الاقتصاد والإشاعة (Rumor)
في أحد أشهر مشاهد دريد لحام، يظهر “غوار الطوشة” وهو يختلق إشاعة بسيطة: “السكر رح يختفي من السوق!” لم يكن يقصد بها سوى المزاح، لكن الكلمة تطايرت بين الناس كشرارة في حقل قش. سرعان ما امتلأت الدكاكين بالمواطنين المذعورين، يشترون السكر بأضعاف حاجتهم. وما أن رأى غوار هذا التهافت حتى صدق كذبته هو أيضاً، فحمل كيسه وانضم إلى الطوابير الطويلة. المشهد ساخر، لكنه في جوهره يختصر آلية عمل واحدة من أخطر أدوات التخريب الاقتصادي في العالم الحديث الإشاعة
الإشاعة والاقتصاد: بين الثقة والهوس الجماعي
الإشاعة ليست مجرد “كلمة عابرة”؛ إنها سلوك جماعي يخلق واقعا اقتصادياً مزيفاً، ثم يتحول هذا الواقع إلى أزمة حقيقية. فالاقتصاد يقوم على الثقة، وهذه الثقة هشة، إذ يمكن لجملة غير دقيقة في وسائل التواصل الاجتماعي أن تزلزل سوق الصرف أو توقف استثماراً بملايين الدولارات
في الأسواق المحلية، يتكرر المشهد ذاته: إشاعة عن نقص مادة ما، فيبدأ التجار بتخزينها، فيخلقون العجز الذي لم يكن موجوداً، وحين ترتفع الأسعار، تتأكد لدى الناس “صحة” الإشاعة، فيتكرر السلوك الجمعي ذاته (Panic Buying Dynamics) بوتيرة أعنف. هذا ما يسميه الاقتصاديون ديناميكية الهلع الاستهلاكي
وهي ظاهرة معروفة في علم الاقتصاد السلوكي، تُظهر كيف يمكن للانفعال الاجتماعي أن يطيح بالتوازن بين العرض والطلب دون أي سبب موضوعي
أما على مستوى الاستثمار الخارجي، فالإشاعة تعمل كالعدوى، المستثمر الأجنبي يتخذ قراراته بناء على مؤشرات الثقة والاستقرار، لا على الحقائق الكاملة فقط. فإذا تكررت إشاعات عن انهيار العملة أو تغيير السياسات الاقتصادية، يصبح التردد سيد الموقف، وتتوقف مشاريع قبل أن تبدأ. فرأس المال –كما يقال– جبان، والإشاعة تُخيفه أكثر مما تخيفه الضرائب أو القوانين
وتغيير العملة ( Official Ambiguity) الغموض الرسمي
في الحالة السورية، لا يمكن القول إن استبدال العملة كان مجرد إشاعة، العملية حقيقية لكن الغموض الرسمي كان الوقود الذي غذى الشائعات. لم تصدر الجهات الحكومية أو المصرف المركزي بيانات شاملة تشرح الأسباب و الآليات، والجدول الزمني لكل عملية تغيير. التصريحات كانت تأتي مجزأة، مرة من مسؤول حكومي، وأخرى من مصدر في المصرف المركزي، وثالثة عبر وسائل إعلام غير رسمية. هذا الفراغ المعلوماتي الرسمي خلق حالة من القلق والهلع بين الناس، وفتح الباب واسعا أمام التفسيرات والشائعات الاقتصادية
تأثير ذلك على سعر الصرف كان فورياً. كلما سرت أخبار عن احتمال تغيير فئة من العملة أو سحبها، يتسابق الناس لتحويل مدخراتهم إلى الدولار أو الذهب خوفا من فقدان قيمتها. هنا، لا تحدث الأزمة بفعل نقص حقيقي في النقد الأجنبي، بل بفعل الخوف نفسه، الذي يصنع الواقع الاقتصادي
أما على مستوى استقرار الأسواق(Market Stability) فإن الغموض الاقتصادي والإشاعات يضربان قلب دورة الثقة. التجار يترددون في البيع والشراء، والمستهلكون يشترون فوق حاجتهم تحسبا ًلأي طارئ، فتتعطل حركة العرض والطلب الطبيعية. ومع الوقت، يتحول السوق إلى كيان عصبي غير مستقر، تُحدد الأسعار فيه بالشائعات لا بالتكاليف، وبالانطباعات لا بالوقائع
وعندما ننظر إلى الاستثمار الخارجي، يتضح أن أي مستثمر لا يمكنه وضع أمواله في بيئة يختلط فيها الخبر بالشائعة، وتغيب فيها الشفافية عن السياسة النقدية. المستثمر يحتاج إلى وضوح في القوانين، استقرار في العملة، ورؤية يمكن التنبؤ بها. في سوريا اليوم، تسود حالة من الترقب الحذر، إذ يصعب بناء ثقة في بيئة تتبدل فيها التوقعات بين إشاعة اليوم وتصريح الغد
الخلاصة: الإشاعة ليست السبب…بل الفراغ المعلوماتي الرسمي
ليست الإشاعة هي المشكلة في حد ذاتها، بل الفراغ المعلوماتي الرسمي الذي يسمح لها بالنمو. فالاقتصاد السوري يدفع ثمن هذا الفراغ مرتين: مرة في اضطراب سعر الصرف، ومرة في هروب الاستثمار. لا يمكن بناء اقتصاد منتج ومستقر في ظل مناخ يفتقر للوضوح، فالسوق لا يعيش على الأخبار، بل على اليقين
المشهد الذي بدأ بمزحة غوار الطوشة لا يزال صالحاً بعد نصف قرن: كل إشاعة تبدأ بمزحة وتنتهي بخسارة. كلما ازداد الوضوح والشفافية، تقل المخاطر، وتستقر الأسواق، ويعود المستثمرون للثقة بالاقتصاد المحلي


