سوريا بين القانون والثقة – بينما تتجه الأنظار إلى التحولات الاقتصادية بعد عودة سوريا إلى شبكة “سويفت”، يبرز في الخلفية تحول لا يقل أهمية: إعادة بناء الإطار القانوني والدستوري للدولة
ففي آذار/مارس 2025، تم توقيع الإعلان الدستوري الجديد، ليكون بمثابة خارطة طريق نحو دولة مؤسسات حديثة، ترتكز على الحقوق والواجبات، والرقابة والمساءلة
هذه العملية لا تنفصل عن المسار الاقتصادي، بل تمثل الوجه الآخر للإصلاح فلا يمكن للاقتصاد أن ينهض في غياب الثقة، ولا يمكن للمجتمع الدولي أن يتعامل مع سوريا كمحاور جاد دون وجود منظومة قانونية واضحة وشفافة
استقلالية المؤسسات وشفافية الإدارة
يعد البنك المركزي السوري اليوم نموذجا للتغيير، إذ يعمل وفق أسس مهنية بعيدة عن التوجيهات السياسية التي طبعت المرحلة السابقة أعيد تعريف دوره ليصبح حارس الاستقرار المالي، لا ممولا للحرب أو طرفا في النزاعات
في الوقت نفسه، أطلقت الحكومة برامج لمكافحة الفساد وتعزيز الشفافية داخل مؤسسات الدولة، وهي خطوة ضرورية لترميم الثقة المفقودة بين المواطن والدولة
حقوق الأفراد… الركيزة الأولى في الدستور الجديد
الإعلان الدستوري وضع أسسا جديدة لمفهوم المواطنة فهو يكفل المساواة بين جميع السوريين في الحقوق والواجبات دون تمييز على أساس الجنس أو الأصل أو الدين كما يضمن حرية الرأي والتعبير والصحافة والنشر، ويقر بحق تكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات المدنية، في إطار سلمي يضمن التعددية ويمنع الاحتكار السياسي
الواجبات والقيود… توازن السلطة والمسؤولية
لكن هذه الحريات لا تأتي دون ضوابط
فالدستور يحظر إنشاء أي تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية خارج إطار الجيش الوطني، كما يمنع على عناصر الجيش والشرطة والقضاة الانضمام إلى الأحزاب السياسية، حفاظاً على الحياد واستقلال المؤسسات هذا التوازن بين الحرية والانضباط هو ما يشكل الأساس لأي نظام قانوني مستقر
التحدي الأكبر… بناء الثقة
رغم أهمية الإصلاحات القانونية، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في التطبيق الأنظمة وحدها لا تخلق الثقة؛ بل السلوك اليومي للمؤسسات والمسؤولين الثقة لا تمنح بقرار، بل تكتسب عبر الممارسة ولهذا فإن نجاح المرحلة القادمة يتوقف على مدى التزام الدولة بمبدأ الشفافية والمساءلة، ومدى شعور المواطن بأن القانون خلق لحمايته لا للهيمنة عليه
نحو عقد اجتماعي جديد – سوريا بين القانون والثقة
إن ما يجري اليوم يمكن اعتباره ميلاد عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمجتمع عقد يقوم على قاعدة أن الاقتصاد يخدم المواطن، والقانون يحميه، والمساءلة تضمن عدالة النظام ومثلما تمثل عودة “سويفت” عودة سوريا إلى النظام المالي العالمي، فإن الإصلاح الدستوري يمثل عودتها إلى نظام القيم والشرعية
قد يكون الطريق طويلا، لكن هذه الخطوات تشكل بداية حقيقية نحو سوريا جديدة — دولة قانون ومؤسسات، لا دولة مزاج وأهواء


