لم تكن زخات المطر التي انهمرت على المرتفعات الساحلية السورية هذا العام مجرد أرقام في سجلات الأرصاد الجوية، بل كانت بمثابة “قبلة الحياة” لقطاع زراعي عانى طويلا. فبعد عام 2025 الذي اتسم بتذبذب الهطولات وقلق المزارعين، تعيش سدود محافظة اللاذقية اليوم مشهدا مغايرا ، هدير المياه في المفيضات عاد لتطرب الآذان، ومخازين السدود الرئيسية والفرعية سجلت قفزات نوعية وضعت المحافظة على أعتاب موسم زراعي واعد.
لغة الأرقام: قفزة “مليارية” في التخزين
تؤكد البيانات الصادرة عن مديرية الموارد المائية في اللاذقية أن إجمالي حجم التخزين في سدود المحافظة الـ14 قد تجاوز حاجز الـ 80% من الطاقة الاستيعابية الكلية مع مطلع شباط 2026. في مقدمة هذه السدود، يبرز سد 16 تشرين (أكبر سدود المحافظة) الذي سجل منسوبا يقترب من 185 مليون متر مكعب، مقارنة بنحو 150 مليون متر مكعب في ذات الفترة من العام الماضي. أما سد الثورة، فقد استعاد توازنه بتخزين تجاوز الـ 70 مليون متر مكعب، في حين أعلنت سدود صغيرة كـسد الحفة وسد القنجرة وصولها إلى عتبة الفيضان(100%) مما استدعى فتح المفيضات لتصريف المياه الزائدة بشكل فني مدروس.
نبض الأرض: ماذا يقول مزارعو اللاذقية؟
على ضفاف سد “16 تشرين” التقينا أبو محمد وهو مزارع حمضيات، الذي استبشر خيرا بالمناسيب الحالية، يقول وعيناه ترقبان امتداد المياه: السنة الماضية، كنا نراقب انحسار المياه عن ضفاف السد بخوف، حيث اضطررنا لتقليل عدد مرات الري مما أثر على حجم الثمرة ويبست بعض الأشجار، مضيفا أن المياه اليوم، وصلت لخطوط الأمان، وهذا يعني أننا سنزرع الخضروات الصيفية بقلب قوي، ولن نخشى جفاف الآبار أو انقطاع مياه الري الحكومية في ذروة الصيف.
وفي ريف منطقة الحفة أشار المزارع أبو جابر لموقع سيريا “مورس “عن أثر سد برادون والينابيع المغذية، إذ أكد أنهم كانوا في مثل هذا الوقت من العام الماضي يناقشون كيفية تأمين صهاريج المياه لإنقاذ مشاتل التبغ والخضار، لافتاً إلى أن اليوم، السدود الصغيرة ممتلئة تماما والينابيع الجبلية تفجرت بقوة. مبينا أن هذا المنسوب يعيد لهم الأمل بأن التكاليف ستنخفض، لأن الاعتماد على الضخ والمحروقات سيقل بفضل توفر مياه الري الحكومية.
أما المزارع شادي المتخصص في البيوت البلاستيكية بمنطقة جبلة، أضاف من زاوية أخرى أن الوفرة المائية هذا العام ليست فقط في السدود، بل في رطوبة التربة العميقة. مضيفا أن العام الماضي كان الشتاء جافا والتربة عطشى، أما الآن فالمخزون المائي في سد صلاح الدين و الحويز يعطيهم طمأنينة بأن دورات الري ستكون منتظمة ولن تضطر الجهات المعنية لتقنين المياه عنهم في شهر تموز كما حدث في الموسم السابق.
التغير المناخي والتدبير المائي
بناء على هذه المعطيات الميدانية، يوضح الخبير الدكتور أزدشير العلي خبير في إدارة الموارد المائية أن التميز هذا العام ليس فقط في “كمية” الأمطار، بل في توزيعها الزماني.
مبينا أنه في عام 2025، شهدنا هطولات غزيرة لكنها كانت متأخرة وقصيرة المدى، مما أدى لضياع كميات كبيرة كسيول جارفة نحو البحر دون استفادة السدود منها بشكل كامل. مؤكدا أن في موسم 2026، كانت المنخفضات المطرية أكثر تتابعا وبرودة، مما سمح بتشكل غطاء ثلجي على قمم الجبال الساحلية. هذا الغطاء يضمن استمرار تغذية السدود عبر الينابيع حتى وقت متأخر من فصل الصيف، لافتا إلى أن هذا ما جعل سد برادون تحديدا يلعب دور المايسترو في تنظيم تدفقات النهر الكبير الشمالي ورفع كفاءة سد 16 تشرين.
سد برادون: “الصمام” الذي غير المعادلة
وأشار الخبير العلي إلى أنه لا يمكن الحديث عن مياه اللاذقية هذا العام دون التوقف عند سد برادون. هذا المشروع الاستراتيجي بدأ يؤتي أكله فعليا ، مبينا أنه بخلاف العام الماضي الذي كان فيه التخزين في مراحله التجريبية الأولى، يعمل السد اليوم كمنظم رئيسي للتدفقات.
وأكد انه وبحسب المصادر الفنية، فإن “برادون” لا يحجز المياه فقط، بل يمنع الهدر المائي ويؤمن تدفقا مستداما يغذي السدود الأخرى عند الحاجة، مما جعله “صمام أمان” حقيقي للمحافظة.
وفرة تستوجب الرشد
إن محافظة اللاذقية تخرج من عنق الزجاجة المائي الذي هدد أمنها الغذائي العام الماضي. ومع ذلك يبقى التحدي الأكبر هو كيفية إدارة هذه الوفرة، فالأرقام المبشرة في السدود ليست شيكا على بياض للإسراف، بل هي فرصة ذهبية لترميم المخزون الجوفي وتطوير شبكات الري. أيضا إن عام 2026 هو عام “الاستقرار المائي” بامتياز، ومهمة الجهات المعنية الآن هي تحويل هذه المليارات من الأمتار المكعبة إلى نهضة زراعية ملموسة يشعر بها المواطن في جودة محصوله ووفرة رزقه، عبر تفعيل برامج الإرشاد الزراعي المكثف، ودعم الفلاحين بالتقنيات الحديثة التي تضمن استدامة الموارد. حيث أن الحفاظ على هذا الإرث المائي يتطلب تضافر الجهود بين المؤسسات والمزارعين، لضمان استثمار كل قطرة مطر في تأمين مستقبل الأجيال القادمة وتحقيق الاكتفاء الذاتي المنشود.


