تدخل العلاقات السورية–الإماراتية مرحلة جديدة تتجاوز الإطار السياسي والدبلوماسي التقليدي، لتفتح الباب أمام مسار اقتصادي وتنموي يمكن أن يكون له أثر مهم في مستقبل سوريا. فخلال الأشهر الماضية تكثفت اللقاءات بين المسؤولين السوريين والإماراتيين، وتعددت الزيارات والاتصالات، ومن أبرز محطات هذا المسار، وفق ما أُعلن رسمياً، مشاركة الرئيس أحمد الشرع في قمة الإعلام العربي في دبي في أيلول/سبتمبر 2026، حيث تحدث أمام نخبة من المسؤولين والإعلاميين والخبراء عن مستقبل سوريا، وإمكاناتها الاقتصادية، وفرص الاستثمار فيها. كما التقى الرئيس الشرع خلال الزيارة عدداً من كبار المسؤولين الإماراتيين، وبحث الجانبان تعزيز التعاون الاقتصادي والتنموي.

والأهم أن هذا المسار لم يبقَ في مستوى الخطاب السياسي، بل بدأ يظهر في مشاريع استثمارية فعلية. ففي 5 تشرين الأول/أكتوبر 2026، وُقّع بحضور الرئيس الشرع اتفاق إطاري بين وزارتي الأشغال العامة والإسكان والسياحة وشركة «إيجل هيلز» الإماراتية لتطوير تجمعات عمرانية وسياحية في دمشق واللاذقية، من خلال مشروعي «تلال دمشق العقاري» و«اللاذقية السياحي».

وهنا تبدأ المسألة الأكثر أهمية: كيف ننتقل من الإعلان عن الاستثمار إلى أثر اقتصادي واجتماعي يلمسه المواطن؟

الإمارات كمدخل استثماري يتجاوز التمويل المباشر

يمكن قراءة الحضور الإماراتي في سوريا ضمن سياق أوسع من مجرد ضخ الأموال. فالإمارات راكمت خبرات ملحوظة في تطوير المدن والعقارات والسياحة والموانئ والخدمات اللوجستية والمناطق الاقتصادية، وهي قطاعات تحتاج إليها سوريا بشدة في مرحلة إعادة الإعمار والتعافي.

ومن الأمثلة القائمة بالفعل اتفاقية استثمار وتشغيل وتوسعة ميناء طرطوس مع شركة موانئ دبي العالمية بقيمة استثمارية معلنة تبلغ 800 مليون دولار، إضافة إلى ما أُعلن عن وصول معدات حديثة إلى المرفأ ضمن خطة التطوير والتحديث.

وهذا النوع من المشاريع مهم لأنه لا يضيف منشأة جديدة فقط، بل يمكن أن يعيد وصل سوريا بشبكات التجارة الإقليمية والدولية. وقد أشار الرئيس الشرع، في كلمته خلال قمة الإعلام العربي، إلى أهمية موقع سوريا الجغرافي والممرات التجارية، وإلى الربط بين ميناء طرطوس وميناء جبل علي، مع وجود مناقشات حول مزيد من الاستثمارات الإماراتية في سوريا.

كما أن التوجه الإماراتي–السوري لا يقتصر على العقارات والموانئ؛ فقد ناقش الجانبان في آب/أغسطس الماضي فرص التعاون في الاقتصاد الجديد والسياحة والضيافة والبنية التحتية وقطاعات اقتصادية أخرى.

لكن الاستثمار ليس غاية بحد ذاته

سوريا اليوم لا تحتاج إلى مشاريع جميلة فقط، ولا إلى أبراج ومجمعات سياحية بمعزل عن الاقتصاد الحقيقي.

هي تحتاج إلى استثمار منتج.

الاستثمار المنتج هو الذي يبني مصنعاً، ويخلق وظيفة، ويزيد الإنتاج، ويطور التصدير، ويوفر الطاقة، ويحسن النقل، ويخفض كلفة السكن، ويؤسس لسلسلة من المنشآت الصغيرة والمتوسطة حول المشروع الكبير.

ولهذا فإن مشروعاً عقارياً كبيراً يجب ألا يُقاس فقط بعدد الأبراج أو الوحدات السكنية التي سيبنيها، وإنما بعدد فرص العمل التي يخلقها، وحجم المكون المحلي فيه، ونسبة اعتماد المشروع على العمالة والخبرات السورية، وحجم الخدمات التي يوفرها، ومدى مساهمته في تنشيط قطاعات البناء والصناعة والنقل والخدمات.

وهنا يمكن الاستفادة من التصريحات التي أشادت بكفاءة اليد العاملة السورية، على أن تُترجم هذه الإشادة إلى فرص فعلية لإعادة إدماج السوريين في دورة الإنتاج: المطلوب أن تكون المشاريع القادمة منصة لإعادة إدماج الإنسان السوري في دورة الإنتاج، وليس مجرد سوق استهلاكية جديدة.

المواطن هو معيار نجاح المرحلة الاقتصادية

التحدي الأكبر أمام الاقتصاد السوري لا يتمثل فقط في جذب المستثمر، وإنما في جعل المواطن يشعر بنتيجة الاستثمار.

فالمواطن اليوم يريد أن يرى تحسناً في دخله، وفرص العمل، والكهرباء والمياه والطاقة، والسكن، والتعليم والصحة، والقدرة على الوصول إلى الغذاء والخدمات.

صحيح أن سوريا شهدت مؤشرات تحسن اقتصادي، وأن البنك الدولي يرصد إشارات إلى تعافٍ تدريجي، منها تحسن الاتصال الخارجي وارتفاع حركة الموانئ والطيران، وزيادة إنتاج النفط والغاز، وتراجع التضخم مقارنة بالعام السابق، مع تحسن تدريجي في سعر صرف الليرة منذ نهاية 2024. لكن البنك نفسه يؤكد أن الظروف القطاعية لا تزال متفاوتة وأن المخاطر مرتفعة، وأن التعافي ما زال معرضاً للصدمات الإقليمية.

وهنا يجب التفريق بين تحسن المؤشرات الكلية وتحسن مستوى معيشة المواطن.

قد يرتفع الاستثمار، وقد تتحسن الإيرادات، وقد يتحسن سعر الصرف، لكن ذلك لا يعني تلقائياً أن الأسرة السورية أصبحت قادرة على تلبية احتياجاتها.

لذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى معادلة واضحة:

استثمار + إنتاج + وظائف + خدمات + دخل = تعافٍ اقتصادي حقيقي.

مشكلة الرواتب لا تحل بزيادة الرواتب وحدها

رفع الأجور خطوة مهمة، وقد أعلنت الحكومة في آذار/مارس 2026 زيادة الرواتب والأجور العامة بنسبة 50 بالمئة، مع زيادات لقطاعات تخصصية.

لكن المشكلة أوسع من الرقم الاسمي للراتب.

إذا ارتفعت كلفة الكهرباء والطاقة والنقل والاتصالات والغذاء والسكن بوتيرة أسرع من ارتفاع الأجور، فإن الزيادة الاسمية لا تتحول بالضرورة إلى تحسن حقيقي في القوة الشرائية.

لذلك تحتاج السياسة الاقتصادية إلى العمل على مسارين متوازيين:

الأول: زيادة الدخول والأجور والحوافز والإنتاجية.

والثاني: خفض كلفة المعيشة من خلال زيادة الإنتاج وتحسين الخدمات والطاقة والنقل والمنافسة.

وهذا يعني أن الاستثمار الإماراتي والعربي والدولي يمكن أن يؤدي دوراً مهماً إذا وُجه جزء منه إلى القطاعات التي تخفض كلفة الاقتصاد نفسه: الطاقة، النقل، المياه، الزراعة، الصناعات الغذائية، الصناعات التحويلية، الخدمات اللوجستية، التكنولوجيا والاتصالات.

سوريا بحاجة إلى مساكن، ولا سيما مساكن ذات أسعار يمكن أن تتحملها الطبقة المتوسطة وذوو الدخل المحدود.

ولهذا فإن مشاريع المدن والتجمعات العمرانية يمكن أن تكون فرصة لمعالجة أزمة السكن، لكن بشرط وجود شرائح متنوعة من الوحدات السكنية، وعدم تحول التنمية العمرانية إلى مشاريع موجهة حصراً إلى الشرائح الأعلى دخلاً.

والمشروع الناجح هو الذي يربط السكن بالمدرسة والمركز الصحي والنقل والعمل والخدمات والمساحات العامة.

أي أننا لا نحتاج إلى «أبنية» فقط، بل إلى مجتمعات عمرانية متكاملة.

والمثال الآخر الذي يستحق الانتباه هو ما يُطرح في المدينة الصناعية بحسياء من تطوير للبنية التحتية الصناعية وإنشاء ضاحية سكنية متكاملة؛ لأن الربط بين الصناعة والسكن والخدمات يوفر نموذجاً أقرب إلى التنمية المتكاملة من المشروع المنفصل.

الاستثمار يحتاج إلى دولة قوية إدارياً

جذب المستثمر لا يتوقف على حجم الفرص المتاحة. المستثمر يريد أن يعرف:

كم يستغرق الترخيص؟

ما هي الضرائب؟

كيف يحصل على الأرض؟

كيف يحول الأموال؟

كيف يحمي استثماره؟

كيف يحل النزاع إذا وقع؟

ما هي ضمانات العقد؟

وما هي الجهة التي يراجعها عندما تواجهه مشكلة؟

ولهذا فإن تطوير الإدارة الحكومية لا يقل أهمية عن جذب المستثمر نفسه.

وقد ركز الحوار الوطني للقطاع الخاص الذي نظمته الحكومة السورية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي خلال 2026 على قضايا البيئة القانونية والتنظيمية والتمويل والضرائب والوصول إلى الأسواق والمهارات والوظائف والإصلاحات المطلوبة لجعل سوريا أكثر قابلية للاستثمار. كما جرى بحث قانون الاستثمار رقم 114 وآليات حماية المستثمر وتسهيل الإجراءات.

وهذه نقطة جوهرية: المستثمر يحتاج إلى دولة منظمة، والمواطن يحتاج إلى دولة قادرة، والاثنان يلتقيان في إصلاح الإدارة العامة.

من الاستثمار الخارجي إلى تمكين القطاع الخاص السوري

هناك خطر آخر يجب الانتباه إليه: ألا تتحول مرحلة إعادة الإعمار إلى اقتصاد يعتمد بصورة مفرطة على الشركات الخارجية بينما يبقى القطاع الخاص السوري ضعيفاً.

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يشير إلى أن القطاع الخاص السوري تضرر بشدة خلال سنوات الحرب، وأن إعادة تنشيطه تتطلب سياسات متماسكة وحوافز وبيئة تنظيمية تشجع الاستثمار والمنافسة العادلة.

لذلك يجب أن يكون لكل استثمار كبير برنامج واضح للتوريد المحلي، والتدريب، ونقل التكنولوجيا، وتمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة، وإشراك المستثمر السوري في الداخل والخارج.

وهنا تأتي أهمية دعوة المستثمرين السوريين في الداخل والاغتراب إلى العودة والمشاركة في بناء بلدهم، وهي الفكرة التي أكدها محمد العبار في حديثه حول تشجيع المستثمرين السوريين على الاستثمار في سوريا.

الأمم المتحدة والقطاع الخاص والدولة: مثلث التعافي

اللافت أن النقاش حول مستقبل الاقتصاد السوري لم يعد محصوراً بين الحكومة والمستثمر الأجنبي.

ففي 5 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بحثت هيئة الاستثمار السورية مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي دعم الأولويات التنموية والاستثمارية، وتطوير البيئة الاستثمارية، وحماية الصناعات السورية القائمة، ودعم المشاريع التنموية والمستدامة.

وهذا يمكن أن يشكل مساراً مهماً إذا تحول إلى قاعدة عمل:

الدولة تحدد الأولويات، والقطاع الخاص ينفذ ويستثمر، والمؤسسات الدولية توفر الخبرة والتمويل والدعم الفني والضمانات حيث يلزم.

وبذلك لا يصبح الاستثمار هدفاً بذاته، وإنما أداة لتنفيذ خطة وطنية للتعافي.

ماذا نريد من العلاقة السورية–الإماراتية؟

العلاقة الاقتصادية السورية–الإماراتية يمكن أن تتوسع من العقارات والسياحة إلى خمسة مسارات رئيسية:

ومن هنا يمكن أن تكون الإمارات إحدى بوابات سوريا إلى شبكة أوسع من رأس المال والخبرة والأسواق العربية والعالمية، وليس مجرد مستثمر منفرد.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد توقيع الاتفاق

سوريا اليوم أمام فرصة، ولكن الفرصة ليست ضمانة.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد توقيع الاتفاقيات: كم مشروعاً سينفذ؟ كم وظيفة سيخلق؟ كم مصنعاً سيعمل؟ كم ميغاواطاً إضافياً ستنتج؟ كم وحدة سكنية ميسرة ستبنى؟ كم شركة سورية ستدخل في سلاسل التوريد؟ وكم سيزداد الإنتاج والصادرات؟

هذه هي الأسئلة التي يجب أن تصبح جزءاً من الخطاب الاقتصادي الجديد.

فالنجاح لا يقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما بعدد المشاريع التي انتقلت إلى التنفيذ، ولا بعدد المشاريع المنفذة فقط، وإنما بما تركته من أثر على حياة الناس.

سوريا تبحث اليوم عن إعادة إعمار حقيقية، وعن اقتصاد قادر على خلق فرص العمل، وعن قطاع خاص قوي، وعن إدارة حكومية أكثر كفاءة، وعن كهرباء ومياه وطاقة وخدمات مستقرة، وعن سكن مناسب، وعن قوة شرائية أفضل.

ومن هنا فإن العلاقة السورية–الإماراتية يمكن النظر إليها كجزء من مسار عربي أوسع لإعادة دمج سوريا في محيطها الاقتصادي، بالتوازي مع علاقاتها الخليجية والعربية والدولية.

لكن الهدف النهائي يجب أن يبقى واضحاً:

أن تتحول سوريا من بلد يبحث عن تمويل لإعادة الإعمار إلى بلد ينتج ويستثمر ويصدر ويخلق فرص العمل.

وهنا تحديداً يصبح الاستثمار الإماراتي والعربي والدولي ليس مجرد رأس مال يدخل سوريا، بل جزءاً من عملية بناء اقتصاد سوري جديد، يكون فيه المواطن هو المستفيد النهائي من النمو، وتكون الدولة هي المنظم والضامن، ويكون القطاع الخاص شريكاً في الإنتاج والتنمية، وتكون المشاريع الكبرى نقطة انطلاق لسلاسل واسعة من فرص العمل والإنتاج.

فإذا نجحت سوريا في تحويل الاتفاقيات إلى مشاريع، والمشاريع إلى إنتاج، والإنتاج إلى وظائف، والوظائف إلى دخل، والدخل إلى تحسن في مستوى المعيشة، عندها فقط يمكن القول إن مرحلة التعافي بدأت تتحول إلى نهضة اقتصادية حقيقية.