطبقة العسكري.
وبعد ساعة من المعارك تمكن الجيش من السيطرة على المطار، وصولا الى مواقع استراتيجية اخرى ابرزها سد المنصورة وحقول صفيان والرصافةو بعد أقل من 24 ساعة سيطرة قوات الجيش السوري صباح اليوم الاحد على حقل العمر النفطي وحقل كونيكو للغاز بدير الزور فضلا عن السيطرة على قرى وبلدات هنيدة والصفصافة وقرى ابو عاصي والجبلي.
السيطرة والتقدم للجيش السوري لم تتوقف ليعلن مساء السبت السيطرة على مدينة الطبقة وسد الفرات والذي يعتبر شريان الحياة للسوريين
تنظيم قسد بدوره انكفأ مع فشل تثبيت قواته وخسارته اهم المواقع الاستراتيجية اضافة لفشله في قطع الطريق امام الجيش السوري بعد محاولة تفجير جسر شعيب، ووفقا لمصدر ميداني اقدم تنظيم قسد على تفجر الجسر الجديد في مدينة الرقة.
وذكر المصدر قيام التنظيم بقصف الاحياء السكنية في دير الزور بقذائف مدفعية وهاون اضافة لمسيرات انتحارية تسببت باصابات بين المدنيين وخسائر مادية.

جهد خدمي يواكب التقدم العسكري
مع كل تقدم سجله الجيش السوري رافقه دخول اليات محافظة حلب لازالة السواتر الترابية وفتح الطرقات مع تسلم باقي المؤسسات الخدمية المراكز الصحية والطبية والمخابز ومراكز التغذية الكهربائية وباقي مؤسسات الدولة.
وسجل بدء العمل المؤسساتي في وقت واحد في كل من مسكنة ودير حافر.
وتابع نائب محافظ حلب فواز هلال احتياجات الاهالي بريف حلب الشرقي واكد تقديم الدولة السورية ما يلزم للمواطنين لسد احتياجاتهم وتفعيل كل الخدمات الحكومية.
انهاء ازمة مياه حلب
لعل اكثر ما كان يؤرق سكان حلب ازمة مياه الشرب التي عانوا منها خلال اكثر من 13 عاما بعد سيطرة تنظيم داعش ومن ثم قسد على محطة البابيري بريف حلب الشرقي المسؤولة عن ضخ مياه الشرب الى مدينة حلب.
واعلنت وزارة الطاقة السورية عبر بيان لها قالت فيه: بعد تحرير مسكنة ودير حافر من تنظيم قسد وميليشيات حزب PKK الارهابي اعادت مديرية الموارد المائية في حلب تنظيم محطات الضخ الرئيسة وتشغيلها وفي مقدمتها محطة البابيري التي تعد اكبر محطة ضخ في الشرق الاوسط.
وتؤمن محطة البابيري بقدرة ضخ تبلغ 90 مترا مكعبا في الثانية مياه الري لـ 72 الف هكتار اضافة الى تزويد نحو 6 ملايين نسمة في حلب وريفها بمياه الشرب ودعم المحطة الحرارية والمدينة الصناعية والحد من الضرر البيئي على نهر قويق.
وكانت ميليشيات قسد قد فرضت سابقا تشغيل الضخ او ايقافه بقوة السلاح ما هدد القناة الرئيسة والحق اضرارا بالاراضي الزراعية.
ومع استعادة السيطرة على المناطق السابقة عاد التشغيل الى وضعه الطبيعي واكدت المديرية ان الوضع مستقر وتحت السيطرة بجهود الكوادر الوطنية.

تفعيل المراكز الصحية
اعلنت وزارة الصحة ان مديرية صحة حلب باشرت رسميا استلام المراكز الصحية في مدينة دير حافر بريف حلب الشرقي، بهدف اعادة تفعيل القطاع الطبي وتقديم الخدمات العلاجية للمواطنين في المناطق المحررة.
واوضحت الوزارة انه كاجراء اسعافي عاجل قامت المديرية بتسيير عيادات متنقلة وتجهيز اسطول من سيارات الاسعاف، لضمان التغطية الصحية الفورية وتأمين الرعاية الاساسية، بانتظار استكمال اعمال الصيانة والتاهيل للمرافق الثابتة التي تضررت سابقا.
واكدت ان هذه الخطوة تأتي ضمن استراتيجية شاملة لتعزيز الواقع الصحي في جميع المناطق المحررة، مشيرة الى التزامها توفير الكوادر الطبية والمستلزمات الضرورية.
استعادة حقول الطاقة في الرقة
من جانبها اعلنت الشركة السورية للبترول تسلمها حقلي الرصافة وصفيان من الجيش العربي السوري بهدف اعادتهما للخدمة.
وتعتبر هذه الحقول مصدرا للطاقة والغاز للسوريين اضافة الى كونها جزءا هاما في الاقتصاد السوري.
وقال الخبير الاقتصادي محمد سمعان لسيريا مورس ان استرجاع الجيش حقول النفط بمثابة اعادة جزء من الثروات المنهوبة من الشعب السوري طوال تلك السنوات والتي ستنعكس عند تشغيلها ايجابا على مصادر الطاقة والمشتقات النفطية في سوريا.
سد الفرات: قيمة استراتيجية متجددة
رغم السيطرة على اجزاء واسعة من ريف الرقة الا ان تفاعل السوريين زاد مع خبر سيطرة الجيش على سد الفرات لما له من اهمية كبيرة وانعكاس خدمي مباشر على حياة السوريين اليومية بالنسبة لقطاع الكهرباء وحلا جذريا لالاف الدونمات الزراعية.
سد الفرات، او “سد الطبقة”، تربع على قائمة ابرز المشاريع الاستراتيجية، يقع هذا الصرح في ريف محافظة الرقة الشمالي، متصلا بمدينة “الثورة” النموذجية، ليشكل نقطة ارتكاز تبعد عن مركز مدينة الرقة نحو 50 كيلومترا.
تعود الجذور التاريخية للمشروع الى منتصف الخمسينيات، إلا أن عجلة التنفيذ الفعلي لم تدر إلا في عام 1968، بموجب تعاون وثيق مع الاتحاد السوفيتي الذي أوفد 12 ألف خبير، عملوا جنبا الى جنب مع 1500 مهندس وعامل سوري لترسيخ جسد السد الترابي ذو النواة الطينية الصلبة.
وبطول يمتد لـ 4.5 كيلومتر وارتفاع شاهق يصل الى 60 مترا، نجح السد في تشكيل “بحيرة الطبقة”، التي باتت تصنف كواحدة من أنظف البحيرات العذبة عالميا، ممتدة على مساحة 640 كم² وقدرة تخزينية هائلة تبلغ 14.1 مليار متر مكعب.
المثلث الاستراتيجي: ماء، كهرباء، وطرق دولية
لا تقتصر أهمية سد الفرات على كونه منشأة مائية فحسب، بل هو الركيزة الأساسية للأمن القومي السوري في ثلاثة قطاعات حيوية.
ففي قطاع الزراعة، يعد السد المتحكم الفعلي بـ 82% من موارد سوريا المائية، حيث صُمم لري مساحات شاسعة تتخطى 640 ألف هكتار، محولا البادية الى واحات خضراء.
أما في قطاع الطاقة، فيحتضن السد أول وأكبر محطة كهرومائية في البلاد، تضم 8 عنفات بقدرة إجمالية تصل الى 880 ميغاواط، وبطاقة إنتاجية سنوية تقدر بمليارين ونصف مليار كيلوواط ساعي.
وإلى جانب ذلك، يلعب السد دورا لوجستيا بوصفه جسرا بريا حيويا يربط ضفتي النهر الشمالية والجنوبية، مسهلا حركة النقل والتجارة في قلب المنطقة الشرقية.
المكاسب الاقتصادية: عودة السيطرة والجدوى المستدامة
إن استعادة الدولة السورية لإدارة هذا المرفق الحيوي بكامل طاقته لا تعني مجرد تأمين حدود، بل هي انتصار اقتصادي بامتياز.
فمن الناحية الخدمية، تساهم عودة السد في تأمين نحو 21% من احتياجات البلاد الكهربائية، ما ينعكس مباشرة على تقليص ساعات التقنين ودفع عجلة الصناعة.
وعلى صعيد الأمن الغذائي، ستؤدي استعادة ري المساحات المستهدفة الى طفرة في المحاصيل الاستراتيجية كالقمح، فضلا عن تنشيط الثروة السمكية.
ولغة الأرقام تؤكد جدوى هذا الصرح؛ إذ غطت قيمة الكهرباء المنتجة تاريخيا تكاليف بنائه أكثر من 120 مرة، مما يجعله استثمارا وطنيا يوفر مبالغ طائلة كانت تنفق على الوقود الأحفوري، والأهم من ذلك، يضمن إشراف الفرق الوطنية المختصة سلامة جسم السد وإنهاء هواجس الكوارث المائية التي هددت المنطقة لسنوات.
خارطة السيطرة: من “غضب الفرات” الى واقع 2026
مر سد الفرات بمنعطفات عسكرية حادة منذ اندلاع المعارك، ففي مطلع العام 2014 بسط تنظيم “داعش” سيطرته المطلقة عليه.
وفي عام 2017، تحول السد الى ساحة لمعركة كبرى أطلقتها “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) تحت مسمى “غضب الفرات”، تضمنت إنزالا جويا أمريكيا في 26 آذار، وانتهت بالسيطرة الكاملة لـ “قسد” في 10 أيار من العام ذاته، بعد معارك تسببت بأضرار جسيمة في غرفة التحكم والمحطة الكهرومائية.
وفي السابع عشر من الشهر الأول لعام 2026 اعلن الجيش العربي السوري السيطرة على سد الفرات.
استعادة الجيش العربي السوري السيطرة على سد الفرات وحقول الطاقة في الرقة، بالإضافة الى إعادة تشغيل محطات المياه وتفعيل المراكز الصحية، تمثل خطوة حاسمة في استعادة مفاصل الثروة الوطنية وتأمين الخدمات الأساسية للمواطنين.
هذه العمليات لا تعزز فقط الأمن المائي والكهربائي والزراعي، بل ترسخ مفهوم الدولة ووحدتها، وتعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ما يمهد الطريق لمرحلة جديدة من التنمية والاستقرار في شمال سوريا.


