زار المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا وتركيا، توماس باراك، قصر الشعب في دمشق اليوم الأربعاء 21 تشرين الأول/أكتوبر 2026، حيث التقى الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني. ولا تبدو هذه الزيارة مجرد محطة دبلوماسية اعتيادية، بل تأتي في سياق تحولات أمنية وسياسية متسارعة، ولا سيما في الجنوب السوري. وقد أعلنت الرئاسة السورية أن المباحثات تناولت التطورات في سوريا والمنطقة، والتعاون في القضايا ذات الاهتمام المشترك، وتعزيز الأمن والاستقرار.

تأتي الزيارة بعد تصريحات أدلى بها باراك في منتدى الأمن العالمي في الدوحة، أمس الثلاثاء، دعا فيها إلى وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا، وأشار إلى استعداد الرئيس الشرع للتوصل إلى تفاهم مع إسرائيل قد يتضمن اتفاقاً لعدم الاعتداء. وهي تصريحات تفتح الباب أمام قراءة سياسية تتجاوز حدود التهدئة المؤقتة، وقد تعكس توجهاً أميركياً لمحاولة إعادة ضبط العلاقة الأمنية بين دمشق وتل أبيب ومنع تحول الجنوب السوري إلى ساحة صراع مفتوحة.

لكن السؤال الجوهري هنا هو: هل تسعى واشنطن إلى بناء تفاهم أمني يحفظ استقرار سوريا وسيادتها، أم إلى إدارة التوتر بطريقة تمنح إسرائيل مكاسب ميدانية وسياسية من دون إلزامها بتغيير سلوكها؟

للإجابة، لا بد من تفكيك المشهد إلى ثلاثة مستويات: الرسالة الأميركية، والحسابات الإسرائيلية، وموقع الحكومة السورية في معادلة الجنوب.

أولاً: الرسالة الأميركية.. دعم الدولة السورية أم إدارة الصراع؟

تحمل زيارة باراك إلى دمشق دلالة سياسية مهمة، تتمثل في استمرار التواصل المباشر بين واشنطن والسلطات السورية الحالية، في مرحلة تحاول فيها الحكومة تثبيت مؤسسات الدولة واستعادة قدرتها على ضبط الأمن وتوسيع انفتاحها الدبلوماسي والاقتصادي.

إن اجتماع المبعوث الأميركي بالرئيس الشرع ووزير الخارجية الشيباني، بالتزامن مع حديثه عن ضرورة وقف العمليات الإسرائيلية وإمكانية التوصل إلى تفاهم أمني، يشير إلى أن واشنطن لا تنظر إلى الاستقرار السوري باعتباره ملفاً منفصلاً عن الترتيبات الأمنية الإقليمية.

فاستقرار دمشق، وقدرة الحكومة على بسط سلطتها، ومنع ظهور مناطق خارجة عن السيطرة المركزية، كلها عوامل تؤثر في حسابات الولايات المتحدة المتعلقة بأمن المنطقة، وعلاقاتها مع تركيا وإسرائيل، ومستقبل التوازنات الإقليمية.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الدعم السياسي للحكومة السورية وبين الاستعداد الأميركي لتقديم ضمانات أمنية ملزمة لها. فالتواصل الدبلوماسي، مهما بلغت أهميته، لا يعني بالضرورة أن واشنطن قررت استخدام نفوذها لفرض التزامات محددة على إسرائيل.

وهنا تكمن أهمية الزيارة: هل ستترجم التصريحات الأميركية إلى آليات رقابة ومتابعة وضمانات عملية، أم ستبقى ضمن حدود تشجيع الطرفين على التفاوض؟

إن الاختبار الحقيقي للسياسة الأميركية لا يتمثل في تأكيد دعم استقرار سوريا فحسب، بل في قدرتها على منع تقويض هذا الاستقرار عبر العمليات العسكرية والانتهاكات المتكررة، وفي ضمان ألا تتحول المفاوضات الأمنية إلى غطاء لتثبيت وقائع جديدة على الأرض.

ثانياً: الجنوب السوري.. الأمن الوطني في مواجهة محاولات تغيير المعادلة

يمثل الجنوب السوري إحدى أكثر الساحات حساسية في المرحلة الانتقالية، ليس بسبب موقعه الجغرافي المتاخم لإسرائيل والأردن فحسب، بل لأن أمنه يرتبط مباشرة بمفهوم السيادة الوطنية ووحدة القرار الأمني.

وفي ظل مؤشرات التوتر الأمني المتداولة، وما يرافقها من استنفار رسمي، تواجه الحكومة السورية اختباراً مزدوجاً: فرض القانون من جهة، ومنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة من جهة أخرى.

وفي هذا السياق، ينبغي التعامل بحذر مع الادعاءات المتعلقة بوجود تنسيق بين مجموعات محلية وإسرائيل، أو وجود مخططات لإعادة تشكيل الواقع الأمني في الجنوب؛ إذ يتطلب إثبات هذه الادعاءات معلومات موثوقة ومستقلة، ولا يكفي وجود تقاطع في المصالح أو المواقف السياسية للجزم بوجود قيادة مشتركة أو تنسيق عملياتي.

لكن من الناحية الاستراتيجية، فإن تحويل المكونات المحلية إلى أدوات ضغط خارجية، أو إنشاء ترتيبات أمنية موازية لمؤسسات الدولة، من شأنه أن يحمل مخاطر مباشرة على وحدة سوريا واستقرارها.

فحين تصبح المناطق الحدودية خاضعة لتفاهمات منفصلة عن الحكومة المركزية، تتراجع قدرة الدولة على احتكار القرار الأمني، وتزداد احتمالات نشوء مناطق نفوذ متنافسة، الأمر الذي يفتح الباب أمام تدخلات إقليمية متشابكة.

ومن هنا، فإن مسؤولية الحكومة السورية تتمثل في استعادة الاستقرار عبر المؤسسات الرسمية، وتطبيق القانون على الجميع، وحماية المدنيين، وفتح قنوات الحوار مع المكونات المحلية، مع رفض استخدام السلاح لفرض وقائع سياسية أو أمنية خارج إطار الدولة.

ولا ينبغي أن يتحول هذا المسار إلى صدام مع المجتمع المحلي أو إلى مقاربة تختزل الجنوب في ملف أمني صرف؛ فالاستقرار المستدام يحتاج إلى الثقة والتمثيل السياسي والخدمات والتنمية، بالتوازي مع تعزيز سلطة القانون.

ثالثاً: رفض المبادرات السياسية.. من المستفيد من استمرار التوتر؟

إذا كانت هناك وساطات أو مبادرات سياسية تهدف إلى معالجة الأزمة في الجنوب السوري، فإن تقييمها يجب أن ينطلق من مضمونها الفعلي، ومدى احترامها لسيادة الدولة، وقدرتها على معالجة المخاوف الأمنية لجميع الأطراف.

أما رفض أي مبادرة، بصرف النظر عن أسباب الرفض، فيستدعي طرح سؤال سياسي أساسي: هل يمتلك الرافضون تصوراً بديلاً قابلاً للتطبيق، أم أن استمرار الأزمة يوفر لهم أوراق ضغط لا تتوافر في ظروف الاستقرار؟

لا يمكن الجزم بأن جميع القوى الرافضة تتحرك وفق هدف واحد، لكن من الممكن القول إن استمرار التوتر قد يخدم أطرافاً ترى في ضعف السلطة المركزية فرصة لتوسيع نفوذها، أو تسعى إلى انتزاع ترتيبات خاصة تتجاوز الإطار الوطني.

كما أن استمرار الفوضى يمنح إسرائيل، من منظور حسابات القوة، مساحة إضافية لتبرير تدخلاتها تحت عنوان حماية أمنها أو حماية مجموعات محلية.

وهنا تظهر المفارقة: قد تؤدي محاولة بعض القوى الاستقواء بالخارج إلى إضعاف قدرتها على التفاوض مستقبلاً، لأنها تربط مصيرها بحسابات إقليمية لا تملك التحكم بها.

ولذلك، فإن الحل الأكثر استدامة لا يكمن في تبادل الاتهامات أو التصعيد المتبادل، بل في صياغة تسوية سورية داخلية تعيد دمج الخلافات المحلية ضمن مؤسسات الدولة، وتمنع تحويلها إلى مدخل لتدويل الأزمة من جديد.

رابعاً: التفاهم الأمني مع إسرائيل.. ضرورة دفاعية أم بوابة للتطبيع؟

تشكل تصريحات باراك بشأن استعداد الرئيس الشرع للتوصل إلى تفاهم أمني مع إسرائيل نقطة محورية في فهم التحرك الأميركي.

فالتفاهم الأمني لا يعني، بالضرورة، التطبيع السياسي، كما أن اتفاق عدم الاعتداء لا يساوي إقامة علاقات دبلوماسية كاملة أو تبادل المصالح الاقتصادية.

هناك فرق جوهري بين اتفاق يهدف إلى وقف الاعتداءات، وضبط الحدود، ومنع الاحتكاك العسكري، وبين مسار سياسي أوسع يتناول طبيعة العلاقات بين الدولتين ومستقبلها.

ومن هذا المنطلق، تستطيع دمشق أن تتعامل مع المسار الأمني بوصفه أداة لحماية المصالح الوطنية، شرط ألا يتحول إلى مدخل لفرض تنازلات استراتيجية لا تقابلها التزامات إسرائيلية واضحة.

فالتفاهم الأمني الذي تحتاج إليه سوريا هو الذي يقيّد استخدام القوة ضدها، لا الذي يقيّد قدرتها على حماية سيادتها.

وتتمثل الأولويات السورية، في أي تفاوض جاد، في مجموعة من المبادئ:

وقد سبق للرئيس الشرع أن ربط أي تفاهم أمني بانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي دخلتها بعد سقوط النظام السابق، والعودة إلى خطوط عام 1974، مع تأكيد أن الجولان أرض سورية.

إن هذه الشروط ليست تفاصيل تفاوضية ثانوية، بل تمثل جوهر الاختبار الذي ستواجهه الدبلوماسية السورية: هل يمكن تحويل التفوق العسكري الإسرائيلي إلى واقع أقل خطورة على سوريا، من دون منح إسرائيل حقاً دائماً في التدخل داخل أراضيها؟

وبالنسبة إلى دمشق، فإن نجاح التفاهم لا يقاس بمجرد توقيعه أو الإعلان عنه، بل بمقدار ما يحققه من أمن فعلي، وما يفرضه من قيود متبادلة، ومدى احترامه لحقوق الدولة السورية.

خامساً: نتنياهو والانتخابات.. هل تتحول الجبهة السورية إلى ورقة داخلية إسرائيلية؟

لا يمكن تحليل السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا بمعزل عن شخصية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وطبيعة الائتلاف الحاكم، وحسابات الأمن والانتخابات الداخلية.

فالحكومات الإسرائيلية، ولا سيما في ظل الأزمات الأمنية، قد تجد في إظهار الحزم العسكري وسيلة لتعزيز صورتها أمام جمهورها، وإثبات قدرتها على منع ظهور تهديدات جديدة على الحدود.

لكن من الضروري التمييز بين هذا الاحتمال التحليلي وبين الجزم بأن أي تصعيد مستقبلي سيكون مدفوعاً حصراً بالحسابات الانتخابية.

إن السؤال الأهم ليس ما إذا كان نتنياهو سيصعّد قبل الانتخابات أو بعدها، بل ما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية مستعدة للانتقال من سياسة الاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية داخل سوريا إلى سياسة تقوم على تفاهمات متبادلة وقابلة للتحقق.

وهنا تظهر ثلاثة سيناريوهات محتملة:

السيناريو الأول: التهدئة والتفاهم الأمني.

تقبل إسرائيل بوقف التصعيد والانخراط في ترتيبات أمنية بوساطة أميركية، تتضمن آليات لمراقبة الحدود ومعالجة الخروقات. ويتيح هذا المسار للحكومة السورية التركيز على إعادة بناء مؤسسات الدولة وتحسين الوضع الاقتصادي والأمني.

ويظل هذا السيناريو الأكثر فائدة لاستقرار المنطقة، لكنه يتطلب استعداداً إسرائيلياً لتقديم التزامات عملية، لا الاكتفاء بالحصول على تعهدات سورية.

السيناريو الثاني: التفاوض تحت الضغط.

تستمر إسرائيل في ممارسة ضغوط عسكرية وسياسية لانتزاع شروط إضافية من دمشق، بينما تحاول الولايات المتحدة إبقاء الطرفين داخل مسار تفاوضي يمنع الحرب الشاملة.

وفي هذا السيناريو، تصبح قدرة الحكومة السورية على التمسك بمبادئها، مع تجنب الانجرار إلى مواجهة غير متكافئة، عاملاً حاسماً في تحديد نتيجة المفاوضات.

وقد يؤدي استمرار الضغوط إلى إطالة أمد المفاوضات، أو إلى تفاهم محدود لا يعالج جذور المشكلة.

السيناريو الثالث: إفشال الوساطة والعودة إلى التصعيد.

قد تتعثر الجهود الأميركية إذا رأت القيادة الإسرائيلية أن استمرار العمليات العسكرية يمنحها مكاسب أكبر من الاتفاق، أو إذا ظهرت خلافات داخلية أو إقليمية تعطل التفاهم.

وفي هذه الحالة، قد يعود الجنوب السوري إلى دائرة التوتر، بما يرفع مخاطر المواجهة ويستنزف الموارد التي تحتاج إليها الدولة في مرحلة إعادة البناء.

ومع ذلك، فإن امتلاك إسرائيل القدرة على التصعيد لا يعني أنها ستختار الحرب حتماً؛ فالكلفة العسكرية والسياسية، وموقف واشنطن، وحسابات تركيا والدول العربية، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في قرارها.

سادساً: ما الذي تريده واشنطن من سوريا الجديدة؟

تتجاوز المصالح الأميركية في سوريا ملف الحدود مع إسرائيل. فواشنطن معنية أيضاً باستقرار مؤسسات الدولة، ومنع عودة التنظيمات المتطرفة، وتخفيف احتمالات الصدام بين حلفائها وشركائها الإقليميين، والحفاظ على مسار الانفتاح السياسي والاقتصادي الذي بدأ خلال المرحلة الانتقالية.

وتشير التحركات الأميركية السابقة إلى اهتمام بمنع الاحتكاك بين سوريا وإسرائيل وتركيا، وإقامة آليات لتفادي التصعيد العسكري بين هذه الأطراف.

لكن السياسة الأميركية ليست بالضرورة متطابقة مع الأولويات السورية في كل الملفات. فقد تدعم واشنطن استقرار الحكومة الجديدة، وفي الوقت نفسه تسعى إلى تفاهمات أمنية تخدم مصالحها ومصالح حلفائها.

لذلك، لا ينبغي التعامل مع الدعم الأميركي بوصفه ضمانة تلقائية لحقوق سوريا، ولا مع الوساطة الأميركية باعتبارها بديلاً عن بناء القوة المؤسسية والدبلوماسية السورية.

المطلوب من دمشق هو توظيف الانفتاح الأميركي لتوسيع هامش الحركة السياسية، وانتزاع التزامات واضحة، وربط أي تقدم في المسار الأمني بنتائج قابلة للقياس على الأرض.

أما واشنطن، فإن أرادت بالفعل حماية الاستقرار السوري، فعليها الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها، وفي مقدمتها الاعتداءات الإسرائيلية، وغياب آليات ملزمة لضبط التصعيد، واحتمالات استغلال التوترات المحلية لتفكيك سلطة الدولة.

سابعاً: إعادة البناء السوري.. لماذا تحتاج دمشق إلى تجنب الحرب؟

تخوض سوريا مرحلة شديدة الحساسية، تتطلب إعادة بناء مؤسساتها، وإعادة تنشيط اقتصادها، واستعادة ثقة المستثمرين، وتطوير علاقاتها الدولية، وتوفير بيئة تسمح بعودة النازحين واللاجئين، وتحسين الخدمات الأساسية.

وفي هذا السياق، لا يمثل تجنب الحرب تنازلاً سياسياً، بل خياراً استراتيجياً لحماية الموارد الوطنية ومنع استنزاف قدرات الدولة في مواجهة عسكرية قد تعرقل عملية التعافي لسنوات.

إن الحكومة السورية مطالبة بالموازنة بين ثلاثة أهداف مترابطة:

حماية السيادة: رفض الاعتداءات والتدخلات التي تنتقص من سلطة الدولة على أراضيها.

تثبيت الاستقرار: منع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة أو السماح بظهور سلطات أمنية موازية.

توفير شروط التنمية: توجيه الموارد والجهود نحو إعادة الإعمار والاستثمار وتحسين حياة المواطنين.

ولا تعني هذه المعادلة أن تتخلى دمشق عن حقوقها أو أن تقبل بالأمر الواقع، بل أن تستخدم الأدوات الدبلوماسية والأمنية والقانونية لتحقيق أهدافها بأقل كلفة ممكنة.

فالدولة القوية ليست التي تدخل كل مواجهة تُفرض عليها، ولا التي تتنازل تحت الضغط، وإنما التي تعرف متى تتفاوض، وكيف تحمي مصالحها، وكيف تمنع خصومها من تحويل نقاط ضعفها المؤقتة إلى قيود دائمة على مستقبلها.

ثامناً: ما المطلوب من الحكومة السورية بعد زيارة باراك؟

إن الأهمية الحقيقية للزيارة ستتحدد بما ستنتجه من خطوات عملية خلال المرحلة المقبلة. ويمكن تحديد مجموعة من الأولويات التي ينبغي أن تحكم التحرك السوري:

أولاً: تثبيت مرجعية الدولة في الجنوب.

من خلال تعزيز المؤسسات الرسمية، وتطبيق القانون، ومعالجة المخاوف المحلية عبر الحوار، ومنع نشوء ترتيبات أمنية موازية أو استخدام السلاح لفرض وقائع سياسية.

ثانياً: المطالبة بضمانات أميركية واضحة.

ينبغي ألا تقتصر الوساطة على نقل الرسائل بين دمشق وتل أبيب، بل أن تتضمن آليات لمتابعة الالتزامات، وتوثيق الخروقات، والتدخل الدبلوماسي السريع عند وقوعها.

ثالثاً: التمسك بالفصل بين الأمن والتطبيع.

يمكن التفاوض على ترتيبات تمنع الاعتداءات وتحمي الحدود من دون افتراض أن ذلك يستلزم تطبيعاً فورياً أو تنازلات سياسية مسبقة.

رابعاً: منع تحويل الجنوب إلى ورقة تفاوضية منفصلة عن الدولة.

يجب أن تكون أي ترتيبات تخص الجنوب السوري منسجمة مع وحدة الأراضي السورية، وأن تحافظ على حقوق السكان، وألا تتحول إلى بوابة لتكريس مناطق نفوذ خارجية.

خامساً: تنويع العلاقات الدولية.

إن تعزيز العلاقات مع الدول العربية وتركيا وأوروبا، وتوسيع التعاون الاقتصادي والدبلوماسي، يمنح دمشق خيارات إضافية ويحد من اعتمادها على وسيط واحد في الملفات الاستراتيجية.

سادساً: إدارة الرأي العام بشفافية.

فكلما اتضحت المبادئ التي تستند إليها المفاوضات، تراجعت مساحة الشائعات والتأويلات، وأصبح من الأسهل بناء توافق وطني حول القرارات المتعلقة بالأمن والسيادة.

خاتمة: لا للحرب، ولا للوصاية، ولا لفرض الأمر الواقع

تكشف زيارة توماس باراك إلى دمشق عن لحظة سياسية مهمة في مسار العلاقات السورية الأميركية، وفي الجهود الرامية إلى احتواء التوتر بين سوريا وإسرائيل.

فالرسالة التي يمكن استخلاصها من تصريحات المبعوث الأميركي بشأن وقف العمليات الإسرائيلية وإمكان التوصل إلى تفاهم أمني هي أن المسار الدبلوماسي لا يزال مطروحاً، وأن هناك مصلحة في منع تحول الأراضي السورية إلى ساحة مواجهة إقليمية مفتوحة. لكن ذلك لا يكفي وحده لإثبات أن واشنطن اتخذت قراراً نهائياً بفرض قيود ملزمة على إسرائيل، أو أنها ستقدم ضمانات أمنية كاملة للحكومة السورية.

أما بالنسبة إلى دمشق، فإن الفرصة تكمن في تحويل هذه اللحظة إلى مسار تفاوضي يحقق نتائج ملموسة: وقف الاعتداءات، والانسحاب من المناطق التي دخلتها إسرائيل بعد سقوط النظام السابق، واحترام السيادة السورية، وإعادة تثبيت المرجعية الوطنية في الجنوب.

وفي المقابل، فإن أي محاولة لاستغلال الانفتاح الدبلوماسي لفرض تنازلات أحادية، أو تحويل الخلافات المحلية إلى أدوات ضغط خارجية، ستبقي المنطقة عرضة للتصعيد وتضعف فرص الاستقرار.

إن سوريا الجديدة تحتاج إلى تفاهم أمني يحميها، لا إلى تسوية تُقيدها؛ وإلى شراكات دولية تدعم بناء الدولة، لا إلى وصاية تعيد إنتاج التبعية؛ وإلى استقرار يسمح بإعادة الإعمار، لا إلى حرب تستنزف ما تبقى من مقدراتها.

وفي المحصلة، لن يُقاس نجاح زيارة باراك ببيانات الترحيب أو التصريحات المتفائلة، بل بقدرة الدبلوماسية الأميركية على ترجمة مواقفها إلى التزامات، وقدرة الحكومة السورية على تحويل الانفتاح الدولي إلى مكاسب سيادية وأمنية واقتصادية.

فهل تنجح واشنطن في إقناع نتنياهو بأن استقرار سوريا مصلحة إقليمية تتجاوز الحسابات السياسية الآنية؟ أم يستمر منطق الضغط العسكري، بما يهدد بتقويض الوساطة وإعادة الجنوب إلى دائرة التصعيد؟

الإجابة ستكشفها الوقائع الميدانية، لا التصريحات وحدها. والأكيد أن الاستقرار السوري لن يُبنى على حساب السيادة، كما أن السيادة لا تحتاج إلى حرب مفتوحة كي تثبت حضورها؛ بل إلى دولة قوية، ودبلوماسية فاعلة، ومؤسسات قادرة على حماية الأرض والإنسان.