لم يعد السؤال السوري اليوم: من يملك سوريا؟

فهذا السؤال ينتمي إلى مرحلة سابقة، حين كانت سوريا ساحة مفتوحة للصراع بين القوى الإقليمية والدولية، وحين كان النفوذ الخارجي يُقاس بعدد القواعد العسكرية وحجم القوات الموجودة على الأرض.

أما المشهد السوري الحالي، فيوحي بدخول البلاد مرحلة سياسية مختلفة عن السنوات السابقة.

مرحلة تحاول فيها دمشق أن تنتقل من موقع الدولة التي يتنافس الآخرون على نفوذهم داخلها، إلى دولة تحاول هي نفسها إدارة هذا التنافس، وتوظيفه لمصلحة سيادتها ووحدة أراضيها وإعادة إعمارها.

ومن هنا تبرز أهمية العلاقات السورية مع كل من واشنطن وموسكو في هذه المرحلة.

فالولايات المتحدة تنظر إلى سوريا من زاوية الأمن الإقليمي، ومحاربة التنظيمات الإرهابية، وإعادة ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط، وتقليص النفوذ الإيراني والروسي.

أما روسيا، فتنظر إلى سوريا باعتبارها جزءاً من منظومة أوسع تتصل بحضورها في شرق المتوسط، ومصالحها العسكرية والاقتصادية، وموقعها كقوة دولية قادرة على الاحتفاظ بأوراق نفوذ خارج محيطها المباشر.

وبين هاتين الرؤيتين تتحرك دمشق.

أولاً: اتصال بوتين بالشرع… لماذا الآن؟

في 26 أغسطس/آب 2026، أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتصالاً هاتفياً بالرئيس السوري أحمد الشرع.

البيان الروسي تحدث عن تطوير العلاقات الثنائية، وتعميق الحوار السياسي، وتوسيع التعاون التجاري والاقتصادي والإنساني، كما أكد بوتين دعم موسكو لوحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها.

لكن الأهم أن الاتصال جاء بعد أيام قليلة فقط من توقيع مذكرة التفاهم السورية–الروسية بشأن إعادة تنظيم الوجود الروسي في حميميم وطرطوس.

وهنا تكمن أهمية التوقيت.

ويشير توقيت الاتصال ومضمونه إلى أن موسكو تتعامل مع دمشق بوصفها سلطة جديدة ذات مقاربة مختلفة للعلاقات الخارجية.

وفي المقابل، لم تتعامل دمشق مع روسيا بمنطق القطيعة.

بل اختارت صيغة أكثر براغماتية:

لا استمرار للوجود الروسي القديم، ولا قطيعة مع روسيا.

وهذه ربما تكون إحدى أهم سمات الدبلوماسية السورية الجديدة.

ثانياً: حميميم وطرطوس… إعادة تنظيم الوجود الروسي بالتفاوض

ربما يكون ملف القواعد الروسية هو الاختبار الأوضح للتحول في العلاقة بين دمشق وموسكو.

فبعد سقوط النظام السابق، كان السؤال الكبير: ماذا ستفعل روسيا بقواعدها في سوريا؟

هل ستنسحب؟

هل ستحتفظ بها كما كانت؟

هل ستدخل في مواجهة مع السلطة الجديدة؟

وبعد فترة من المفاوضات، جاءت الإجابة مختلفة.

أعلنت دمشق في 9 أغسطس/آب التوصل إلى مذكرة تفاهم تعيد تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري.

وبموجب الترتيبات الجديدة، تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، بما فيها مطار حميميم وبعض المنشآت التجارية في طرطوس، بينما يعاد تعريف المنشآت العسكرية لتصبح مراكز تدريب وتأهيل مشتركة ضمن ترتيبات جديدة.

وهنا يمكن قراءة الاتفاق باعتباره تراجعاً روسياً عن نموذج القاعدة العسكرية المفتوحة، مقابل احتفاظ موسكو بجزء من الحضور الاستراتيجي.

أما دمشق، فقد حصلت على شيء بالغ الأهمية:

استعادة السيطرة السيادية على البنية المدنية للموقعين، مع عدم تحويل العلاقة مع موسكو إلى مواجهة صفرية.

ويعكس ذلك توجهاً سورياً وروسياً إلى إدارة الخلاف عبر تسوية عملية بدلاً من الصدام المباشر.

روسيا لا تريد خسارة آخر موطئ قدم استراتيجي لها في المتوسط، ودمشق لا تريد أن تصبح في مواجهة مباشرة مع قوة كبرى.

لذلك اختارت الدولتان صيغة وسط.

ثالثاً: ماذا تريد موسكو من سوريا؟

من الخطأ اختزال المصلحة الروسية في شخص بشار الأسد.

صحيح أن الأسد يعيش في روسيا، وأن موسكو وفرت له اللجوء بعد سقوط نظامه، لكن السياسة الروسية لا تُبنى عادة على الأشخاص وحدهم.

موسكو تبحث عن الدولة والموقع والنفوذ والمصالح.

والأهم بالنسبة إليها هو الاحتفاظ بقناة اتصال مستقرة مع دمشق.

روسيا تريد:

ولهذا فإن الورقة السورية بالنسبة لموسكو ليست مجرد ورقة مرتبطة بالأسد.

الأسد يمكن أن يكون ملفاً تفاوضياً، لكن سوريا نفسها هي الأصل الاستراتيجي.

وهذا يفسر لماذا سارعت موسكو إلى بناء علاقة جديدة مع القيادة السورية بعد سقوط النظام السابق.

رابعاً: وماذا تريد واشنطن؟

في المقابل، تنظر واشنطن إلى سوريا من منظور مختلف.

فالولايات المتحدة لا تريد فقط سوريا مستقرة، وإنما تريد سوريا لا تتحول إلى منصة لإعادة بناء النفوذ الإيراني أو الروسي، ولا تصبح بيئة حاضنة للتنظيمات الإرهابية.

ولهذا ارتبط الانفتاح الأمريكي على دمشق بجملة من الملفات:

الأمن ومكافحة الإرهاب، مستقبل شمال شرق سوريا، العلاقات الإقليمية، النفوذ الإيراني، إعادة بناء المؤسسات، والانفتاح الاقتصادي.

لكن التطور الأهم جاء في 24 أغسطس/آب 2026.

وبحسب ما أُعلن في 24 أغسطس/آب 2026، اتخذت الولايات المتحدة خطوات قالت إنها تشمل إلغاء تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب، كما ألغت وزارة الخزانة تصنيف هيئة تحرير الشام كـ«منظمة إرهابية عالمية محددة»، في ما عُد تحولاً كبيراً في العلاقة بين واشنطن ودمشق.

وهذه ليست خطوة رمزية.

إنها تعني إزالة واحدة من أكبر العقبات أمام إعادة دمج سوريا في النظام المالي والاقتصادي الدولي.

وبالتالي فإن واشنطن لا تقدم لدمشق مجرد اعتراف سياسي.

إنها تقدم لها بوابة اقتصادية دولية.

خامساً: لماذا لا تريد واشنطن أن تترك سوريا لروسيا؟

هنا تبدأ اللعبة الكبرى.

سوريا تقع في موقع جغرافي يجعلها مهمة للولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإسرائيل ودول الخليج.

ومن يملك نفوذاً مؤثراً في دمشق يمتلك ورقة مهمة في شرق المتوسط، وفي المشرق العربي، وفي طرق التجارة والطاقة والأمن الإقليمي.

ولهذا فإن واشنطن لا تنظر إلى الوجود الروسي في سوريا باعتباره مسألة سورية–روسية فقط.

كما أن موسكو لا تنظر إلى الانفتاح الأمريكي على دمشق باعتباره مجرد مساعدة اقتصادية.

كل طرف يقرأ تحركات الطرف الآخر باعتبارها جزءاً من إعادة تشكيل المنطقة.

لكن هنا تظهر نقطة شديدة الأهمية:

دمشق ليست مضطرة إلى اختيار أحدهما بالضرورة.

سادساً: دمشق تلعب لعبة مختلفة

إذا كانت واشنطن تريد سوريا مستقرة ومنفتحة عليها، وموسكو تريد سوريا لا تغلق الباب أمامها، فإن دمشق تستطيع تحويل هذا التنافس إلى ورقة تفاوض.

وهذا ما يمكن تسميته:

دبلوماسية التوازن بين الكبار.

دمشق تقول لواشنطن عملياً:

لن تكون روسيا بديلاً عنكم.

وتقول لموسكو:

لن تكون الولايات المتحدة بديلاً عنكم.

لكنها في الوقت نفسه تقول للطرفين:

سوريا ليست ساحة نفوذ مجانية.

وهنا يكمن الفرق بين السياسة الخارجية القديمة والسياسة الخارجية الجديدة.

في السابق كان القرار السوري مرتبطاً بدرجة كبيرة بمصالح الحليف الأقوى.

أما اليوم، فالمطلوب بناء علاقات متعددة الاتجاهات، بحيث لا تستطيع قوة واحدة احتكار القرار السوري.

سابعاً: قسد… الحلقة التي تربط واشنطن وأنقرة ودمشق

لا يمكن فهم العلاقة السورية–الأمريكية من دون ملف قوات سوريا الديمقراطية «قسد».

فالولايات المتحدة بنت خلال السنوات الماضية شراكة عسكرية وسياسية واسعة مع القوى الكردية في شمال شرق سوريا، خصوصاً في إطار الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية.

لكن دمشق تريد إنهاء حالة الازدواج الأمني والعسكري داخل البلاد.

ومن وجهة النظر السورية، فإن استمرار وجود تشكيلات عسكرية خارج مؤسسات الدولة يتعارض مع مشروع توحيد البلاد.

وهنا تلتقي مصالح متعددة:

دمشق تريد استعادة سيادتها.

تركيا تريد إنهاء التهديد المرتبط بحزب العمال الكردستاني.

واشنطن تريد ضمان عدم عودة تنظيم الدولة، وحماية مصالحها وشركائها المحليين.

ومن هنا أصبحت عملية دمج القوى الموجودة في شمال شرق سوريا داخل مؤسسات الدولة السورية واحدة من أهم مفاتيح إعادة صياغة العلاقة بين دمشق وواشنطن وأنقرة.

ولهذا فإن ملف «قسد» ليس ملفاً سورياً داخلياً فقط.

إنه عقدة جيوسياسية دولية.

ثامناً: روسيا وأمريكا… هل نحن أمام حرب نفوذ على سوريا؟

نعم، ولكن ليس بالضرورة أمام حرب مباشرة.

الأقرب هو صراع نفوذ ناعم ومتدرج:

واشنطن تستخدم الاقتصاد والعقوبات والانفتاح السياسي والأمني.

موسكو تستخدم العلاقات العسكرية والتاريخية والقاعدة البحرية والعلاقات الدبلوماسية.

تركيا تستخدم الجغرافيا والأمن والاقتصاد.

الخليج يستخدم الاستثمار والتمويل وإعادة الإعمار.

وإسرائيل تستخدم القوة العسكرية والضغط الأمني.

أما دمشق، فتحاول أن تجمع هذه الأوراق كلها في طاولة واحدة.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي:

من يستطيع أن يمنح سوريا أكثر مما يستطيع أن يأخذ منها؟

تاسعاً: هل تبيع موسكو الأسد؟

من أكثر النقاط إثارة للجدل الحديث عن أن موسكو يمكن أن تستخدم بشار الأسد كورقة تفاوض.

سياسياً، لا يمكن الجزم بأن هذا هو هدف الاتصال أو أن موسكو «عرضت الأسد للبيع».

لا توجد في البيانات الرسمية المتاحة إشارة إلى ذلك.

لكن يمكن القول إن أهمية الأسد بالنسبة إلى العلاقة السورية–الروسية تراجعت مقارنة بأهمية الدولة السورية ومصالح روسيا الاستراتيجية.

وهذا أمر مختلف تماماً.

روسيا قد تتمسك بالأسد لأسباب قانونية أو سياسية أو إنسانية، لكنها في الوقت نفسه أثبتت عملياً أنها مستعدة للتعامل مع القيادة السورية الجديدة، بل والتفاوض معها حول قواعدها ومصالحها.

وهذا يعني أن المصلحة الروسية أصبحت مرتبطة بدمشق الجديدة أكثر من ارتباطها بشخص الأسد.

عاشراً: ماذا تريد دمشق من موسكو وواشنطن؟

دمشق لا تحتاج إلى «حليف واحد».

هي تحتاج إلى:

من واشنطن:

الاعتراف السياسي، رفع القيود، الاستثمار، إعادة دمج سوريا اقتصادياً، الدعم الدولي، والتعاون الأمني.

ومن موسكو:

الاستقرار، التعاون العسكري والأمني، العلاقات الدولية، الخبرة، الاستثمار، وعدم تحويل روسيا إلى خصم.

ومن تركيا:

الاستقرار الحدودي، دعم وحدة الأراضي السورية، والتعاون الاقتصادي والأمني.

ومن الخليج:

الاستثمار وإعادة الإعمار والاندماج العربي.

وهكذا تتحول السياسة الخارجية السورية من سياسة المحاور إلى سياسة تعدد الشراكات.

الخلاصة: سوريا لا تختار بين الدب والنسر

ربما يكون الخطأ الأكبر هو النظر إلى سوريا باعتبارها مطالبة بالاختيار بين روسيا والولايات المتحدة.

المعادلة الجديدة أكثر تعقيداً.

واشنطن تريد ألا تعود سوريا إلى المحور الروسي–الإيراني.

موسكو تريد ألا تخسر سوريا بالكامل لصالح المحور الغربي.

أنقرة تريد سوريا موحدة خالية من تهديد حزب العمال الكردستاني.

تل أبيب تريد ضمانات أمنية وحدوداً جديدة للنفوذ السوري.

والخليج يريد سوريا مستقرة قابلة للاستثمار وإعادة البناء.

أما دمشق، فلديها مصلحة مختلفة:

أن تستفيد من الجميع، دون أن تصبح رهينة لأحد.

ولهذا فإن اتصال بوتين بالشرع، ومذكرة حميميم وطرطوس، والانفتاح الأمريكي المتسارع، وإزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، كلها ليست أحداثاً منفصلة.

إنها أجزاء من لوحة واحدة:

إعادة إدخال سوريا إلى لعبة التوازنات الدولية، ولكن هذه المرة ليس باعتبارها ساحة للصراع فقط، وإنما باعتبارها لاعباً يحاول امتلاك أوراقه.

وهنا تحديداً تظهر قيمة الدبلوماسية السورية الجديدة.

فدمشق لا تريد أن تقول لواشنطن: «نحن معكم».

ولا تريد أن تقول لموسكو: «نحن معكم».

بل تريد أن تقول للطرفين:

«نحن مع سوريا أولاً… ومن يريد أن يكون شريكاً فيها، فليأتِ إلى دمشق من بوابة المصالح المتبادلة والسيادة السورية.»

وهذه، في جوهرها، ليست سياسة انحياز.

إنها سياسة موازنة.

وقد تكون هذه هي المرة الأولى منذ عقود التي تمتلك فيها دمشق فرصة حقيقية لتحويل التنافس الدولي على سوريا من عبء على الدولة إلى ورقة في يد الدولة.