سقط النظام في سوريا، لكن سقوط الأنظمة لا يعني بالضرورة سقوط كل ما تركته خلفها.

تغيّرت مؤسسات ووجوه وخطابات، وفُتحت أبواب كان السوريون يعتقدون أن الاقتراب منها مستحيل. وما كان يُقال همسًا أصبح يُقال علناً، وما بدا يوماً حلماً بعيداً أصبح واقعاً جديداً نحاول اليوم أن نتعلّم كيف نعيش فيه.

لكن هناك أشياء لا تسقط بقرار سياسي، ولا تتغيّر بمجرد تغيّر السلطة: العقلية

وهنا ربما يبدأ الامتحان الأصعب للسوريين.

لسنوات طويلة، لم تقتصر مشكلة كثير من السوريين على السلطة السياسية وحدها، بل شملت أيضاً أنماطاً راسخة في إدارة الفرص والعلاقات، مثل الواسطة والمحسوبيات وتقريب المعارف وإقصاء المختلف.

انتقدنا كل ذلك طويلاً

لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه اليوم هو: هل تخلّصنا منه فعلاً؟

أم أننا غيّرنا أسماء الأشخاص، بينما بقيت بعض القواعد القديمة تعمل بالطريقة نفسها؟

هذا السؤال لا يتعلق بالحكومة وحدها، ولا يمكن تحميل الدولة الجديدة مسؤولية كل سلوك يحدث باسمها أو حولها. وجزء من المسؤولية يرتبط أيضاً ببعض الممارسات التي ظهرت داخل المنظمات والمؤسسات والإعلام والفضاءات العامة السورية، سواء في الداخل أو الخارج.

فمن السهل جداً أن نرفض الإقصاء عندما نكون نحن المُقصَين.

الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يصبح المفتاح في أيدينا.

هل نفتح الباب لمن يستحق، أم لمن نعرف؟

هل نبحث عن صاحب الخبرة، أم عن صاحب العلاقة؟

هل نتقبّل وجود شخص ناجح خارج دائرتنا، أم نحاول إبقاء المساحة محصورة بمن يشبهوننا ويعرفوننا ويتبادلون معنا المصالح؟

هذه ليست أسئلة صغيرة.

لأن الدول لا تُبنى فقط في القصور والوزارات، بل تُبنى أيضًا في الثقافة التي تحيط بهذه المؤسسات.

والسوريون في الخارج أمام اختبار واضح في هذا المجال.

خلال أكثر من عقد، ظهرت عشرات المنظمات والمبادرات والمؤسسات والشخصيات السورية. بعضها قدّم عملًا حقيقياً ومهماً ، وبعضها اكتسب نفوذاً وعلاقات واسعة، وبعضها أصبح حلقة وصل بين السوريين ومراكز سياسية وإعلامية في دول مختلفة.

وهذا بحد ذاته أمر طبيعي.

لكن المشكلة قد تبدأ عندما تتحول بعض حلقات الوصل إلى قنوات شبه حصرية، بما يمنح أفراداً أو جهات قدرة غير معلنة على التأثير فيمن يصل ومن يبقى خارج المشهد.

لا ينبغي لأي جهة، مهما كان تاريخها أو حجم علاقاتها، أن تشعر بأنها تمتلك حق تحديد من يمثّل السوريين أو من يستحق الوصول إلى مؤسسات الدولة.

ولا يفترض أن ترتبط فرص الصحفي أو الأكاديمي أو الطبيب أو صاحب الاختصاص بمعارف شخصية، بل بمعايير واضحة تتصل بخبرته وكفاءته.

سوريا الجديدة تحتاج إلى علاقات، نعم.

لكنها تحتاج أكثر إلى مؤسسات.

والفرق بين الاثنين كبير.

في العلاقات، تصل لأن أحداً يعرفك.

أما في المؤسسات، فتصل لأن هناك معياراً ينطبق عليك.

في العلاقات، قد يُفتح الباب اليوم ويُغلق غداً بتغير الأشخاص.

أما المؤسسة، فتبني باباً يعرف الجميع كيف يصلون إليه.

وهذا تحديداً ما يحتاجه السوريون اليوم، خصوصاً في علاقتهم بدولتهم من الخارج: قنوات واضحة، معايير معلنة، ومساحات لا تعتمد على معرفة شخص هنا أو اتصال شخص هناك.

ليس المطلوب أن يحضر الجميع كل شيء، فهذا مستحيل.

لكن وجود آلية واضحة يحمي الجميع: يحمي من تم اختياره من الاتهامات، ويحمي من لم يُختَر من الشعور بأن الأبواب أُغلقت في وجهه لأسباب شخصية.

والأهم أنه يحمي الدولة نفسها من أن تصبح صورتها مرهونة بتصرفات أشخاص يتحدثون باسمها أو يدّعون القرب منها.

بعد كل ما عاشه السوريون، سيكون مؤلماً أن نكتشف يوماً أننا نجحنا في تغيير المشهد السياسي، لكننا حملنا معنا إلى المشهد الجديد الأدوات القديمة نفسها.

أن تتغير أسماء الواصلين، لكن يبقى الوصول امتيازاً .

أن تتغير الدوائر، لكنها تبقى مغلقة.

أن نرفض احتكار الآخرين للمساحات، ثم نحتكرها عندما تصبح بأيدينا.

الثورات والتغييرات السياسية تستطيع أن تفتح الباب أمام مستقبل جديد، لكنها لا تستطيع أن تضمن وحدها أننا سندخل منه بعقلية جديدة.

هذه مسؤوليتنا نحن.

ربما تغيّرت سوريا فعلاً أسرع من السوريين.

ولا عيب في الاعتراف بذلك.

العيب أن نملك فرصة نادرة لبناء شيء مختلف، ثم نعيد إنتاج ما اشتكينا منه طويلاً ، فقط لأن الأسماء هذه المرة أصبحت أسماءنا.

فسوريا الجديدة لا تحتاج فقط إلى وجوه جديدة.

تحتاج إلى قواعد جديدة أيضاً.

وإلا، قد نكتشف بعد سنوات أننا غيّرنا الكثير…

إلا الطريقة التي نعامل بها بعضنا بعضاً.