لسنوات طويلة، حلم السوري بأن يتكلم دون خوف.
أن ينتقد مسؤولاً دون أن يلتفت خلفه، وأن يقول إن قراراً ما خاطئ دون أن يدفع ثمن رأيه، وأن يسأل ويعترض ويناقش من دون أن تتحول كلماته إلى تهمة.
واليوم، بعد كل هذا الثمن، علينا أن نسأل أنفسنا سؤالاً قد لا يعجب الجميع:
هل تعلمنا فعلاً كيف نكون أحراراً؟
الحرية ليست أن أرفض من كان يُسكتني، ثم أمارس الشيء نفسه مع الآخرين.
وليست أن أرفض التخوين عندما يطالني، ثم أستخدمه ضد كل من يخالفني.
وليست أن أطالب بإعلام حر، ثم أغضب عندما ينشر صحفي رأياً أو حقيقة لا أريد سماعها.
بعد عقود من الخوف، من الطبيعي أن يخرج الكلام دفعة واحدة، فهناك غضب وعتب وذكريات وحسابات قديمة وآراء متناقضة. وهذا كله مفهوم. لكن المشكلة تبدأ عندما نعتقد أن حقنا في الكلام يعطينا الحق في إهانة الآخرين أو تخوينهم أو إصدار الأحكام عليهم.
الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، والحرية ليست مجرد منشور على مواقع التواصل.
الحرية أن أقبل بأن جاري قد يرى سوريا بطريقة مختلفة عني، ويبقى شريكي فيها.
أن أنتقد المسؤول لأن هذا حقي كمواطن، لا لأنني عدو.
وأن يفهم المسؤول أن من يصفق له ومن ينتقده لهما الحق نفسه في هذا البلد.
ما أخشاه على سوريا هو أن نعيد إنتاج العقلية القديمة بأسماء ووجوه جديدة.
أن يتغير الأشخاص، وتبقى الفكرة نفسها:
إما أن تكون معي بالكامل، أو تصبح ضدي.
إذا وصلنا إلى هنا، نكون قد غيّرنا الوجوه فقط، ولم نغيّر الكثير في طريقة تفكيرنا.
سوريا الجديدة، إن أردناها جديدة فعلاً، لن يصنعها الأكثر صراخاً. سيصنعها من يقبل الآخر، ويحاسب من يحب قبل من يكره، ويدافع عن حق خصمه في الكلام كما يدافع عن حقه.
لقد عرف السوريون لسنوات طويلة ماذا يعني أن يخاف الإنسان من كلمته.
فلا تجعلوا السوري يخاف منها مرة أخرى.
هذه المرة، ليس خوفاً من السلطة… بل خوفاً من بعضنا.