والأهم أن هذا التحول لم يعد مجرد رسائل سياسية أو لقاءات دبلوماسية، بل بدأ يأخذ شكلاً اقتصادياً ومؤسسياً واضحاً، مع وصول أول بعثة تجارية لغرفة التجارة الأمريكية إلى دمشق، بمشاركة أكثر من 60 شركة أمريكية، إلى جانب مسؤولين من وزارة الخارجية ووزارة التجارة الأمريكية.
وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة ليس بسبب حجم الوفد فقط، وإنما بسبب طبيعة القطاعات التي يمثلها، والتي تشمل الطاقة، والإنشاءات والمعدات الثقيلة، والرعاية الصحية، والخدمات المالية، والتكنولوجيا والاتصالات، والنقل واللوجستيات، والزراعة وغيرها.
وبذلك تنتقل العلاقة من مرحلة اختبار النوايا السياسية إلى مرحلة اختبار فرص الشراكة الاقتصادية الفعلية.
من رفع العقوبات إلى فتح الأسواق
يمكن فهم التحول الحالي في العلاقات السورية–الأمريكية ضمن مسار سياسي وقانوني بدأ بإزالة عدد من القيود التي أعاقت التعامل الاقتصادي مع سوريا، ثم تطور باتجاه فتح المجال أمام الاستثمار والتجارة.
وكان اللقاء الذي أُعلن عنه بين الرئيس أحمد الشرع والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الرياض محطة لافتة في مسار إعادة رسم العلاقة، قبل أن تتوالى الخطوات الأمريكية المتعلقة بالعقوبات والانفتاح على الحكومة السورية الجديدة.
ومع الخطوات الأمريكية الأخيرة المتعلقة بالعقوبات وبمستوى الانفتاح الرسمي على الحكومة السورية الجديدة، دخلت العلاقة مرحلة مختلفة؛ إذ لم يعد السؤال الأساسي هو كيفية فرض القيود على الاقتصاد السوري، وإنما كيفية بناء إطار يسمح بعودة سوريا إلى النظام الاقتصادي والمالي الدولي.
وهنا تكتسب الزيارة التجارية الأمريكية دلالتها الحقيقية.
فالشركات، في العادة، لا تزور بلداً فقط للتعبير عن موقف سياسي، بل لتقييم السوق، وفهم البيئة القانونية، ودراسة المشاريع، والتعرف إلى الشركاء المحتملين، وقياس المخاطر والعوائد.
ولهذا فإن انتقال الوفد الأمريكي من اللقاءات العامة إلى اجتماعات متخصصة مع المصرف المركزي ووزارات الاقتصاد والصحة والاتصالات والطاقة وهيئة الاستثمار، يمثل خطوة عملية في اختبار إمكانية بناء شراكة اقتصادية طويلة الأمد.
ماكغي: المشاركة الاقتصادية عنوان المرحلة الجديدة
ربما تختصر تصريحات نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي جاكوب ماكغي خلال زيارته إلى دمشق جوهر المرحلة الجديدة، عندما تحدث عن وجود الوفد من أجل المشاركة مع السوريين في الفرص الاستثمارية ودعم مسار التعافي وإعادة الإعمار.
وتعكس هذه اللغة تحولاً واضحاً مقارنة بخطاب العقوبات والضغط الذي طبع العلاقة في مراحل سابقة.
فالمعادلة الجديدة لم تعد تقوم على تقديم سوريا باعتبارها مشكلة أمنية أو سياسية فقط، وإنما باعتبارها دولة تملك فرصاً اقتصادية يمكن الاستثمار فيها، وسوقاً تحتاج إلى التكنولوجيا والخبرة ورأس المال، وموقعاً جغرافياً يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في حركة التجارة الإقليمية.
وهذا التحول في النظرة الأمريكية يمثل بحد ذاته أحد أهم مؤشرات المرحلة الجديدة.
من الدبلوماسية إلى الشراكة المؤسسية
اللافت في زيارة الوفد الأمريكي أن التعاون لم يقتصر على وزارة واحدة أو ملف واحد.
فقد شهدت دمشق اجتماعات اقتصادية ومصرفية مع المصرف المركزي، ولقاءات مع وزارة الاقتصاد والصناعة، ووزارة المالية، ووزارة الطاقة، ووزارة الاتصالات وتقانة المعلومات، ووزارة الصحة، وهيئة الاستثمار، إضافة إلى وزارة الخارجية والمغتربين.
وهذا يعني أن الحوار الاقتصادي بدأ يأخذ طابعاً مؤسسياً شاملاً.
ففي القطاع المصرفي، ناقش الجانبان تطوير العلاقات الاقتصادية والمصرفية، وتهيئة بيئة نقدية ومصرفية أكثر قدرة على دعم الاستثمار والتجارة والاندماج في المنظومة المالية الدولية.
وفي قطاع الاتصالات، بحث وزير الاتصالات وتقانة المعلومات مع الوفد الأمريكي فرص الاستثمار في قطاع الاتصالات، وهو قطاع يمثل إحدى ركائز التحول الرقمي وإعادة بناء البنية التحتية الحديثة.
وفي القطاع الصحي، جرى بحث واقع المستشفيات والنقاط الطبية، بما يفتح الباب أمام التعاون في التجهيزات الطبية والخدمات الصحية والتكنولوجيا الطبية وإعادة تأهيل البنية الصحية.
أما في مجال الاستثمار، فقد ناقشت هيئة الاستثمار مع الوفد الأمريكي الحوافز والتسهيلات التي يوفرها قانون الاستثمار رقم 114 لعام 2025، إضافة إلى المشاريع ذات الأولوية والاستراتيجية والحوافز الممنوحة للمشاريع الزراعية.
وهذا التنوع يكشف أن الحديث لم يعد عن مشروع منفرد، بل عن إمكانية بناء شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية المشتركة.
الاقتصاد السوري يريد تغيير المعادلة
من أهم التصريحات التي صدرت خلال اللقاءات الاقتصادية ما طرحه وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار حول توجه الحكومة للانتقال من «اقتصاد التراخيص والموافقات» إلى اقتصاد يقوم على الإمكانات والمنافسة والقطاع الخاص.
وهنا تظهر إحدى أهم نقاط التحول في الرؤية الاقتصادية السورية.
فالحكومة لا تريد أن تكون الدولة هي المستثمر الرئيسي في كل القطاعات، وإنما تريد أن تركز على تنظيم السوق، ودعم المنافسة، وبناء المؤسسات، وتهيئة البيئة التي يستطيع القطاع الخاص المحلي والأجنبي العمل فيها.
والأكثر أهمية أن الرؤية المطروحة أمام الشركات الأمريكية لا تتعامل مع سوريا باعتبارها مجرد سوق لبيع المنتجات.
فالهدف، كما أوضح وزير الاقتصاد، هو جذب الشركات للانتقال من بيع منتجاتها في السوق السورية إلى الإنتاج والتوريد والتوزيع من سوريا وخدمة الأسواق الإقليمية انطلاقاً منها.
وهذه الفكرة يمكن أن تكون واحدة من أهم ركائز العلاقة الاقتصادية الجديدة.
فإذا تحولت سوريا من سوق استهلاكية إلى قاعدة إنتاج وتصدير، فإن الاستثمار الأجنبي لن يكون مجرد تدفق لرأس المال، بل سيصبح جزءاً من عملية بناء اقتصاد جديد يوفر فرص العمل، وينقل التكنولوجيا، ويطور الإنتاج، ويدعم الصادرات.
سوريا من «سوق لإعادة الإعمار» إلى «منصة إقليمية»
وهنا تبرز أهمية الموقع الجغرافي السوري.
سوريا تقع عند نقطة اتصال بين الخليج والعراق وتركيا وشرق المتوسط، وقريبة من الأسواق العربية والأوروبية.
وبالتالي فإن قيمة سوريا الاقتصادية لا تكمن فقط في حجم السوق المحلية، وإنما في قدرتها المحتملة على أن تكون منصة للإنتاج والتجارة والخدمات اللوجستية وإعادة التصدير.
وهذا ينسجم مع الرؤية التي طرحتها الحكومة السورية أمام الوفد الأمريكي: تحويل سوريا من مجرد «سوق لإعادة الإعمار» إلى «منصة إنتاجية واقتصادية» قادرة على الارتباط بالأسواق الإقليمية.
إذا نجحت هذه الرؤية، فإن الشركة التي تستثمر في سوريا لن تكون بالضرورة تستثمر من أجل السوق السورية وحدها، وإنما تستطيع استخدام سوريا كنقطة انطلاق إلى أسواق أوسع.
وهنا يصبح الموقع الجيوسياسي السوري قيمة اقتصادية فعلية، وليس مجرد ميزة جغرافية نظرية.
الزراعة.. من قطاع تقليدي إلى فرصة استثمارية
أحد الملفات اللافتة في النقاشات الاقتصادية السورية–الأمريكية كان القطاع الزراعي.
فوزير المالية محمد يسر برنية أكد أن الاستثمار في القطاع الزراعي سيكون معفى ضريبياً بشكل كامل، مشيراً إلى اتساع فرص الصناعات الغذائية المرتبطة بالزراعة وتوفر اليد العاملة.
وهذه السياسة يمكن أن تفتح المجال أمام نموذج جديد يقوم على ربط الزراعة بالصناعة.
فبدلاً من تصدير المنتجات الزراعية بصورتها الأولية، يمكن تطوير صناعات غذائية وتعليب وتخزين وتبريد وسلاسل توريد حديثة، بما يزيد القيمة المضافة ويخلق فرص عمل ويعزز القدرة التصديرية.
كما أن استعداد الدولة لتقديم الدعم للمزارعين، وتقديم الضمان السيادي في المشاريع التي يكون فيها شريك حكومي، يمكن أن يساعد في تخفيض جزء من المخاطر التي ينظر إليها المستثمر الأجنبي عند تقييم السوق السورية.
بناء الثقة.. من المخاطر إلى الضمانات
لكن جذب الاستثمار لا يعتمد على الإعفاءات وحدها.
المستثمر الدولي يبحث عن بيئة قانونية واضحة، ونظام مصرفي قادر على التعامل مع المدفوعات الدولية، وضمانات قانونية، وشفافية، وحوكمة، وآليات لحماية رأس المال.
ومن هنا تأتي أهمية ما طرحه وزير المالية بشأن السعي إلى تفعيل مؤسسة ضمان المخاطر متعددة الأطراف في سوريا، إلى جانب مؤسسات مماثلة، بهدف تخفيف مخاوف المستثمرين من مخاطر الاستثمار.
كما أن العمل على إصدار دليل إرشادي متعدد اللغات يوضح المنظومة الضريبية والالتزامات الضريبية يمثل خطوة مهمة في تبسيط البيئة الاستثمارية.
والأهم هو بدء النقاش حول اتفاقيات تجنب الازدواج الضريبي، وهي خطوة يمكن أن تكون ضرورية لتسهيل حركة رؤوس الأموال والاستثمارات الدولية.
هذه التفاصيل قد تبدو إجرائية، لكنها في الواقع تشكل أساساً حقيقياً لأي شراكة اقتصادية طويلة الأمد.
الثقة السياسية تدعم الثقة الاقتصادية
لا يمكن فصل الانفتاح الاقتصادي عن التحولات السياسية والدبلوماسية التي شهدتها سوريا.
فالتعاون مع المؤسسات الدولية في الملفات الحساسة، ومن بينها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والوكالة الدولية للطاقة الذرية، ساهم في تغيير صورة سوريا لدى المجتمع الدولي.
وفي الملف النووي تحديداً، أشاد وزير الطاقة الأمريكي كريستوفر رايت بالتعاون السوري والشفافية والإجراءات التي اتخذتها الحكومة الجديدة لمعالجة قضايا عدم الامتثال السابقة.
وتحمل هذه التصريحات أهمية تتجاوز الملف التقني، لأنها تعكس أن التعاون والشفافية أصبحا جزءاً من أدوات بناء الثقة بين سوريا والمؤسسات الدولية والدول الغربية.
وهذه الثقة السياسية والقانونية هي التي تسمح لاحقاً بانتقال العلاقة إلى الثقة الاقتصادية.
مكافحة الإرهاب.. مصلحة مشتركة
يظل الأمن أحد الملفات الأساسية في العلاقة السورية–الأمريكية.
فالولايات المتحدة تحتاج إلى شريك سوري قادر على ضبط الأراضي السورية ومنع عودة تنظيم داعش والجماعات المتطرفة، وتأمين السجون والمخيمات، ومنع استخدام الأراضي السورية لتهديد الأمن الإقليمي والدولي.
وفي المقابل، تحتاج سوريا إلى دعم دولي يساعدها على استعادة وحدة مؤسسات الدولة والسيطرة على أراضيها وإنهاء الملفات الأمنية العالقة.
ومن هنا يمكن أن تتحول مكافحة الإرهاب من شرط سياسي أمريكي إلى مساحة تعاون مشتركة.
كما أن ملف دمج القوى والمؤسسات العسكرية والأمنية خارج إطار الدولة ضمن مؤسسات الدولة السورية يمكن أن يشكل جزءاً من مسار أوسع لاستعادة وحدة القرار والسيادة السورية.
وهنا تتقاطع المصالح: واشنطن تريد سوريا مستقرة لا تشكل بيئة حاضنة للإرهاب، ودمشق تريد دولة موحدة تملك قرارها الأمني والعسكري على كامل أراضيها.
العلاقة الاقتصادية لا تعني التبعية السياسية
ومع كل هذا الانفتاح، فإن نجاح العلاقة السورية–الأمريكية يتطلب الحفاظ على قاعدة أساسية: الشراكة لا تعني التبعية.
سوريا تستطيع أن تنفتح على الولايات المتحدة دون أن تغلق أبوابها أمام تركيا أو الدول العربية أو أوروبا أو روسيا أو الصين أو الهند أو غيرها.
بل إن تنويع الشركاء قد يكون أحد عناصر القوة في السياسة الاقتصادية السورية.
فالاستثمار الأمريكي يمكن أن يتكامل مع الاستثمارات العربية، والخبرات الأوروبية، والشراكات الآسيوية، والموقع التركي، والأسواق الخليجية، بما يجعل الاقتصاد السوري أكثر انفتاحاً وتوازناً.
والدبلوماسية الاقتصادية الناجحة لا تقوم على اختيار محور واحد، وإنما على تعظيم المصالح الوطنية من خلال بناء أكبر شبكة ممكنة من الشراكات.
دمشق وواشنطن.. مصالح متبادلة
من المنظور الأمريكي، تمثل سوريا الجديدة فرصة لبناء دولة مستقرة وموحدة، تتعاون في مكافحة الإرهاب، وتفتح اقتصادها أمام الاستثمار، وتعمل مع المؤسسات الدولية، وتستعيد اندماجها في المجتمع الدولي.
ومن المنظور السوري، تمثل الولايات المتحدة شريكاً يمكن أن يساهم في إزالة العقبات الاقتصادية، وجذب الاستثمارات، ونقل التكنولوجيا، وتطوير قطاعات الطاقة والصحة والاتصالات والتمويل والبنية التحتية، إضافة إلى المساعدة في معالجة بعض الملفات السياسية والأمنية الإقليمية.
وبذلك تنتقل العلاقة تدريجياً من معادلة «الضغط مقابل التنازلات» إلى معادلة «المصالح مقابل المصالح».
وهذه ربما تكون أكثر صيغ العلاقات الدولية استدامة.
الاختبار الحقيقي يبدأ الآن
لكن زيارة أكثر من 60 شركة أمريكية إلى دمشق لا تعني أن الاستثمارات أصبحت أمراً محسوماً.
فالوفد يمثل بداية اختبار حقيقي.
والاختبار الآن يقع على عاتق الحكومة السورية في قدرتها على تحويل الوعود إلى بيئة استثمارية قابلة للتنفيذ.
وهذا يتطلب تطوير التشريعات، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز استقلالية المؤسسات، وتطوير القطاع المصرفي، وتوفير آليات واضحة للتحويلات والمدفوعات، وحماية المستثمرين، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وربط الاستثمارات الأجنبية بخطة وطنية واضحة لإعادة الإعمار والتنمية.
كما يتطلب من القطاع الخاص السوري أن يكون شريكاً حقيقياً، لا مجرد وسيط بين المستثمر الأجنبي والسوق المحلية.
فالهدف النهائي ليس أن تأتي الشركات الأمريكية إلى سوريا وتبيع منتجاتها، وإنما أن تستثمر وتنتج وتوظف وتنقل التكنولوجيا وتبني سلاسل توريد وتربط الاقتصاد السوري بالأسواق الخارجية.
الاقتصاد قد يصبح لغة جديدة للعلاقة
اللافت في المرحلة الحالية أن الخطاب الأمريكي والسوري يلتقيان بصورة متزايدة حول مفردات جديدة: الاستثمار، الإنتاج، التكنولوجيا، البنية التحتية، الطاقة، الصحة، المصارف، الزراعة، الحوكمة، وإعادة الإعمار.
وهذه المفردات تختلف تماماً عن قاموس العقوبات والعزلة.
ولعل أهم ما في الزيارة الأمريكية إلى دمشق أنها تُظهر أن العلاقة لم تعد تُبنى فقط من خلال السياسيين والدبلوماسيين، وإنما بدأت تدخل إليها الشركات والمصارف والمؤسسات الاستثمارية والوزارات والقطاعات الإنتاجية.
فالسياسة فتحت الباب، لكن الاقتصاد هو الذي يستطيع أن يجعل الباب مفتوحاً بصورة مستدامة.
دمشق أمام فرصة تاريخية
المرحلة الحالية تمنح سوريا فرصة لإعادة تعريف موقعها في الاقتصاد الإقليمي والدولي.
فبدلاً من أن تكون دولة تبحث فقط عن رفع العقوبات، تستطيع أن تصبح دولة تبحث عن الاستثمار.
وبدلاً من أن يكون النقاش حول كيفية تمويل إعادة الإعمار، يمكن أن ينتقل إلى كيفية بناء اقتصاد منتج قادر على تمويل تنميته بنفسه.
وبدلاً من أن تكون سوريا سوقاً لمنتجات الآخرين، يمكن أن تتحول إلى قاعدة إنتاج وتوريد وتوزيع للأسواق المحيطة.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للشراكة السورية–الأمريكية.
فإذا استطاعت دمشق بناء مؤسسات قوية، وبيئة قانونية ومصرفية واضحة، وسياسة استثمارية شفافة، واستفادت من موقعها الجغرافي، فإن الشركات الأمريكية لن تكون مجرد مستثمرين في مرحلة إعادة الإعمار، وإنما يمكن أن تصبح جزءاً من عملية إعادة بناء الاقتصاد السوري نفسه.
أما واشنطن، فإن نجاح هذه الشراكة سيمنحها شريكاً مستقراً في منطقة شديدة الحساسية، ويفتح أمام شركاتها سوقاً جديدة وفرصاً في قطاعات متعددة.
وبذلك يصبح التقارب السوري–الأمريكي قائماً على مصالح متبادلة لا على المجاملات السياسية.
لقد بدأت سوريا تنتقل من مرحلة العزلة إلى مرحلة الانفتاح، ومن طلب رفع القيود إلى البحث عن الاستثمارات، ومن انتظار الدعم إلى محاولة بناء شراكات، ومن النظر إلى موقعها الجغرافي كحدود جغرافية إلى توظيفه كميزة اقتصادية.
والرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من الوفد الأمريكي ليست فقط أن الشركات الأمريكية وصلت إلى دمشق، بل أن دمشق بدأت تُطرح أمامها كجزء من معادلة اقتصادية إقليمية جديدة.
فإذا نجحت سوريا في تحويل هذا الانفتاح إلى إنتاج واستثمار وفرص عمل وتكنولوجيا وتصدير، فإن العلاقات السورية–الأمريكية لن تكون مجرد صفحة جديدة في العلاقات الدبلوماسية، بل قد تتحول إلى أحد روافع إعادة تموضع سوريا اقتصادياً وإقليمياً ودولياً.
فالسياسة تفتح الأبواب، لكن الشراكة الاقتصادية هي التي تستطيع أن تجعل الانفتاح واقعاً مستداماً.