هاجم الكثيرون من أصدقائي المثقفين النائب أحمد إسماعيل على الطرح الذي قدّمه في إحدى جلسات مجلس الشعب بما يتعلق بتعنيف الطلاب في المدارس، معتبرًا أن غياب العقاب الجسدي سيؤدي إلى إفساد المسيرة التربوية للطلاب، وأن ضبط العملية التدريسية سيصبح شبه مستحيل.

وبالرغم من شدة استهجاني لهذا الطرح، إلا أنني وبعد أن قلّبت الموضوع في مخيلتي قليلًا، توصلت إلى رأي مختلف تمامًا. أعتقد أن الهجوم عليه ليس له أي مبرر، بل إنني أريد أن أشكر السيد إسماعيل على مداخلته، لأنه طرح مسألة يعتقد كثيرون منا أنها أصبحت من غياهب الماضي، لكنها في الواقع ما زالت تعيش وتحيا وتنتعش بين السكان، وخاصة في حاضنتها الأساسية، وهي في أغلب الظن الأرياف والمناطق النائية. وهذا الطرح هو أحد أهم أوجه حرية التعبير داخل البرلمان، حيث نستطيع أن نكتشف من خلاله بواطن الخلل في العملية التربوية وفي المجتمع، وفي أي قضية تُطرح للنقاش.

والحقيقة أن ما طرحه السيد إسماعيل له جذور عميقة ومتأصلة في المجتمعات الذكورية، وخاصة الشرقية منها، وهو ما يتعلق بالعنف الجسدي الموجّه خصوصًا نحو الأطفال والنساء. ويجب أن يُناقَش هذا الأمر علنًا في البرلمان وفي مراكز الدراسات الاجتماعية والتربوية، وأن يُسلَّط الضوء على هذه القضايا الهامة جدًا المتعلقة بحقوق حماية الطفل وحقوق المرأة بشكل عام، كي لا تتحول من قضايا مغيّبة إلى حقوق ضائعة، خاصة أننا نعيش فترة تحضيرية لإعداد اللجان المسؤولة عن صياغة الدستور قبل التصويت على نسخته الأولى.

هنا أود أن أسلّط الضوء على ما جاء في أغلب الدراسات الحديثة حول موضوع العقاب الجسدي لدى الأطفال في المدارس. فهناك دراسات تحليل تلوي (meta-analyses) كبيرة، أبرزها دراسة إليزابيث غيرشوف (Gershoff) التي راجعت عشرات الدراسات، ووجدت ارتباطًا بين العقاب الجسدي وزيادة العدوانية والقلق والاكتئاب وضعف الأداء الأكاديمي على المدى الطويل. كما أن منظمة الصحة العالمية واليونيسف تدعمان هذا الاتجاه، وتربطان العقاب البدني بتراجع الصحة النفسية للطفل وزيادة سلوكه العدواني لاحقًا. وهناك الكثير من أبحاث علم الأعصاب التي أشارت إلى أن التعرض المتكرر للعقاب الجسدي قد يرتبط بتغيرات في مناطق دماغية متعلقة بالتنظيم العاطفي.

لذلك، علينا أن نقارب هذا الموضوع بشكل عقلاني ومنطقي، فنُظهر الفرق بين التأثير قصير المدى أو المرئي، وهو السيطرة على الطالب/الطالبة وإيقاف السلوك السلبي الذي قد يبدو مفيدًا لبرهة قصيرة، وبين الأثر طويل المدى الذي غالبًا ما يكون سلبيًا، ويظهر في تراجع الثقة بين الطالب والمعلم، وزيادة احتمال التغيب عن المدرسة، وحتى في عدائية فائقة تجاه المحيط.

أما بالنسبة للجانب الديني، فإن الرسول الكريم لم يؤذِ يومًا أحدًا من المقربين إليه أو من محيطه المباشر، ولا حتى من الخدم والغلمان الذين عملوا عنده. لذلك أعتقد أنه من الأجدى أن نتبع الطرق العلمية المدروسة والمثبتة كي لا نقع في المحظور.