سؤال يبدو بسيطاً، لكنه يحمل في داخله ظلماً كبيراً للطرفين.
فمن بقي في سوريا لم يكن بالضرورة أكثر وطنية ممن غادر، ومن غادر لم يكن بالضرورة أقل انتماءً ممن بقي.
في بلد عاش سنوات طويلة من الحرب والخوف والفقر والاعتقال والنزوح، لم تكن خيارات الناس متشابهة حتى نحاكم نتائجها بالمقياس نفسه.
هناك من بقي لأنه اختار البقاء، وهناك من بقي لأنه لم يستطع المغادرة.
وهناك من غادر بحثاً عن الأمان، ومن غادر خوفاً على أولاده، ومن طارده الخوف من المعتقلات، ومن أخذته ظروف العمل أو الدراسة. وهناك من خرج وهو يعتقد أنه سيعود بعد أشهر، فاكتشف بعد سنوات أن حقيبة السفر الصغيرة تحولت إلى حياة كاملة في بلد آخر.
لهذا، ربما يكون من أكثر الأسئلة قسوة أن نسأل السوري اليوم: أين كنت طوال السنوات الماضية؟
لأن السؤال الأهم ليس أين كنت، بل ماذا تستطيع أن تفعل الآن؟
السوري الذي بقي في الداخل يحمل معرفة مباشرة يصعب على من كان خارج البلاد امتلاكها بالدرجة نفسها. هو الذي عاش تفاصيل الحياة اليومية، وتحمّل انهيار الخدمات والاقتصاد وتبدّل الظروف، ويعرف المجتمع من داخله لا من خلال الأخبار والشاشات.
لكن السوري في الخارج يحمل هو الآخر تجربة لا ينبغي التقليل منها.
خلال سنوات الاغتراب، راكم كثير من السوريين في الخارج خبرات كأطباء وأكاديميين وإعلاميين ورجال أعمال ومهندسين وباحثين، وعاشوا داخل مؤسسات ودول مختلفة، وتعلموا كيف تعمل أنظمة أخرى، وبنوا علاقات وشبكات ومعرفة قد تحتاج إليها سوريا أكثر من أي وقت مضى.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الألم إلى مسابقة.
حين يقول من بقي: نحن من دفع الثمن الحقيقي.
ويرد من غادر: ونحن خسرنا بيوتنا وأهلنا وأعماراً كاملة بعيداً عن بلادنا.
والحقيقة أن السوريين دفعوا أثماناً مختلفة، ولا توجد آلة تستطيع قياس أيها كان أثقل.
“الغربة ليست فندقاً طويل الإقامة، كما أن البقاء داخل الوطن ليس شهادة وطنية تُمنح تلقائياً.”
هناك من عاش خارج سوريا وظل يحملها معه كل يوم، وهناك من بقي داخل حدودها لكنه لم يفعل شيئاً من أجلها. والعكس صحيح أيضاً.
الوطنية لا تُقاس بعنوان السكن.
والسؤال اليوم يجب ألا يكون: من يستحق سوريا أكثر؟
بل: كيف نستفيد من كل السوريين؟
كيف نجمع خبرات السوريين في الداخل والخارج؟ وكيف نفتح المجال لمن يريد العودة من دون أن نطالبه بالاعتذار عن رحيله؟ وكيف نحترم من اختار البقاء من دون أن نحوله إلى معيار نحاكم به الآخرين؟
وسوريا التي خسرت ملايين من أبنائها خلال السنوات الماضية لا تملك رفاهية خسارتهم مرة ثانية، وهذه المرة بسبب التصنيفات والمزايدات.
إعادة بناء بلد لا تحتاج فقط إلى إسمنت وطرقات ومبانٍ جديدة.
تحتاج إلى إعادة بناء العلاقة بين السوري والسوري.
إلى أن نتوقف عن تقسيم بعضنا إلى: من بقي ومن غادر، من في الداخل ومن في الخارج، من تحمّل أكثر ومن خسر أكثر.
فالبلاد التي نريد بناءها لن تتسع إذا بدأناها بسؤال: من منكم أحق بها؟
“الوطن ليس جائزة لمن بقي فيه، وليس تهمة يحملها من اضطر إلى مغادرته.”
الوطن ببساطة حق لمن ينتمي إليه، ومسؤولية على كل من يريد أن يكون شريكاً في مستقبله.
وربما تكون المصالحة الأولى التي يحتاجها السوريون اليوم، قبل كثير من المصالحات الكبرى، هي أن يتوقفوا عن محاكمة بعضهم على الطرق المختلفة التي اختاروها للنجاة.