زيارة رئيس إقليم كردستان العراق إلى دمشق.. بين إعادة رسم العلاقات السورية–العراقية وصعود دبلوماسية أربيل في مرحلة التحولات الإقليمية
تأتي زيارة رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني إلى العاصمة السورية دمشق في لحظة سياسية استثنائية، تشهد فيها المنطقة إعادة تشكيل لخريطة العلاقات الإقليمية، وتتحول فيها سوريا تدريجياً من دولة منشغلة بإدارة أزماتها الداخلية إلى دولة تستعيد حضورها السياسي والدبلوماسي والاقتصادي.
ولا تقتصر أهمية الزيارة على كونها أول زيارة بهذا المستوى بعد التحولات التي شهدتها سوريا، بل تكمن أيضاً في توقيتها، الذي جاء بينما لا تزال الحكومة الاتحادية في بغداد تتحرك بوتيرة أكثر حذراً في تطوير علاقاتها مع دمشق، الأمر الذي يمنح هذه الزيارة أبعاداً سياسية تتجاوز العلاقات الثنائية لتفتح الباب أمام قراءة جديدة للتوازنات داخل العراق نفسه.
أولاً: أربيل تتحرك بسرعة… وبغداد تراقب بحذر
تكشف الزيارة عن وجود اختلاف واضح في إيقاع الانفتاح العراقي على سوريا.
فإقليم كردستان، بقيادة نيجيرفان بارزاني، اختار الانخراط المباشر في الحوار مع دمشق، انطلاقاً من قناعة بأن استقرار سوريا يمثل جزءاً من استقرار الإقليم والعراق، وأن المصالح الاقتصادية والأمنية تفرض بناء علاقة مباشرة مع القيادة السورية.
في المقابل، تبدو الحكومة الاتحادية في بغداد أكثر حذراً في إدارة هذا الملف، نتيجة اعتبارات داخلية معقدة، تتعلق بتوازناتها السياسية، وتشابك علاقاتها الإقليمية والدولية، وحساباتها المرتبطة بالسياسة الداخلية العراقية.
ولا يعني هذا وجود تنافس بين بغداد وأربيل في الملف السوري، بقدر ما يعكس اختلافاً في سرعة الحركة وأسلوب إدارة العلاقات الخارجية، حيث تتحرك أربيل بمرونة أكبر، بينما تميل بغداد إلى اتباع خطوات أكثر تدرجاً.

ثانياً: لماذا كانت أربيل الأسرع؟
يمكن تفسير سرعة التقارب بين أربيل ودمشق بعدة عوامل.
أولها، إدراك قيادة الإقليم أن استقرار شمال وشرق سوريا ينعكس مباشرة على أمن إقليم كردستان.
وثانيها، امتلاك نيجيرفان بارزاني شبكة واسعة من العلاقات مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، ما يمنحه مساحة للتحرك السياسي.
وثالثها، وجود مصالح اقتصادية وتجارية مباشرة بين الإقليم وسوريا، تجعل من تطوير العلاقات أولوية عملية، وليس مجرد خيار سياسي.
كما أن القيادة في أربيل تدرك أن نجاح الحوار بين دمشق و”قسد” سينعكس إيجاباً على الاستقرار الإقليمي، ويخفف من حدة التوترات التي أثرت لسنوات في المناطق الحدودية.
ثالثاً: ماذا يعني ذلك لبغداد؟
زيارة بارزاني قد تشكل حافزاً للحكومة الاتحادية لتسريع مسار تطوير العلاقات مع دمشق.
فالعراق وسوريا يواجهان تحديات مشتركة تتعلق بالأمن، والإرهاب، والمياه، والطاقة، والحدود، والتجارة، وإعادة الإعمار، وهي ملفات تتطلب مستوى أعلى من التنسيق المباشر.
ومن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة زيادة في اللقاءات الرسمية بين بغداد ودمشق، بما يعزز التكامل بين العاصمتين، ويمنع وجود أي فجوة في إدارة الملفات المشتركة.
فالاستقرار السوري يمثل مصلحة وطنية عراقية، تماماً كما أن استقرار العراق يمثل مصلحة استراتيجية لسوريا.
رابعاً: دمشق تتعامل مع العراق بوصفه دولة واحدة
ورغم أهمية الانفتاح على أربيل، فإن السياسة السورية تؤكد باستمرار احترامها لوحدة العراق وسيادته، والتعامل مع الحكومة الاتحادية في بغداد باعتبارها المرجعية الرسمية للعلاقات الثنائية.
وفي الوقت نفسه، تنظر دمشق إلى إقليم كردستان باعتباره شريكاً مهماً في مجالات الاقتصاد والاستثمار والتعليم والثقافة والتعاون الحدودي، وهو ما يعكس سياسة سورية تقوم على توسيع دوائر التعاون دون المساس بالثوابت السيادية.

خامساً: زيارة ترتبط بمسار دمج “قسد”
لا يمكن فصل زيارة بارزاني عن التطورات المتعلقة بالحوار بين الدولة السورية و”قسد”.
فإقليم كردستان يمتلك علاقات تاريخية مع القوى الكردية في سوريا، ويمكن أن يؤدي دوراً إيجابياً في تقريب وجهات النظر، وتسهيل تنفيذ الاتفاقات، ودعم عملية الاندماج ضمن مؤسسات الدولة السورية.
ومع التقدم الذي أُعلن عنه في ملفات دمج الألوية العسكرية، وتسليم معظم المنشآت النفطية للدولة، فإن فرص الوصول إلى تسوية أكثر استقراراً أصبحت أكبر من أي وقت مضى.
سادساً: الاقتصاد… نقطة الالتقاء الكبرى
يمثل الاقتصاد القاسم المشترك الأهم بين دمشق وأربيل وبغداد.
فإعادة فتح المعابر، وتطوير شبكات النقل، وتسهيل حركة التجارة، وإنشاء مناطق لوجستية وصناعية مشتركة، كلها مشاريع يمكن أن تحقق مكاسب كبيرة لجميع الأطراف.
كما يمكن أن تصبح سوريا منفذاً استراتيجياً لصادرات العراق وإقليم كردستان نحو البحر المتوسط، في حين يستفيد الاقتصاد السوري من حركة الترانزيت والاستثمارات المشتركة.
سابعاً: الطاقة… مشروع المستقبل
قد يكون ملف الطاقة هو الأكثر أهمية خلال السنوات المقبلة.
فالعراق وإقليم كردستان يمتلكان احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، بينما تمتلك سوريا موقعاً جغرافياً يجعلها ممراً استراتيجياً نحو المتوسط.
ومن هنا، يمكن التفكير في مشاريع مستقبلية تشمل خطوط نقل النفط والغاز، والربط الكهربائي، وتطوير شبكات الطاقة الإقليمية، بما يحول المنطقة من ساحة تنافس إلى مركز للتكامل الاقتصادي.
ثامناً: السوريون في أربيل… جسر للعلاقات
يعيش في إقليم كردستان عدد كبير من السوريين الذين أسهموا في النشاط الاقتصادي والتجاري والثقافي.
لذلك، فإن إعادة افتتاح القنصلية السورية في أربيل ستكون خطوة استراتيجية، ليس فقط لتقديم الخدمات القنصلية، وإنما لتعزيز التواصل مع الجالية السورية، وتشجيع الاستثمار، وتنظيم أوضاع المقيمين، وفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والثقافي.
كما ستسهم في تسهيل حركة رجال الأعمال والطلاب والباحثين، وتعزيز العلاقات الشعبية بين المجتمعين.
تاسعاً: البعد الإقليمي والدولي
تؤكد هذه الزيارة أن سوريا أصبحت مجدداً جزءاً من معادلات الشرق الأوسط، وأن القوى الإقليمية باتت تتعامل معها باعتبارها شريكاً في بناء الاستقرار، وليس مجرد ساحة للأزمات.
كما تعكس قدرة دمشق على إدارة علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، سواء مع بغداد أو أربيل، أو مع الدول العربية، أو مع تركيا، أو مع القوى الدولية، وهو ما يمنحها مساحة أوسع للمناورة السياسية.
◆
رؤية مستقبلية
تشير المؤشرات إلى أن العلاقات السورية مع العراق ستدخل مرحلة جديدة أكثر عمقاً، تقوم على التكامل الاقتصادي، والتنسيق الأمني، والشراكة التنموية.
وقد تكون أربيل قد سبقت بغداد بخطوة في الانفتاح السياسي على دمشق، إلا أن مستقبل العلاقة لن يكون قائماً على التنافس بين العاصمتين، بل على تكامل الأدوار بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان، بما يخدم استقرار العراق وسوريا والمنطقة.
أما بالنسبة لدمشق، فإن نجاحها في إدارة هذه العلاقات المتوازنة، واستكمال دمج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة، وتعزيز التعاون مع كل من بغداد وأربيل، سيجعلها لاعباً محورياً في مشروع إقليمي جديد يقوم على الأمن المشترك، والتنمية الاقتصادية، وربط شبكات التجارة والطاقة، وتحويل الجغرافيا من خطوط تماس إلى جسور للتعاون والازدهار..
لم تعد العلاقات السورية العراقية مجرد مسار ثنائي يهدف إلى تطوير التعاون السياسي أو الأمني أو الاقتصادي بين بلدين جارين، بل باتت تمثل حجر الزاوية في عملية إعادة تشكيل المشرق العربي، وبوابة لإنتاج نظام إقليمي جديد يقوم على الاستثمار والتكامل الاقتصادي والاستقرار، بعد عقود هيمنت فيها الصراعات والانقسامات على المنطقة. فالتحولات التي تشهدها دمشق وبغداد، بالتزامن مع انفتاح عربي متزايد، وإعادة رسم أولويات القوى الإقليمية والدولية، تجعل من نجاح الشراكة السورية العراقية عاملاً حاسماً في رسم مستقبل الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
سوريا والعراق… العقدة الجغرافية التي يعبر منها مستقبل المنطقة
يمثل البلدان قلب المشرق العربي وجسر العبور الطبيعي بين الخليج العربي والبحر المتوسط. ولذلك فإن أي مشروع اقتصادي أو لوجستي أو استثماري كبير في المنطقة لا يمكن أن يحقق أهدافه الكاملة دون شراكة سورية عراقية مستقرة.
فإذا نجح البلدان في بناء منظومة متكاملة للنقل والطاقة والاستثمار، فإنهما لن يحققا مكاسب وطنية فحسب، بل سيؤسسان لممر اقتصادي جديد يربط الخليج ببلاد الشام ثم بالبحر المتوسط وأوروبا، وهو ما يجعل استقرار سوريا والعراق مصلحة إقليمية ودولية في آن واحد.
ولهذا لم تعد العلاقة بين دمشق وبغداد قضية ثنائية، بل أصبحت نقطة ارتكاز لإعادة تنظيم الاقتصاد الإقليمي بأكمله.
الخليج… الشريك الذي ينتظر نجاح التجربة
تدرك دول الخليج أن استقرار العراق وسوريا يفتح أمامها فرصاً استثمارية ضخمة، ولذلك فإن نجاح العلاقات السورية العراقية سيشجع العواصم الخليجية على توسيع استثماراتها في مشاريع الطاقة والبنية التحتية والموانئ والربط الكهربائي والنقل.
وليس من قبيل المصادفة أن تتزامن مشاريع الربط اللوجستي الإماراتية مع الانفتاح السوري العراقي، إذ يشكل الممر الذي يربط موانئ الإمارات بميناء أم قصر العراقي، ثم بالأراضي السورية وصولاً إلى موانئ البحر المتوسط، نموذجاً واضحاً لما يمكن أن تكون عليه المنطقة خلال العقد المقبل.
إن تخفيف الإجراءات الجمركية، وتطوير المعابر، وربط الموانئ بالطرق والسكك الحديدية، كلها خطوات تؤسس لسوق إقليمية مترابطة تتجاوز الحدود السياسية التقليدية.
العراق… العودة إلى عمقه العربي
تشكل الشراكة مع سوريا إحدى بوابات العراق لاستعادة دوره العربي، ليس من خلال الخطاب السياسي فقط، وإنما عبر الاقتصاد والاستثمار والمشاريع المشتركة.
فالعراق، الذي يشهد اليوم مساراً إصلاحياً واسعاً في مؤسسات الدولة، وحملة لمكافحة الفساد، وإعادة هيكلة اقتصاده، يحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة تسمح بتحويل موقعه الجغرافي إلى مركز لوجستي بين الخليج وآسيا وأوروبا.
ومن هنا، فإن نجاح العلاقة مع دمشق يمنح بغداد فرصة للتحول إلى محور اقتصادي إقليمي، ويعزز اندماجها في المنظومة العربية الجديدة.
سوريا… بوابة المتوسط
في المقابل، تستعيد سوريا تدريجياً موقعها الطبيعي كبوابة للبحر المتوسط، بما تمتلكه من مرافئ وشبكات نقل وموقع جغرافي يجعلها نقطة النهاية الطبيعية للممرات التجارية القادمة من الخليج والعراق.
وتزداد أهمية المرافئ السورية في ظل التوجه الدولي نحو تنويع طرق التجارة العالمية، وتقليل الاعتماد على المسارات التقليدية، الأمر الذي يمنح موانئ اللاذقية وطرطوس دوراً استراتيجياً متجدداً، خاصة إذا تكاملت مع مشاريع النقل العراقية والخليجية.
كما أن لبنان سيكون أحد المستفيدين من هذا التحول، عبر تكامل مرافئه مع الموانئ السورية، بما يعزز حركة التجارة والخدمات اللوجستية في شرق البحر المتوسط.
تركيا والأردن… شركاء في معادلة الاستقرار
لا تقتصر آثار هذا التقارب على سوريا والعراق، بل تمتد إلى الأردن وتركيا، اللذين يبحثان عن توسيع شبكات التجارة والاستثمار.
فالأردن يرى في استقرار المشرق فرصة لتعزيز دوره كمركز لوجستي إقليمي، بينما تنظر تركيا إلى سوريا والعراق باعتبارهما الامتداد الطبيعي لأمنها القومي، وبوابة أساسية لتوسيع تجارتها مع العالم العربي والخليج.
ومن هذا المنطلق، فإن نجاح العلاقات السورية العراقية سيفتح المجال أمام بناء مجال اقتصادي يمتد من أنقرة إلى الخليج مروراً بدمشق وبغداد وعمان وبيروت.
ماذا عن إيران؟
يبقى السؤال الأهم: كيف ستتعامل إيران مع هذه التحولات؟
فإيران تجد نفسها أمام واقع إقليمي مختلف، خاصة بعد المتغيرات السياسية والعسكرية الأخيرة، وما رافقها من محاولات لخفض التوتر مع الولايات المتحدة وإعادة ترتيب أولوياتها.
وقد يكون أمام طهران خياران؛ إما التكيف مع النظام الإقليمي الجديد، والانخراط في مشاريع التنمية والربط الاقتصادي، مستفيدة من موقعها كحلقة وصل بين آسيا الوسطى والخليج، أو الاستمرار في النظر إلى المنطقة بمنطق النفوذ والصراع، وهو ما قد يضعها في مواجهة مع مسار اقتصادي يحظى بدعم عربي ودولي متزايد.
كما أن أي تقارب اقتصادي سوري عراقي قد يفتح مستقبلاً المجال أمام اندماج أوسع مع مشاريع الربط الآسيوية، وفي مقدمتها مبادرة الحزام والطريق الصينية، التي ترى في العراق وسوريا ممراً طبيعياً نحو البحر المتوسط.
إسرائيل… الاستثناء في المشهد
في مقابل هذا الاتجاه نحو التكامل، تبدو إسرائيل الطرف الأقل حماسة لنجاح منظومة اقتصادية عربية مترابطة، إذ إن قيام ممرات تجارية وطاقة تنافسية تربط الخليج بالمتوسط عبر سوريا والعراق قد يقلل من أهمية المسارات البديلة التي تسعى تل أبيب إلى ترسيخها.
ولهذا ينظر كثير من المحللين إلى أن استمرار التصعيد الإسرائيلي في بعض مناطق الإقليم لا ينفصل عن محاولة التأثير في البيئة الأمنية التي تحتاجها مشاريع التكامل الاقتصادي الكبرى.
توافق مع الرؤية الدولية
ويتقاطع هذا المسار مع توجهات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، اللذين يركزان على دعم الاستقرار الاقتصادي، وتشجيع الشراكات الإقليمية، وتأمين سلاسل الإمداد، وتنويع طرق التجارة والطاقة، باعتبارها أدوات أكثر فاعلية لتحقيق الاستقرار من الصراعات المفتوحة.
ومن هنا، فإن نجاح العلاقات السورية العراقية قد يتحول إلى نموذج يحظى بدعم دولي، لأنه ينسجم مع رؤية تقوم على التنمية الاقتصادية، والاستثمار، والربط الإقليمي، بدلاً من إدارة الأزمات المستمرة.
مفتاح الشرق الأوسط الجديد
ربما لا يكون من المبالغة القول إن مستقبل المشرق العربي يبدأ من دمشق وبغداد. فنجاح الشراكة السورية العراقية لن يعيد بناء العلاقة بين دولتين جارتين فحسب، بل قد يؤسس لفضاء اقتصادي جديد يمتد من الخليج إلى البحر المتوسط، وتندمج فيه سوريا والعراق والأردن ولبنان وتركيا، مع انفتاح متزايد من دول الخليج وشركاء دوليين.
ولذلك، فإن مجلس التنسيق الاستراتيجي الذي يتجه البلدان إلى ترسيخه لا يمثل إطاراً ثنائياً فحسب، بل قد يكون النواة الأولى لنظام إقليمي جديد، عنوانه الاستثمار والتكامل والازدهار، بدلاً من الاستقطاب والصراع.
فإذا نجحت دمشق وبغداد في تحويل الإرادة السياسية إلى مشاريع عملية، فإن العلاقة السورية العراقية لن تكون مجرد قصة نجاح ثنائية، بل ستكون المفتاح الذي يعيد ترتيب التوازنات الاقتصادية في المشرق، ويطلق مرحلة جديدة عنوانها التنمية والاستقرار والشراكات الإقليمية المستدامة.