تعد ظاهرة الإقبال المتزايد على الملابس الأوروبية المستعملة، المعروفة بـ “البالة من أكثر التحولات الاقتصادية والاجتماعية بروزا في المشهد الاستهلاكي المعاصر بمدينة اللاذقية. فبعد أن كانت هذه التجارة مرتبطة تاريخيا بـ الشرائح المجتمعية الأكثر احتياجا تحولت اليوم إلى سوق عالمي يفرض نفسه كبديل استراتيجي ومنافس شرس للملابس الجاهزة، مدفوعا بجملة من المتغيرات المعقدة التي تشمل الأزمات المالية المتلاحقة، وتغير الذوق العام، والبحث الحثيث عن الجودة، وفي مقدمة كل ذلك تقف “الفجوة السعرية الهائلة” التي لم يعد المواطن قادرا على تجاهلها.
سيكولوجية المستهلك: فلسفة “القيمة مقابل السعر”
يعكس سلوك المواطنين تجاه ملابس البالة تحولا جذريا في العقلية الشرائية، حيث لم يعد السعر المنخفض هو المحرك الوحيد لقرار الشراء، بل “القيمة النفعية المرتفعة”. يرى المستهلك اليوم أن الملابس الأوروبية، حتى وإن كانت مستعملة، تمثل استثمارا حقيقيا طويل الأمد، خاصة عند المقارنة الرقمية المباشرة مع المنتج المحلي الذي يعاني أحيانا من تراجع في جودة الأقمشة نتيجة الضغوط الإنتاجية وتكاليف المواد الأولية.
وفي جولة ميدانية لرصد آراء المتسوقين، يبرز التفاوت الصارخ في الأسعار كعامل حسم أساسي. يقول أحد المواطنين لـ “سيريا مورس” وهو يتفحص جاكيت شتوي : لقد أصبح شراء جاكيت جديد من المحلات الجاهزة ضربا من الخيال، إذ تتراوح الأسعار هناك بين 600 إلى 900 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ قد يعادل راتب شهر كامل لـ الفئات الكادحة”.
ويضيف في المقابل، أجد هنا في سوق البالة أفخر الماركات العالمية بسعر لا يتجاوز 300 ألف ليرة، ما يعني أنني أشتري جودة عالمية بثلث سعر السوق المحلي.
ولا يقتصر الأمر على القطع الثقيلة، بل يمتد ليشمل الألبسة اليومية. تشير إحدى السيدات إلى أن “المنطق الاقتصادي يفرض نفسه بقوة ،فبينما يبلغ سعر الكنزة العادية في محلات الملابس الجاهزة نحو 300 ألف ليرة كحد أدنى، يمكنني اقتنائها من ماركة عالمية وخامة صوفية ممتازة من البالة بسعر 75 ألفا فقط، هذا الفارق، الذي يصل إلى أربعة أضعاف، يجعل من التسوق في المحلات الجاهزة قرارا صعبا لـ الأسر التي تسعى لتأمين أساسيات الحياة وموازنة ميزانيتها المحدودة.
كسر الاحتكار وإزالة الحواجز الاجتماعية
من جانبهم، يرى تجار الملابس الأوروبية أنهم يقودون قطاعا حيويا يسد فجوة كبيرة في السوق. حيث يوضح هؤلاء أن عملية استيراد هذه الملابس تمر بمراحل فرز دقيقة، وصولا إلى تصنيف “الكريم” (Cream) وهي القطع الجديدة كليا، وصولا إلى الدرجات التي تناسب أصحاب الدخل المحدود.
ويشير تجار ” البالة ” إلى التحول الاجتماعي الافت ، إذ أصبحت بضائعهم مقصدا لنخب اجتماعية متنوعة، تشمل المثقفين وطلاب الجامعات. هذا الإقبال ساهم في إزالة الحواجز الاجتماعية التي كانت تلاحق مرتادي هذه الأسواق سابقا.
ويؤكد أصحاب هذا القطاع أنهم يوفرون آلاف فرص العمل، ويؤمنون احتياجات المجتمع بأسعار معقولة، حيث يقول أحد التجار: “نحن نبيع الجودة بسعر التكلفة تقريبا، بينما تضطر المحلات الجاهزة لرفع أسعارها لتغطية هوامش ربح ومصاريف تشغيلية باهظة من إيجارات وضرائب”.
تحديات الإنتاج المحلي: صرخة استغاثة
على الطرف النقيض، ينظر أصحاب المصانع ومحلات الملابس الجاهزة ببالغ القلق إلى هذا التمدد. فهم يرون أن الملابس الأوروبية المستعملة تشكل منافسة غير متكافئة تسببت في ركود حاد لديهم. تكمن المشكلة في أن المنتج المحلي يخضع لسلسلة طويلة من التكاليف المنهكة،من ارتفاع أسعار المواد الخام، وتكاليف الطاقة (المازوت والكهرباء)، وصولا إلى الرسوم المالية المتعددة.
ويعتبر المنتجون أن استمرار تدفق البالة بهذه الأسعار الزهيدة ينسف قدرة المصانع الوطنية على الصمود، فتكلفة إنتاج القطعة الواحدة محليا قد تتجاوز سعر بيع القطعة الأوروبية بمراحل. ويطالب هؤلاء بضرورة وضع ضوابط قانونية وجمركية أكثر صرامة لحماية الهوية الصناعية الوطنية، مؤكدين أن الاعتماد الكلي على المستعمل قد يؤدي في النهاية إلى فقدان الحرفية المحلية والاعتماد الكامل على الأسواق الخارجية.
الرؤية الاقتصادية: أزمة قدرة شرائية
عند تحليل هذه الظاهرة اقتصاديا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور بديع اسمندر أن اتجاه المواطنين نحو البالة هو نتيجة حتمية لخلل في ميزان الدخل والأسعار. فالدخل الحقيقي لم يعد يواكب التضخم، مما دفع المستهلكين للبحث عن “السلع البديلة” ذات العمر الافتراضي الأطول.
ويشير الدكتور اسمندر إلى أن الملابس الأوروبية المستعملة باتت تصنف كـ “سلعة متفوقة” لدى المستهلك، لأنها تجمع بين الجودة والسعر المنافس، لافتا إلى أن هذه التجارة تتماشى مع مفهوم “اقتصاد الاستدامة” عبر تقليل الهدر البيئي. ومع ذلك، يحذر الخبير الاقتصادي من أن الفارق السعري الهائل يعكس أزمة حادة في القدرة الشرائية للمواطن. مؤكدا أن الحل لا يكمن في تقييد “البالة”، بل في دعم تكاليف الإنتاج المحلي لتمكين المصانع الوطنية من المنافسة النوعية والسعرية.
حماية الصناعة الوطنية من الانهيار
إن المشهد الحالي يفرض ضرورة التوازن بين حق المستهلك في الوصول إلى سلع جيدة بأسعار تنافسية، وبين حماية الصناعة الوطنية من الانهيار. يبقى خيار المواطن هو الحكم النهائي ، فما دام هناك فارق يصل إلى 400% لصالح الملابس الأوروبية، سيبقى الاتجاه نحو البالة في تصاعد مستمر. إن إنقاذ الموقف يتطلب إصلاحا شاملا للقطاع الصناعي، وخفض التكاليف التشغيلية، ليكون المنتج المحلي قادرا على الصمود في سوق لا تعترف إلا بالجودة والقيمة مقابل السعر.


