loader image
سيريا مورس - صوت أمريكي بتردد سوري
الثلاثاء, فبراير 10, 2026
سيريا مورس - صوت أمريكي بتردد سوري
الرئيسيةسوريااللاذقيةهل تنجح سورية في كسر الاحتكار الإقليمي لصناعة السفن بشرق المتوسط؟

هل تنجح سورية في كسر الاحتكار الإقليمي لصناعة السفن بشرق المتوسط؟

تجاوزت الاتفاقية الاستراتيجية الأخيرة التي أبرمتها الهيئة العامة للمنافذ والجمارك مع شركة “كوزي ستار” التركية المتخصصة في الترسانات البحرية حدود البروتوكولات التجارية التقليدية، لتضع البلاد أمام استحقاق صناعي وتكنولوجي غير مسبوق في تاريخها الحديث، إن هذا التحرك المدروس يثير تساؤلات جوهرية حول قدرة المرافئ الوطنية على التحول من مجرد منصات لوجستية للاستيراد والتصدير إلى قلاع صناعية ثقيلة تنافس الأحواض التاريخية في حوض البحر الأبيض المتوسط، وما إذا كان هذا المشروع سيمثل حجر الزاوية الحقيقي في استعادة السيادة الاقتصادية البحرية عبر امتلاك أدوات التصنيع الهندسي المعقد وفق أرقى المعايير الدولية.

القيمة المضافة والأثر الاقتصادي التراكمي

في هذا السياق يرى الخبير الاقتصادي في جامعة اللاذقية الدكتور علي ميا أن هذا المشروع يمثل الانطلاقة الحقيقية لما يعرف عالميا بـ “الاقتصاد الأزرق” في سورية، وهو القطاع الذي يعظم الاستفادة من الموارد البحرية بشكل مستدام وذكي.
وأكد الدكتور ميا أن صناعة السفن هي من الصناعات “القائدة” التي لا تعمل بمعزل عن غيرها، بل تحرك خلفها عشرات القطاعات المساندة والصناعات التحويلية، بدءا من صهر المعادن وتشكيل الحديد والصلب، وصولا إلى صناعات الكابلات والدهانات المتخصصة والمفروشات وأنظمة الملاحة الرقمية المتطورة.
ويضيف الخبير أن الأثر التراكمي لهذا الاستثمار سيتضح من خلال خلق بيئة صناعية متكاملة تحيط بالمنافذ البحرية، مما يرفع القيمة السوقية للمنطقة ككل ويحولها إلى قطب لوجستي وصناعي ينافس المرافئ الإقليمية الكبرى، مشيرا على أن هذا التوجه يساهم في تنويع روافد الدخل القومي بعيدا عن القطاعات التقليدية، مما يعزز من مرونة الاقتصاد الوطني أمام التقلبات العالمية، إضافة إلى أنه يخلق توازنا جديدا في ميزان المدفوعات عبر استبدال خدمات الاستيراد بقدرات تصديرية تقنية عالية القيمة.

فلسفة السيادة الاقتصادية عبر بوابة الاستثمار التشاركي

وبين الدكتور ميا أن هذه الشراكة تستند إلى رؤية اقتصادية براغماتية تعتمد صيغة البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)، وهي معادلة قانونية واستثمارية تضمن تدفق رؤوس أموال أجنبية ضخمة تتجاوز 190 مليون دولار أمريكي دون تحميل الخزينة العامة للدولة أية أعباء مديونية أو التزامات مالية مباشرة. لافتا إلى أن القيمة المضافة في هذا النمط من العقود لا تكمن فقط في ضخ السيولة، بل في توطين بنية تحتية هندسية متطورة تؤول ملكيتها بالكامل للدولة بعد انقضاء ثلاثة عقود من الاستثمار والتشغيل.
وأكد الخبير أن هذا التوجه يعكس حنكة في استثمار المواقع الجغرافية المتميزة للمنافذ البحرية، وتحويلها إلى مراكز جذب للرساميل التقنية العالمية التي تبحث عن بيئات تشغيلية واعدة، مما يعزز من أصول الدولة الثابتة ويخلق قاعدة صناعية مستدامة للأجيال القادمة.

أثر الصناعة على التوازن النقدي

ولفت الدكتور ميا إلى أن إقامة حوض متكامل لبناء وصيانة السفن بمختلف أحجامها وأشكالها الهندسية سيؤدي حتما إلى تغيير جذري في موازين القوى في القطاع البحري المحلي. مضيفا أن الحسم الممنوح للأسطول الحكومي، والبالغ 20 بالمئة من إجمالي القيمة التشغيلية، يمثل وفرا ماليا سياديا يساهم في إعادة هيكلة السفن الوطنية وتحديثها بأقل التكاليف الممكنة. مشيرا إلى الدور المحوري للمشروع في حماية الاحتياطيات النقدية، إذ كانت عمليات الصيانة الدورية والبناء تتطلب في السابق تحويل مبالغ طائلة من القطع الأجنبي إلى الأحواض والشركات الخارجية. مبينا أنه بوجود هذا الصرح الصناعي، ستتحول البلاد من “مستهلك” مستنزف للخدمات البحرية الخارجية إلى “منتج” ومصدر لها، حيث ستجذب الترسانة الجديدة السفن التجارية الأجنبية العابرة للمتوسط، مما يرفد الاقتصاد بموارد مالية مستمرة بالعملة الصعبة ناتجة عن تصدير الخبرات والخدمات الهندسية.

هندسة الكوادر البشرية ونقل المعرفة التقنية العابرة للحدود

وكشف ميا أن الاتفاقية لم تقتصر على تأطير الجوانب المالية والفنية فحسب، بل ركزت بوضوح على بناء رأس مال بشري وطني عبر اشتراط نسبة عمالة وطنية لا تقل عن 95 بالمئة من إجمالي القوى العاملة في المشروع. بالإضافة إلى أن الالتزام بتأمين آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة يتجاوز في جوهره فكرة التوظيف التقليدي، ليصبح مشروعا وطنيا شاملا لنقل المعرفة (Knowledge Transfer).
مشيرا إلى انه من خلال الاحتكاك الميداني المباشر مع الخبرات العالمية في مراحل التصميم الهندسي والبناء والتدشين، ستتشكل طبقة جديدة من الكوادر الوطنية المتخصصة في علوم الميكانيك الدقيق، واللحام تحت الماء، إضافة إلى الإلكترونيات البحرية المعقدة. هذا التحول سيضمن مستقبلا استمرارية هذه الصناعة بأيد وعقول محلية، أيضا يحول الكفاءات الوطنية من قوى عاملة تقليدية إلى خبراء دوليين في تكنولوجيا البحار، مما يسد فجوة المهارات التقنية التي ظهرت في السنوات الأخيرة نتيجة الظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد.

تحويل الواجهة البحرية إلى ترسانة إقليمية

إن الطموح الاستراتيجي الكامن خلف هذه الاتفاقية يتجاوز مجرد تطوير البنية التحتية، يؤسس لتحول نوعي يجعل المرافئ الوطنية محطة محورية في سلاسل التوريد والخدمات الدولية. فمع اكتمال إنشاء الحوض البحري وتجهيزه بأحدث الأرصفة والمعدات التشغيلية والمستودعات الفنية، ستغدو البلاد قادرة على تلبية احتياجات الأسواق الإقليمية التي تفتقر إلى منشآت متكاملة بهذا المستوى.
إن تحويل الواجهة الساحلية إلى ترسانة بحرية إقليمية كبرى تخدم حوض البحر المتوسط بأكمله من شأنه أن يعيد رسم الخارطة الاقتصادية للمنطقة، ويعزز موقع الاقتصاد الوطني كلاعب فاعل وقادر على الابتكار والنهوض مجددا ويستند هذا التحول إلى مزيج متوازن من الموقع الجيوسياسي الفريد، وتراكم الخبرات التاريخية، وتوطين التقنيات العصرية، بما يجعل هذا المشروع ركيزة أساسية لبناء مستقبل اقتصادي متين، مستقل، وقادر على المنافسة بثقة في الأسواق الدولية.

لوريس عمران
لوريس عمرانhttps://syriamorse.com/author/ioreesomran/
تتمتع بخبرة تمتد لأكثر من عشرين عاما في التحرير الصحفي، إعداد التقارير، وتغطية الأحداث الاقتصادية والاجتماعية في الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية. تميزت لوريس بقدرتها على كتابة المحتوى بدقة وتحليله بأسلوب مهني، إلى جانب مساهمتها في تطوير غرف التحرير لضمان جودة الأخبار والمقالات المنشورة. حاصلة على إجازة في التجارة والاقتصاد من جامعة تشرين، وبدأت مسيرتها المهنية في جريدة الثورة السورية عام 1996 حيث عملت محررة صحفية، ثم انتقلت إلى جريدة الحرية السورية عام 2017. كما عملت مراسلة لمجلات المجتمع الاقتصادي والمزمنة، وكتبت تقارير اقتصادية وتحليلية لموقع سينسيريا. خلال مسيرتها، أجرت مقابلات مع خبراء في الاقتصاد وغطت مجموعة واسعة من الأحداث المحلية والسياسية والاجتماعية، مع الحرص على تقديم مواد دقيقة وموضوعية. انضمت لوريس اليوم إلى شبكة سيريا مورس لتمثل صوت محافظة اللاذقية وتسهم بخبرتها ورؤيتها المهنية في إثراء التغطية الصحفية وتقديم محتوى إعلامي موثوق ومتميز.
مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

مقالات أخرى للكاتب