سوريا

التطرّف يُهلك والوسط يحفظ الحياة

تحميل المقال PDF
التطرّف يُهلك والوسط يحفظ الحياة
شبكة سيريا مورس الإخبارية

Morse AI

ملخص واستماع ذكي للمقال

الصوت مولّد بالذكاء الاصطناعي وليس صوتاً بشرياً.
سواء كان التطرف دينياً في أي دين، أو فكرياً، أو اجتماعياً، أو مناطقياً، أو فئوياً، أو تعنتاً في الرأي، فإن نتيجته واحدة: تدمير العلاقات، وإغلاق العقل، وفتح الأبواب للخلافات والتحزبات والجريمة بدل البحث عما يوحّد البشرية.

إنّ الاعتدال ليس ضعفاً ولا تمييعاً للمبادئ، بل هو قوة العقل والشخصية؛ أي القدرة على رؤية الأمور بوضوح دون أن يُعمي الحماس أو الخوف. أما التطرف فهو في جوهره جمود وعجز عن تقبّل التغيير أو الاعتراف بأن الإنسان قد يخطئ.

ومع ذلك، فإن لهذا المعنى استثناءً لا يجوز طمسه. فليس التمسك بمبادئ واضحة ومعترف بها تطرفاً. فالوقوف عند مواقف ثابتة محقّة، مقرّة إنسانياً واجتماعياً ودولياً، كصون الكرامة، ورفض الظلم، وحماية الحق في الحياة والعدل والدفاع عن الوطن، شيء آخر غير الغلو. الاعتدال لا يعني الذوبان، ولا يطالب الإنسان بأن يتنازل عن الحق كي يُحسب في الوسط. الثبات على ما هو بيّن ومستحق ليس بعداً عن الوسط، بل هو أحد شروطه؛ لأن الوسط الحقيقي يقوم على ميزان لا على محي الحقائق، وعلى وضوح لا على مساومة دائمة.

التطرف الديني، مهما كان الدين، يُخرج الإنسان عن جوهر الرسالة التي جاءت في الأصل لهداية الناس ورحمتهم. فالأديان الكبرى دعت في نصوصها الأصيلة إلى التوازن. في الإسلام جاءت الآية: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً)، وفي الحديث: (إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين). وقد لخّص الإمام علي رضي الله عنه الأمر بقوله إن الجاهل لا تراه إلا مفرِطاً أو مفرِّطاً. هذا الغلو يحوّل الدين من رحمة إلى أداة للتكفير والإقصاء.

أما التطرف الفكري فهو أخطر أحياناً لأنه يتستّر بثوب العقل. حين يعتقد الإنسان أن فكرته هي الحقيقة المطلقة التي لا تقبل النقاش، يتحول الحوار إلى صراع وجودي.

والتعصب المناطقي والفئوي والقبلي يسجن الإنسان داخل دائرة ضيقة تزيد التفرقة وتُفقد الرؤية الإنسانية المشتركة. كذلك التعنت الاجتماعي يرفض أي تطور أو اختلاف في العادات، فيخنق الإبداع ويجعل المجتمع يعيش في الماضي بدل أن يبني مستقبله.

ورفض الآخر، ورفض احتمال أن يكون عنده جزء من الحق، يؤديان عبر التاريخ إلى نتيجة معروفة: حروب، وانقسامات أسرية، ومجتمعات ممزقة، وعقول توقفت عن النمو. فالعقل المتطرف لا يبحث عن الفهم، بل عن إثبات أنه على حق وأن غيره على باطل. ومن هذا الموقف تولد الكراهية، ومن الكراهية يتولّد العنف بأشكاله المختلفة، من القطيعة الاجتماعية إلى الجريمة.

وعلى المستوى الشخصي، يدمر التطرف العلاقات الأسرية والصداقات؛ لأن المتعصب لا يحب باعتدال ولا يبغض باعتدال، فيخسر الطرفين كما حذّر الإمام علي. وعلى المستوى الاجتماعي يعيق التقدم، لأن المجتمعات التي تسود فيها الأفكار المتطرفة تتوقف عن الابتكار وتستهلك طاقتها في الصراع الداخلي. أما على المستوى النفسي، فالتطرف غالباً ما ينبع من الخوف أو الشعور بالنقص أو الحاجة إلى انتماء يمنح هوية جاهزة. وقد ضاعفت وسائل التواصل الحديثة المشكلة حين عززت التعنت، وباعدت الإنسان عن الرأي المخالف، حتى صار المجتمع منقسماً إلكترونياً يكره بعضه بعضاً دون حتّى أن يلتقي وجهاً لوجه، وتنتشر معه آفات التنمّر لمجرد اختلاف الرأي.

وتتجلى خطورة التطرف وأهمية الاعتدال بوضوح في المجريات الحديثة لسوريا بعد رفع اسمها في أغسطس 2026 من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعد تصنيف استمر قرابة سبعة وأربعين عاماً. وهي خطوة تمثّل انفراجة اقتصادية تفتح أبواب الاستثمار والإعمار، وهي أيضاً اختبار لقدرة مجتمع متنوع على حماية ما وصل إليه اليوم، ثم اختيار طريق البناء بدل إعادة إنتاج الانقسام.

سوريا مجتمع غني بتنوعه الديني والمذهبي والعرقي والمناطقي، ولكل مكوّن عاداته وتقاليده. في مرحلة كهذه يصبح الابتعاد عن التطرف ضرورة وجودية، فأي تعصب فئوي أو مناطقي أو فكري يعيد فتح الجراح ويمنع تقبّل الجميع للجميع.

قوة هذا المجتمع تكمن في تنوعه لا في محاولة فرض لون واحد أو فكر واحد. وعندما يقبل الناس بعضهم بعضاً دون شروط مسبقة، يتحول الاختلاف من مصدر توتر إلى مصدر ثراء، ويصبح الاعتدال أساس أي استقرار قابل للاستمرار، وهنا توجب الإشارة أنه بعد إزالة العقوبات كافة وخاصة الاقتصادية منها بخطوات عملية فعّالة ومع فتح أبواب الاستثمارات وتدفق الأموال فهذا من شأنه إلى درجة كبيرة الأخذ بيد الإنسان السوري للعمل والإنتاج والعطاء ويبعده بلاشك عن الفقر والتطرف والجريمة.

فالاعتدال هو اختيار واعٍ للعطاء والبناء، فهو انفتاح مع الحفاظ على القيم الإنسانية الأساسية، وقابلية التغيير دون فقدان الهوية، وتقبّل فكر الآخر دون التنازل عن الحق.

وهذا المبدأ ليس حكراً على حضارة واحدة. فقد تحدث أرسطو عن (الوسط الذهبي) الذي تقع فيه الفضيلة بين رذيلتين، ودعت البوذية إلى الطريق الوسط بين الانغماس في الملذات والزهد المتطرف، وتحدثت الكونفوشيوسية عن التوازن. وهذا التقاء الحضارات على فكرة واحدة دليل على أنها فطرة إنسانية مشتركة.

الاعتدال يعني تواضعاً فكرياً يفتح المجال لحوار حقيقي، والحوار لا يعني الموافقة على كل شيء، بل القدرة على الاستماع بنية الفهم لا من أجل الردّ فقط. ومن أعظم صفات العقل الناضج الاعتراف بأن فكرة ما قد تكون ناقصة أو خاطئة، وأن تغيير الرأي ليس ضعفاً، بل هو ما يجعل العلم والمجتمعات تتقدم وتعيش بسلام وتبدع أكثر مرتكزة على تنوعها.

فالتوازن والاعتدال هما ضرورة للسلام الداخلي والسلام العالمي معاً. الإنسان المتطرف هو غالباً إنسانٌ مضطرب، غير مطمئن، يعيش في حالة حرب دائمة. أما الإنسان المعتدل فهو غالباً إنسان شجاع يعيش بطمأنينة وتوازن ومرونة، ويبقى منفتحاً على التجارب الإنسانية دون أن يذوب فيها. وقد أثبت التاريخ أن التطرف يغذي دورات العنف والكراهية بين الشعوب، بينما يفتح الاعتدال أبواب الحوار والتفاهم. التطرف طريق للتفرقة أما الاعتدال فهو سياسة الوحدة: يبحث عما يجمع لا عما يفرّق، ويرى في الإنسانية المشتركة أساساً للتعايش.

فلنبدأ من الذات. ولنراقب أنفسنا: هل ندافع عن أفكارنا لأنها صحيحة أم لأنها أصبحت جزءاً من هويتنا؟ وهل نستطيع أن نذكر ثلاث نقاط إيجابية في رأي الآخر مهما اختلفنا معه؟

وللتعليم دور حاسم. ينبغي أن نربّي الأجيال على التفكير النقدي لا على حفظ المواقف الجاهزة. ولا لتأليه أي فكرة أو شخص، والأسرة والمدرسة والإعلام مسؤولون عن غرس ثقافة السؤال والحوار بدل ثقافة الإقصاء، وعن تعليم الأطفال أن كثيراً من الآراء قابل للمراجعة، وأن الحقيقة قد تكون في بعض الأحيان نسبية، ونترك لهم المجال لمحاولة إيجادها. كما أن التعرض للتنوع ضروري، فمن يعيش في دائرة مغلقة من الأفكار المتشابهة يصبح متطرفاً بسهولة.

  • إن الحديث مع أناس يختلفون في الدين أو المنطقة أو الانتماء، يكسر جدار التعصب.

وأخيراً، لنتذكر أنه لن تزداد قوتنا كلما علا صوتنا في الصراخ، بل كلما امتلكنا القدرة على الجلوس إلى طاولة الحوار والاستماع للآخر. فالصراخ يهدم، والاعتدال والحوار يبنيان ما يدوم. والحياة لا تستمر بالكراهية والانغلاق، بل بالقدرة على رؤية الإنسانية المشتركة رغم الاختلاف.

إن غرس الاعتدال في النفوس ينطلق في بواكير الطفولة الأولى، حين يكون عقل الطفل ووجدانه أشد مرونةً وأعمق قابليةً للتشكّل. فالفكر والقيم لا يُبنيان بالوعظ والتلقين المباشر أو المقررات المنفصلة، بل يتكوّنان من القدوة الحية التي يراها الطفل كل يوم، ومن الحوار الهادئ الذي يُفتح له فيه باب السؤال بلا خوف، ومن الأمان العاطفي الذي يمنحه الثقة ليتأمل ويوازن ويختار. لذلك كان التركيز على مرحلة الطفولة، وعلى أحدث المناهج التربوية التي تدمج الاعتدال في المناخ المدرسي والعلاقات اليومية والخبرات العملية لا في مادة منفصلة فحسب، هو أولى الأولويات في هذه المرحلة، لأنه الاستثمار الأعمق والأبقى في بناء جيل قادر على الاتزان في الفكر والسلوك معًا.