Morse AI
ملخص واستماع ذكي للمقال
اقتراح المفوضية الأوروبية استعادة التطبيق الكامل لاتفاق التعاون مع سوريا يذهب أبعد من تخفيف العقوبات؛ فهو يعيد طرح التجارة والتنمية والحوار السياسي ضمن علاقة مؤسسية أُضعفت منذ عام 2011.
بروكسل – 21 أبريل/نيسان 2026
بعد أكثر من عام على سقوط نظام بشار الأسد، انتقلت السياسة الأوروبية تجاه سوريا خطوة جديدة من إزالة القيود إلى محاولة إعادة بناء العلاقة نفسها.
ففي 20 أبريل/نيسان، اقترحت المفوضية الأوروبية استعادة التطبيق الكامل لاتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وسوريا، وهو الإطار الذي حكم العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الجانبين منذ عام 1978 قبل تعليق أجزاء منه في أعقاب قمع الاحتجاجات السورية عام 2011.
لا يعني الاقتراح أن الاتفاق عاد إلى العمل الكامل فوراً. فما تزال الخطوة تحتاج إلى اعتماد رسمي من مجلس الاتحاد الأوروبي ثم إبلاغ السلطات السورية الانتقالية.
لكن سياسياً، حمل القرار المقترح رسالة يصعب فصلها عن مجمل التحول الأوروبي خلال الأشهر الماضية:
الاتحاد الأوروبي لم يعد يتعامل مع سوريا الجديدة بوصفها مجرد دولة تحتاج إلى تخفيف العقوبات والمساعدات، بل كشريك محتمل ينبغي إعادة بناء إطار قانوني وسياسي دائم للعلاقة معه.
اتفاق يعود إلى ما قبل الحرب بعقود
تعود جذور اتفاق التعاون السوري الأوروبي إلى عام 1977، ودخل حيز التنفيذ في 1978.
وقد وفر لعقود الإطار القانوني للتعاون الاقتصادي والتجاري، بما في ذلك إعفاء معظم المنتجات الصناعية السورية المصدرة إلى السوق الأوروبية من الرسوم الجمركية ومنع بعض القيود الكمية على التجارة بين الطرفين.
لكن العلاقة تغيرت جذرياً مع اندلاع الأزمة السورية.
في عام 2011، علّق الاتحاد الأوروبي أجزاء من الاتفاق رداً على القمع والانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي ارتكبها نظام الأسد، بالتوازي مع بناء واحدة من أوسع منظومات العقوبات الأوروبية تجاه دمشق.
وبذلك أصبحت العلاقة السورية الأوروبية خلال سنوات الحرب محكومة بالعقوبات والمساعدات الإنسانية والملفات السياسية والأمنية، أكثر مما كانت محكومة بالتجارة والتنمية.
اقتراح أبريل يعكس محاولة لعكس هذا المسار.
ما بعد رفع العقوبات
لم تأت الخطوة الأوروبية من فراغ.
في مايو/أيار 2025، قرر الاتحاد الأوروبي رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، باستثناء الإجراءات المرتبطة باعتبارات أمنية وأفراد وجهات محددة.
ثم زارت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا دمشق في يناير/كانون الثاني 2026، والتقيا الرئيس أحمد الشرع.
وخلال الزيارة، أعلنت أوروبا إطاراً جديداً لعلاقاتها مع سوريا يقوم على ثلاثة مسارات: شراكة سياسية جديدة، وتعاون اقتصادي وتجاري أوسع، وحزمة دعم تبلغ نحو 620 مليون يورو لعامي 2026 و2027 تشمل المساعدات الإنسانية والتعافي المبكر والدعم الثنائي.
لذلك يمكن قراءة اقتراح استعادة اتفاق التعاون باعتباره محاولة لتحويل تلك الالتزامات السياسية إلى بنية قانونية ومؤسسية.
فالفرق كبير بين أن ترفع أوروبا عقوبة وبين أن تعيد فتح اتفاق ينظم التجارة والتعاون مع سوريا.
الأولى تزيل عائقاً.
أما الثانية فتبني قناة.
التجارة تعود إلى قلب العلاقة
تكمن إحدى أهم دلالات الاتفاق في أنه يعيد الاقتصاد إلى مركز العلاقة بين دمشق وبروكسل.
قبل الحرب، كانت السوق الأوروبية شريكاً مهماً لسوريا، وبلغ حجم التجارة بين الجانبين مستويات بمليارات اليورو سنوياً.
أما خلال سنوات النزاع والعقوبات، فتراجعت تلك الروابط بصورة حادة.
اليوم، تحتاج سوريا إلى أسواق لتصدير منتجاتها، وإلى استثمارات وتقنيات ومعدات لعملية إعادة الإعمار. وفي المقابل، تحتاج الشركات الأوروبية إلى وضوح قانوني أكبر قبل العودة إلى بلد ما تزال مخاطره السياسية والمالية مرتفعة.
إعادة تفعيل اتفاق قديم لا تحل هذه المشكلات وحدها.
لكنها توفر إطاراً أكثر وضوحاً يمكن أن تبدأ داخله التجارة والاستثمارات والعلاقات الاقتصادية في النمو من جديد.
وهنا تظهر أهمية الخطوة بالنسبة إلى سوريا: الانتقال من اقتصاد يُسمح للعالم بالتعامل معه إلى اقتصاد توجد له قواعد مؤسسية تنظم ذلك التعامل.
أوروبا تريد الانخراط من دون التخلي عن شروطها
الانفتاح الأوروبي لا يعني أن بروكسل أغلقت ملف الانتقال السياسي أو حقوق الإنسان.
فعندما أعلنت فون دير لاين الإطار الجديد للعلاقة في يناير، ربطته بعملية انتقال سلمية وشاملة، والمصالحة، وبناء مؤسسات تحترم حقوق جميع السوريين.
وتواصل المؤسسات الأوروبية التأكيد أن دعم التعافي السوري يسير بالتوازي مع توقعات تتعلق بالشمول السياسي والاستقرار وسيادة القانون.
وهذا يوضح طبيعة المقاربة الأوروبية الجديدة.
بدلاً من محاولة التأثير في سوريا أساساً من خلال العزلة الاقتصادية، تريد بروكسل أن تمتلك تأثيراً من داخل علاقة سياسية وتجارية متنامية.
بمعنى آخر، أوروبا لا تتخلى عن المشروطية، لكنها تغير الأدوات التي تستخدمها لتحقيقها.
الخطوة التالية: حوار سياسي مباشر
يحمل توقيت اقتراح المفوضية أهمية إضافية.
فقد أعلنت بروكسل أن الخطوة تأتي قبيل انعقاد الحوار السياسي رفيع المستوى بين الاتحاد الأوروبي وسوريا في 11 مايو/أيار، وهو مسار كان مقرراً أن يفتح قناة منظمة للمناقشات بين المؤسسات الأوروبية والسلطات السورية الانتقالية.
وهذا يعني أن العلاقة تتحرك تدريجياً من زيارات القادة والبيانات السياسية إلى هياكل أكثر انتظاماً.
بالنسبة إلى دمشق، يوفر ذلك فرصة لإعادة إدماج سوريا في المجال الاقتصادي والسياسي الأوروبي.
وبالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، يوفر شريكاً مؤسسياً يمكن من خلاله مناقشة ملفات تمتد من التجارة وإعادة الإعمار إلى الهجرة والأمن والإصلاح السياسي.
من إدارة الأزمة إلى بناء العلاقة
طوال أكثر من عقد، كان السؤال الأوروبي حول سوريا يدور غالباً حول كيفية التعامل مع تداعيات الحرب: اللاجئون، العقوبات، المساعدات، الإرهاب، والانتهاكات.
في أبريل/نيسان 2026، بدأ سؤال مختلف يفرض نفسه:
كيف ينبغي أن تبدو العلاقة الأوروبية السورية إذا انتقلت البلاد فعلياً إلى مرحلة ما بعد الحرب؟
اقتراح إعادة اتفاق التعاون لا يقدم إجابة كاملة.
لكنه يرسم اتجاهها.
سوريا التي ظلت لسنوات مرتبطة في بروكسل بمنظومة العقوبات بدأت تعود إلى لغة الاتفاقات والتجارة والحوار المؤسسي.
ولا يزال الطريق طويلاً. فالتعافي الاقتصادي يحتاج إلى استقرار داخلي، ونظام مالي قابل للعمل، وتشريعات واضحة، ومؤسسات قادرة على حماية الاستثمار، وثقة دولية لن تُبنى بقرار أوروبي واحد.
لكن التحولات الدبلوماسية الكبرى كثيراً ما تظهر أولاً في تغير اللغة القانونية.
في 2011، كان تعليق اتفاق التعاون أحد أدوات أوروبا لعزل نظام الأسد.
وفي 2026، أصبح اقتراح استعادته إشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي بدأ ينظر إلى سوريا من خلال سؤال مختلف تماماً:
ليس كيف يعزلها، وإنما كيف يعيد بناء العلاقة معها.
سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.