Morse AI
ملخص واستماع ذكي للمقال
ولم يكن محمد مجرد اسم آخر في سجل الموقوفين؛ كان أحد أبناء الثورة السورية، يعمل رغم مرضه في الدفاع المدني، وهو ابن شهيد من الشهداء الأوائل الذين قضوا في الغوطة الشرقية خلال المواجهة مع نظام الاستبداد الساقط. عائلة دفعت من دمها ثمنا باهظا وهي تحلم بوطن مختلف، فإذا بها تجد نفسها أمام مأساة من النوع الذي ثار السوريون أصلا كي لا يتكرر.
دخل محمد المخفر، بحسب رواية عائلته، واعيا وقادرا على الكلام ومستقر الحال، ثم نقل بعد ثلاثة أيام إلى العناية المشددة مصابا بنزيف دماغي، وتوقف قلبه ثلاث مرات قبل أن يفارق الحياة، تاركا خلفه عائلة مفجوعة وقضية أثارت اهتماما واسعا. وبانتظار تحقيق مستقل وشفاف يكشف ما حدث داخل مكان الاحتجاز ويحدد المسؤوليات، فإن الأسئلة التي تثيرها هذه القضية أكبر من أن تدفن مع صاحبها.
فالثورة السورية لم تكن ثورة على أشخاص أو أسماء أو أيديولوجيا بعينها بقدر ما كانت ثورة على منظومة القمع والإذلال والممارسات الأمنية التي ارتبطت بتلك المرحلة في ظل النظام السابق. ثار السوريون لأن كرامة الإنسان كانت تداس خلف أبواب الفروع والمعتقلات، ولأن الجهة التي يفترض أن تحمي المواطن تحولت إلى مصدر خوف له. ولهذا تصبح قضية محمد أكثر إيلاما: فالمرحلة الجديدة تضع أمام مؤسسات الدولة مسؤولية ضمان عدم تكرار أي من ممارسات الماضي.
في أي دولة قانون هناك قاعدة لا تقبل المساومة: المتهم بريء حتى تثبت إدانته. الموقوف ليس مدانا، وجسده ليس ميدانا للتحقيق، ولا يملك أي عنصر أمن حق إهانته أو ضربه أو تعريض حياته للخطر، مهما كانت التهمة الموجهة إليه. مهمة الشرطة أن تحفظ الأمن وتجمع الأدلة وتحيل المتهم إلى القضاء، أما الحكم والعقوبة فمكانهما المحكمة. ومن هنا تأتي أهمية أن يشعر المواطن بالأمان والثقة تجاه الجهة التي يفترض أن تحميه، باعتبار ذلك إحدى أهم ركائز العلاقة بين الدولة ومواطنيها.
وقد توصف بعض الحوادث بأنها «تجاوزات فردية»، لكن مثل هذه الشكاوى تستدعي طرح سؤال أعمق: كيف يتم اختيار عناصر الأمن أصلا، وكيف يجري تدريبهم، وما مقدار معرفتهم بالقانون وحقوق الإنسان وحدود استخدام القوة؟ وقد يكون من المفيد أن تبدأ المعالجة منذ مرحلة الانتساب إلى المؤسسة الأمنية نفسها، عبر تعزيز معايير الاختيار والتأهيل المهني. كما أن طبيعة عمل الشرطة تقتضي ترسيخ مفهوم التعامل مع المواطن باعتباره شريكا في الأمن، وأن سلطة التوقيف وحمل السلاح تفرضان مسؤولية أكبر في احترام حقوقه.
لهذا فإن تطوير المؤسسة الأمنية لا ينبغي أن يقتصر على محاسبة المسؤول عن كل حادثة، وإنما يستحسن أن يمتد إلى مراجعة منظومة الاختيار والتأهيل بأكملها: معايير نفسية وأخلاقية واضحة، تدريب إلزامي على القانون وحقوق الإنسان، معرفة دقيقة بحدود استخدام القوة، وتأهيل للتعامل مع الحالات الطبية والنفسية داخل أماكن الاحتجاز. لا يكفي أن يعرف رجل الأمن كيف يستخدم السلاح؛ عليه أولا أن يعرف متى لا يستخدم القوة.
كل حادثة من هذا النوع، إن لم تكشف حقيقتها وتحدد المسؤوليات بشأنها، قد تؤثر في ثقة السوريين بالدولة الجديدة. فالثقة تبنى تدريجيا، وقد تتأثر بتكرار الحوادث والأسئلة التي تثيرها، حتى يبدأ المواطن بالسؤال: إذا دخل ابني إلى مركز شرطة، هل سيعود سالما؟ وإذا حدث تجاوز للقانون من أحد عناصر الأمن، هل ستضمن المؤسسة مساءلته وفق الإجراءات القانونية؟ وحين يصبح هذا السؤال حاضرا في أذهان الناس، نكون أمام خطر يتجاوز أي حادثة منفردة.
سوريا اليوم أمام فرصة تاريخية لبناء مؤسسات مختلفة عن مؤسسات الماضي. ولذلك يجب ألا تنتهي قضية محمد ببيان تعزية أو وعد عابر بفتح تحقيق. المطلوب تحقيق مستقل وشفاف يكشف للرأي العام ما حدث منذ دخوله المخفر وحتى نقله إلى المستشفى ووفاته، والاستناد إلى التقارير الطبية والطب الشرعي وشهادات الشهود وأي تسجيلات متاحة، ثم إعلان النتائج ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، مهما كانت رتبته أو الجهة التي ينتمي إليها.
كما يجب إنشاء رقابة حقيقية على مراكز الاحتجاز، وتوثيق الحالة الصحية لكل موقوف عند دخوله، وضمان حقه في الرعاية الطبية والتواصل القانوني، وترسيخ قاعدة بسيطة داخل كل مؤسسة أمنية: الموقوف أمانة في عنق الدولة، ومنذ اللحظة التي تسلب فيها حريته تصبح الدولة مسؤولة عن سلامته.
وقد يكون من المفيد أيضا توسيع دور اللامركزية الإدارية في تنظيم الشرطة المحلية، بحيث يكون جزء كبير من عناصر الأمن الداخلي من أبناء المناطق التي يخدمون فيها، ممن يعرفون مجتمعها وعاداتها وأهلها، ولكن ضمن مؤسسة وطنية موحدة ومعايير قانونية ومهنية واحدة. فالهدف ليس إنشاء ولاءات محلية، بل تقريب رجل الأمن من المجتمع وتعزيز شعوره بأنه جزء منه وخادم له، لا سلطة فوقه.
لقد دفع السوريون ثمنا يفوق الوصف كي يتخلصوا من دولة الخوف، ومن المهم بعد كل تلك الدماء والمعتقلات والمفقودين العمل على ضمان عدم تكرار الممارسات التي كرست الخوف بين المواطن ومؤسسات الدولة. نريد دولة قوية وشرطة قادرة على مكافحة الجريمة وأجهزة أمن تحمي البلاد، وتتعزز قوة الدولة عندما تقترن كفاءة مؤسساتها الأمنية بحماية المواطن والالتزام بالقانون واحترام الحقوق.
محمد غميرة لم يكن ينبغي أن يصبح قضية رأي عام. كان ينبغي أن يدخل مركز الشرطة، وأن يخضع للإجراءات القانونية، وأن تراعى حالته الصحية، ثم يعود إلى أسرته أو يحال إلى القضاء وفق القانون. بهذه البساطة.
لقد استشهد والد محمد وهو يحلم بسوريا لا يهان فيها الإنسان، واليوم من حق السوريين أن يسألوا: إذا لم يصبح الإنسان آمنا في وطنه، وإذا لم تصبح كرامته خطا أحمر أمام السلطة، فما الذي كانت من أجله كل تلك التضحيات؟
رحم الله محمد حسام الدين غميرة، ولتكن قضيته جرس إنذار لا حادثة أخرى تنسى بعد أيام. فالدولة التي يتطلع إليها السوريون تحتاج إلى قانون يحمي البريء، ومؤسسات تضمن حماية الإنسان من الظلم وتصون كرامته وحقوقه.
حيدر باقر شكرا جزيلا لإطراءك و تعليقك السامي. مع كل المودة
تم
ولويش عملتوها قضيه؟؟ مين هالخرى كلب وفطس
تم
سجّل الدخول للتفاعل أو كتابة تعليق.