لم تعد أزمة السويداء شأنًا محليًا أو خلافًا عابرًا بين دمشق وبعض الفصائل المحلية المسلحة التي تنضوي تحت ما يسمى «الحرس الوطني» بزعامة الشيخ حكمت الهجري، بل أصبحت عقدة إقليمية تتقاطع فيها مصالح سوريا والأردن والولايات المتحدة وإسرائيل، وأصبح التعنت المدموغ بصبغة انفصالية يشكل تهديدًا للأمن القومي، ليس في سوريا فحسب، بل في المنطقة برمتها، كما أصبحت السويداء حجر عثرة في وجه المشروع الأمريكي القائم على تحقيق الاستقرار الإقليمي وتهيئة المناخ الملائم لتحويل سوريا إلى ممر حيوي لصادرات النفط والغاز من العراق ودول الخليج إلى أوروبا والعالم عبر موانئ المتوسط السورية في طرطوس واللاذقية، كطريق بديل عن مضيق هرمز وما يحيط به من صراعات ومخاطر جيوسياسية.

لقد حاولت حكومة الرئيس الشرع، منذ سقوط النظام في دمشق، مد الجسور مع أهلنا في السويداء، وعينت الدكتور مصطفى البكور محافظًا للمدينة، الذي لم يوفر جهدًا في محاولة إيجاد صيغة تصالحية تضمن مطالب أهل المحافظة وتفتح آفاق الانتقال السلمي، بما يسمح للدولة باستعادة مسؤوليتها عن السلاح الثقيل والمفاصل الأمنية الحساسة في السويداء، مع الحفاظ على دور أبنائها في إدارة شؤون محافظتهم وحماية أمنها. ورغم توقيع اتفاقيات تشبه إلى حد كبير الصيغ التي جرى التوصل إليها مع الجنرال مظلوم عبدي بشأن دمج قوات قسد ضمن مؤسسات الدولة والجيش المركزي تحت مظلة وزارة الدفاع، فإنها لم تحقق النتائج نفسها في السويداء. ثم جاءت الأحداث الدامية التي شهدتها المحافظة لتزيد المشهد تعقيدًا، بعدما سقط عدد كبير من الضحايا من أهل المدينة وقوات الأمن وأبناء العشائر العربية على حد سواء، وتحملت الحكومة مسؤولية التحقيق في تلك الأحداث المأساوية، وشكلت لجانًا مختصة للبحث في أسبابها وتوثيق الانتهاكات التي تعرض لها المدنيون في مدينة السويداء وقراها ومحاسبة المسؤولين عنها. ومنذ ذلك الحين أخذت المدينة تنغلق على نفسها أكثر فأكثر، بينما استقوت بعض زعاماتها بالدعم الإسرائيلي، ووصل التصعيد إلى حد قيام الطائرات الإسرائيلية بقصف وزارة الدفاع في دمشق في تحد مباشر للحكومة السورية، في تطور كاد أن يفتح الباب أمام مواجهة أوسع بين البلدين.

ومنذ ذلك الحين أيضًا دخلت السويداء في حالة حصار وعزلة وتدهور اقتصادي وخدمي شديد، وسط اتهامات متبادلة بشأن المسؤولية عن إغلاق الطرق وتعطيل وصول المواد الأساسية، ورغم محاولات دمشق إرسال شاحنات الغذاء والدواء والمحروقات، بقي وصولها إلى السكان محدودًا ومتقطعًا. وزاد المشهد توترًا مع أزمة الطلاب والامتحانات، بعدما تعذر على أعداد من الطلاب الوصول إلى مراكز امتحاناتهم، وتعطلت ترتيبات دخول موظفي وزارة التربية والتعليم القادمين من دمشق للإشراف على امتحانات الشهادة الثانوية وبعض المراحل الجامعية، الأمر الذي تسبب بحالة من الغضب والتململ الشعبي، لأن أبناء المحافظة وطلابها كانوا في النهاية من يدفع ثمن الصراع السياسي والأمني، ولا يجوز أن يتحول مستقبل جيل كامل إلى ورقة تفاوض أو أداة لتحقيق مكاسب سياسية.

وفي ظل هذا المشهد الأمني والسياسي المعقد، ومع التقدم في ملف دمج قوات قسد ضمن مؤسسات الدولة، تظهر خارطة الطريق السورية–الأردنية–الأمريكية، بقيادة أحد أبرز وجوه الدبلوماسية الأمريكية في الملف السوري توم باراك، وإلى جانبه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، كمحاولة لرسم مخرج سلمي يسمح بإعادة اندماج السويداء تدريجيًا في مؤسسات الدولة السورية من دون الذهاب إلى مواجهة عسكرية جديدة. وتبدأ هذه المقاربة، التي تقوم على ما يمكن وصفه بـ«دبلوماسية منتصف الليل الهادئة»، بخفض التصعيد وفتح الطرق وإعادة الخدمات والمساعدات وعودة النازحين والكشف عن مصير المفقودين والمخطوفين، إلى جانب التحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، ثم تنتقل إلى المرحلة الأكثر حساسية، وهي تشكيل شرطة محلية من أبناء السويداء، وتفعيل إدارة محلية أكثر فاعلية، وإنشاء مجلس يمثل مكونات المحافظة، ووضع ترتيبات أمنية وإدارية انتقالية، على أن يبقى الهدف النهائي إعادة اندماج السويداء في مؤسسات الدولة السورية. وهنا تكمن أهمية هذه المقاربة؛ فهي لا تقترح إعادة عقارب الساعة إلى الوراء والعودة إلى مركزية تتحكم بكل تفاصيل حياة المحافظة، لكنها في الوقت نفسه لا تمنح غطاءً سياسيًا لمشروع تقسيم سوريا.

غير أن العقبة الكبرى تبدأ عندما يتحول الخلاف من المطالبة بضمانات وحقوق وصلاحيات محلية مشروعة إلى التشكيك في العلاقة مع الدولة السورية نفسها، فالخطاب الذي تبناه الشيخ حكمت الهجري والقوى القريبة منه وصل في بعض مراحله إلى الحديث عن تقرير المصير، بالتوازي مع تقارب واضح مع إسرائيل وظهور شعارات ورموز أثارت جدلًا واسعًا داخل سوريا وخارجها. وهنا يظهر قصور سياسي خطير، إذ لا يكفي أن يبدو مشروع الانفصال ممكنًا عسكريًا في لحظة معينة حتى يصبح ممكنًا سياسيًا واقتصاديًا ودوليًا. فلا واشنطن ولا عمّان ولا القوى الدولية الأساسية قدمت غطاءً واضحًا لإقامة دولة مستقلة في السويداء، ثم هناك السؤال الأكثر بساطة وواقعية: كيف ستعيش مثل هذه الدولة؟ فالسويداء محافظة داخلية محدودة الموارد، وأي دولة تحتاج إلى حدود ومعابر وطاقة وأسواق وموارد ومؤسسات واعتراف دولي وقدرة على حماية نفسها، ولذلك فإن رفع شعار الاستقلال أسهل بكثير من بناء دولة قابلة للحياة.

الأردن، من جانبه، يريد حدودًا مستقرة ووقف التهريب والفوضى ومنع موجة لجوء جديدة أو ظهور كيان هش على حدوده، بينما تبحث واشنطن عن استقرار مستدام للجنوب السوري ومنع اندلاع حرب سورية–إسرائيلية جديدة، بالتوازي مع إعادة ترتيب المشهد السوري سياسيًا واقتصاديًا. ولهذا فإن الدور الأمريكي لا يتوقف عند السويداء، بل يمتد إلى محاولة الوصول إلى ترتيبات أمنية أوسع بين سوريا وإسرائيل حول الجنوب السوري. أما إسرائيل فتقول إنها تريد حماية الدروز، ولا شك أن العلاقة بين دروز سوريا ودروز إسرائيل عامل حقيقي في حساباتها، لكن اختصار المشروع الإسرائيلي كله بعبارة «حماية الدروز» سيكون قراءة ناقصة، فإسرائيل تريد قبل كل شيء جنوبًا سوريًا لا توجد فيه قوة عسكرية تعتبرها تهديدًا لحدودها في الجولان ومستوطنات الشمال، ولهذا يبقى السؤال الأخطر: هل تريد إسرائيل حماية السويداء داخل سوريا، أم تريد جنوبًا سوريًا ضعيفًا ومجزأً يتحول عمليًا إلى منطقة عازلة؟ لا توجد حتى الآن قاعدة كافية للجزم بأن إسرائيل تتبنى رسميًا إقامة «دولة درزية»، لكن من الصعب أيضًا فصل تحركاتها في السويداء عن رؤيتها الأمنية الأوسع للجنوب السوري.

وأمام السويداء اليوم ثلاثة طرق؛ الأول هو العودة إلى مركزية كاملة تحت سلطة دمشق، وهذه قد تعيد إنتاج الأسباب التي أدت إلى الأزمة، وقد يصبح فرضها بالقوة مقدمة لمواجهة جديدة. والثاني هو الانفصال وإقامة كيان مستقل، وهي فكرة تواجه عقبات سياسية وجغرافية واقتصادية ودولية تجعل نجاحها بالغ الصعوبة. أما الطريق الثالث، وهو برأيي الأكثر واقعية وعقلانية، فيقوم على قاعدة واضحة: السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا، مقابل لامركزية إدارية موسعة وضمانات دستورية حقيقية، نسير من خلالها نحو اندماج تدريجي للقوى المسلحة وتسليم السلاح الثقيل والمفاصل الأمنية الحساسة للدولة، مقابل مشاركة أهل المحافظة وانتساب شبابها إلى الجيش والشرطة ومؤسسات الدولة، ومنحهم دورًا أساسيًا في إدارة مدينتهم وحمايتها بعيدًا عن المطامع والتدخلات الإسرائيلية في الجنوب السوري. وهنا يمكن أن يكون للعقيد سليمان عبد الباقي، بصفته أحد أبناء السويداء والفاعل في الملف الأمني للمحافظة، دور مهم في بناء هذه المعادلة، خصوصًا في إعادة تشكيل جهاز أمني محلي يعتمد بصورة أساسية على أبناء المحافظة، ولكنه يعمل في الوقت نفسه تحت مظلة الدولة السورية وضمن مؤسساتها الرسمية. فوجود شخصية محلية تعرف التركيبة الاجتماعية والعشائرية والسياسية للسويداء يمكن أن يساعد في بناء جسور الثقة بين دمشق وأهالي المحافظة، وفي استيعاب الشباب المحليين ضمن قوى الأمن والشرطة بدل تركهم في تشكيلات مسلحة متفرقة خارج مؤسسات الدولة. ومن هنا يمكن أن يتحول دور سليمان عبد الباقي من مجرد دور أمني إلى جزء من عملية مصالحة وإعادة اندماج أوسع، شرط أن يكون ذلك ضمن توافق محلي يحفظ كرامة جميع أبناء السويداء ولا يسمح بتحويل الأمن إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية.

هذه الصيغة تسمح لدمشق بالحفاظ على وحدة البلاد، ولأهل السويداء بإدارة شؤونهم وضمان أمنهم وخصوصيتهم، وللأردن بالحصول على حدود مستقرة، ولواشنطن بتجنب حرب جديدة، ويمكن أن توفر في الوقت ذاته ترتيبات أمنية تمنع تحول الجنوب السوري إلى ساحة صراع دائم مع إسرائيل. فالقضية في النهاية أكبر من السويداء، والسؤال الحقيقي الذي ستواجهه سوريا الجديدة هو: هل يمكن بناء دولة موحدة من دون العودة إلى المركزية الخانقة؟ وربما تكون السويداء أول اختبار حقيقي لهذه المعادلة، فالوحدة الوطنية لا تعني أن تتحكم العاصمة بكل تفصيل، واللامركزية لا تعني التقسيم، والخصوصية الاجتماعية لا تحتاج إلى دولة مستقلة كي تُحمى. تستطيع سوريا أن تكون دولة واحدة، بجيش واحد وسيادة واحدة وحدود واحدة، وفي الوقت نفسه تمنح محافظاتها صلاحيات حقيقية لإدارة شؤونها، ويبقى نجاح أي تسوية مرهونًا بمعادلة بسيطة وصعبة في آن واحد: أن يشعر ابن السويداء بأن كرامته وأمنه وخصوصيته مصانة داخل وطنه، وأن تدرك دمشق أن وحدة الأرض لا تكفي وحدها، فالوحدة الحقيقية تبدأ عندما يريد السوريون أنفسهم البقاء معًا. وبين المركزية والانفصال مساحة واسعة اسمها اللامركزية… وقد تكون هي الطريق الأقصر لإنقاذ السويداء والحفاظ على وحدة سوريا.