loader image
سيريا مورس - صوت أمريكي بتردد سوري
الثلاثاء, فبراير 10, 2026
سيريا مورس - صوت أمريكي بتردد سوري
الرئيسيةاقتصادالجزيرة السورية.. السلة المثقوبة

الجزيرة السورية.. السلة المثقوبة

الجزيرة السورية من سلة الغذاء إلى فخ الريع هل تستعيد قاطرة الاقتصاد السوري توازنها؟

تجمع القراءات الاقتصادية على أن منطقة الجزيرة السورية (الحسكة، الرقة، دير الزور) ليست مجرد إقليم جغرافي، بل هي القلب النابض الذي يضخ الحياة في جسد الدولة السورية.
فمنذ عقود، كانت هذه المنطقة هي الضامن الحقيقي للسيادة الوطنية عبر ملفي الغذاء والطاقة.
إلا أن المشهد اليوم يعاني من تشوه هيكلي؛ حيث تحولت المنطقة من مركز للإنتاج المتكامل إلى بيئة تعتمد “الاقتصاد الريعي” القائم على استنزاف المواد الخام، في ظل غياب الاستقرار الذي يرهن مستقبل المنطقة ومستقبل سوريا ككل.

العصب الحيوي أرقام لا يمكن تجاوزها

تاريخيا، منحت الجغرافيا منطقة الجزيرة مزايا جعلتها الركيزة الأساسية للناتج المحلي الإجمالي:

السيادة الغذائية: تساهم المنطقة بنحو 60% إلى 70% من إنتاج القمح، وما يقارب 80% من إنتاج القطن (الذهب الأبيض). هذا الإنتاج كان كفيلا بمنح سوريا اكتفاء ذاتيا يقيها تقلبات الأسواق الدولية.

خزان الطاقة: تضم المنطقة كبرى حقول النفط والغاز (مثل حقل العمر والرميلان)، والتي كانت تشكل المصدر الرئيسي للقطع الأجنبي والمحرك الأساسي للصناعات الثقيلة ومحطات توليد الكهرباء.

الثروة الحيوانية والمائية: بوجود نهري الفرات ودجلة، تحتضن المنطقة أضخم قطاع لتربية المواشي، مما يوفر الأمن البروتيني للسوق المحلية بأسعار تنافسية.

معضلة الاقتصاد الريعي في بيئة غير مستقرة.

رغم هذه الثروات، تواجه الجزيرة اليوم تحديا اقتصاديا وجوديا. فبدلا من أن تكون مادة خاما لصناعات وطنية متطورة، تحولت الموارد إلى “ريع مباشر” يستهلك لسد الاحتياجات الآنية دون خلق قيمة مضافة.

إن الاعتماد الحالي على بيع النفط الخام بطرق بدائية، وتصريف المحاصيل الزراعية كسلع أولية دون تصنيع (مثل المطاحن، معامل السكر، ومعامل الغزل والنسيج)، أدى إلى:

نزيف القيمة المضافة: خروج الأرباح الحقيقية التي كان يمكن أن توفرها الصناعات التحويلية.
غياب التنمية المستدامة: استنزاف الموارد (الضخ الجائر للنفط والمياه) دون استثمار في بدائل طويلة الأمد.
عطالة القوى العاملة: تحول الشباب من العمل في قطاعات إنتاجية منظمة إلى مهن هامشية مرتبطة باقتصاد الظل والتهريب.

الاستقرار الجيوسياسي الشرط المسبق للتنمية

لا يمكن الحديث عن تنمية في الجزيرة بمعزل عن استقرار سياسي وأمني شامل. فعدم اليقين الحالي يجعل المنطقة “طاردة للاستثمارات الرأسمالية”. لا يمكن لبناء مصفاة نفط حديثة أو صوامع غلال متطورة أن يتحقق في ظل مشهد جيوسياسي متمزق.
إن غياب التنسيق بين “المركز الصناعي” (في حلب ودمشق) و”الخزان المادي” (في الجزيرة) أدى إلى خسارة مركبة:

أولا للجزيرة: التي فقدت سوقها الطبيعي وخبرات التصنيع، لتبقى رهينة اقتصاد المواد الخام الهش.
ثانيا للاقتصاد السوري ككل الذي يضطر لاستنزاف احتياطاته من العملة الصعبة لاستيراد مواد (قمح ونفط) هي في الأصل متوفرة بكثرة داخل حدوده.

الرؤية المستقبلية: من الاستنزاف إلى الإنتاج
إن تعافي الاقتصاد السوري يمر حتماً عبر بوابة الجزيرة، ولكن ليس كمنجم للمواد الخام فحسب، بل كمنطقة صناعية-زراعية متكاملة. يتطلب ذلك:

* توطين الصناعة: الانتقال من تصدير القطن والقمح إلى تصدير المنسوجات والدقيق والزيوت.

* إعادة الإعمار الهيكلي: ترميم شبكات الري ومنشآت الطاقة وفق معايير الاستدامة.

* الحل السياسي كرافعة اقتصادية: إنهاء حالة التفتت لضمان عودة الدورة الاقتصادية الوطنية للعمل ككتلة واحدة.

خاتمة:

ستبقى منطقة الجزيرة هي “الرهان الرابح” لأي نهضة اقتصادية سورية قادمة. لكن هذا الرهان يعتمد على الانتقال من عقلية “الريع” إلى عقلية “الإنتاج”، ومن واقع “النزاع” إلى رحاب “الاستقرار”، لتعود الجزيرة سلةً لخبز السوريين ومحركاً لمصانعهم، لا مجرد موردٍ للمواد الأولية في أسواق التبادل غير العادلة

المستشار الإقتصادي شادي أحمد
المستشار الإقتصادي شادي أحمدhttps://syriamorse.com/author/shd-alahmad/
الدكتور شادي أحمد مستشار اقتصادي – شبكة سيريا مورس الإخبارية يتمتع الدكتور شادي أحمد بخبرة تتجاوز عشرين عاما في البحث الاقتصادي، وتحليل السياسات، والاستشارات الاستثمارية، في سوريا ولبنان ومنطقة الشرق الأوسط. حاصل على شهادة الدكتوراه في التنمية من الأكاديمية العربية للعلوم والتنمية، وقدم استشارات لعدد من المؤسسات الحكومية، من بينها وزارة الاقتصاد السورية، وتعاون مع منظمات دولية مثل UNDP والإسكوا والاتحاد الأوروبي. ساهم في إنتاج أكثر من 60 حلقة اقتصادية تلفزيونية وله حضور إعلامي واسع يتجاوز 1700 مساهمة على القنوات الفضائية. كما أسس وأدار مؤسسات بحثية وخدمية، وقاد مبادرات في مجالات مثل التكيف الاقتصادي وسوق العمل وإعادة التأهيل الصناعي. من خلال خلفيته الأكاديمية وخبراته الاستشارية، يساهم الدكتور شادي أحمد في دعم جهود شبكة سيريا مورس لتقديم محتوى اقتصادي استشاري موضوعي يعكس واقع الإقتصاد السوري على المستوى المحلي والدولي، ويضعه في سياقه الأوسع.
مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

مقالات أخرى للكاتب