لم تعد التحركات الدبلوماسية السورية باتجاه العواصم الخليجية مجرد محاولة لاستعادة العلاقات العربية بعد سقوط النظام السابق، بل أصبحت مؤشراً على سعي دمشق إلى تثبيت موقع جديد في معادلات الأمن الإقليمي، في لحظة تشهد فيها المنطقة تحولات استراتيجية عميقة، في ظل التصعيد العسكري المرتبط بالمواجهة مع إيران، والانخراط الأمريكي في حماية المصالح والممرات الإقليمية، والتهديدات التي طالت أمن الخليج والممرات البحرية، وتزايد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة.

وتكتسب لقاءات وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في قطر والسعودية، والتحركات الدبلوماسية تجاه دول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات والكويت والبحرين، أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية، لتطرح سؤالاً جوهرياً: هل تستطيع سوريا الجديدة أن تتحول من ساحة للصراعات الإقليمية إلى شريك في حماية الاستقرار العربي، وأن توظف خروجها من المحور الإيراني لبناء توازنات جديدة تخدم مصالحها ومصالح دول الخليج؟

وخلال تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أجرى الشيباني سلسلة لقاءات في الدوحة والرياض والمنامة تناولت تعزيز التعاون والتشاور بشأن التطورات الإقليمية. كما شهدت العلاقات السورية الإماراتية اتصالات على مستوى وزيري الخارجية تناولت تعزيز التعاون والحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها.

من التحالف الإيراني إلى الشراكة العربية: ماذا تغير في الدور السوري؟

على مدى عقود، ارتبطت السياسة الخارجية السورية في عهد النظام البائد بعلاقة استراتيجية مع إيران، بدأت منذ السبعينات لتصبح سوريا إحدى أهم ساحات النفوذ الإيراني في المنطقة.

وفي الوقت نفسه، حافظ النظام السابق على قنوات دبلوماسية مع دول الخليج، وشهدت علاقاته بها مراحل من التقارب والتفاهم، وأخرى من التوتر والقطيعة. لكن هذه العلاقات لم تعنِ أن دمشق كانت ضامناً لأمن الخليج من التهديدات الإيرانية؛ إذ ظل التحالف السوري الإيراني جزءاً أساسياً من المعادلة التي أثارت مخاوف عدد من الدول العربية.

أما اليوم، ويبدو أن سقوط النظام السابق أسهم في إحداث تغير جوهري في موقع سوريا ضمن هذه المعادلة. فدمشق لم تعد تتحرك ضمن الإطار الاستراتيجي نفسه الذي ربطها بطهران، وأصبحت أمام فرصة لإعادة بناء سياستها الخارجية انطلاقاً من المصالح الوطنية، وتوسيع الشراكات العربية، واستعادة استقلالية القرار السياسي.

وهنا تكمن المفارقة: النظام السابق كان جزءاً من شبكة التحالفات الإقليمية المرتبطة بإيران، لكنه حافظ في الوقت نفسه على علاقات دبلوماسية مع بعض دول الخليج؛ أما سوريا الجديدة، فتسعى إلى بناء علاقاتها الخليجية على أساس شراكة مباشرة لا تتطلب المرور عبر تفاهماتها السابقة مع طهران.

ومع ذلك، لا يصح القول إن خروج سوريا من المحور الإيراني هو الذي منع الحرب بين إيران والخليج؛ فالمواجهة الإقليمية لها أسباب متعددة، تتصل بالحسابات العسكرية والسياسية والنووية وأمن الملاحة. الأدق أن التحول السوري أزال أحد مكونات النفوذ الإيراني الإقليمي، وفتح أمام دول الخليج فرصة للتعامل مع دمشق بوصفها شريكاً محتملاً في ترتيبات الاستقرار، بدلاً من كونها امتداداً للتحالف السابق.

كيف تنظر واشنطن إلى الدور السوري الجديد؟

من المنظور الأمريكي، تكتسب سوريا أهميتها من قدرتها المحتملة على الإسهام في الحد من النفوذ الإيراني، ومنع عودة استخدام الأراضي السورية ممراً لنقل السلاح أو منصة لتهديد دول المنطقة، إلى جانب مكافحة التنظيمات المتطرفة وتعزيز الاستقرار.

وتشير بعض المؤشرات السياسية إلى انخراط أمريكي أوسع مع القيادة السورية الجديدة، مع حديث عن تخفيف بعض القيود وفتح قنوات للتعاون السياسي والأمني. لكن واشنطن تراقب أيضاً قدرة الحكومة السورية على تثبيت مؤسسات الدولة، وضبط الحدود، والتعامل مع التحديات الأمنية الداخلية والإقليمية.

وبناءً على ذلك، يمكن أن ترى الولايات المتحدة في تعزيز العلاقات السورية الخليجية فرصة لتحقيق عدة أهداف: تخفيف اعتماد دمشق على إيران، وتشجيع دول الخليج على الاستثمار في استقرار سوريا، وتوسيع التعاون الإقليمي في مواجهة التهديدات العابرة للحدود.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن واشنطن تريد تحويل سوريا إلى طرف في مواجهة عسكرية مفتوحة مع طهران. فالمصلحة الأمريكية قد تتقاطع أيضاً مع تجنب اتساع الحرب، وحماية الملاحة، ومنع انتقال الصراع إلى ساحات جديدة.

ومن هنا، فإن قيمة سوريا بالنسبة إلى واشنطن لا تكمن فقط في ابتعادها عن إيران، بل في قدرتها على أن تصبح دولة مستقرة، ذات مؤسسات فاعلة، وعلاقات عربية واسعة، وسياسة خارجية يمكن التنبؤ بها.

فواشنطن قد تستفيد من التحول السوري في تقليص النفوذ الإيراني، لكنها ستقيّم نجاحه أيضاً بمدى إسهامه في الاستقرار، لا بمجرد انتقال دمشق من تحالف سابق إلى خصومة جديدة.

ماذا تريد دول الخليج من سوريا الجديدة؟

تحتاج دول الخليج إلى أكثر من مجرد تحسن العلاقات الدبلوماسية مع دمشق. فهي تبحث عن بيئة إقليمية أقل اضطراباً، وعن شركاء قادرين على حماية المصالح المشتركة، ومنع استخدام أراضيهم أو أراضي الدول المجاورة في تهديد الأمن الإقليمي.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الاهتمام الخليجي بسوريا الجديدة عبر ثلاثة مستويات:

أولاً: المستوى الأمني.

تريد دول الخليج سوريا مستقرة لا تُستخدم أراضيها لتهديد أمن الدول العربية، ولا تكون ممراً لشبكات التهريب أو السلاح أو الأنشطة التي تزيد من هشاشة المنطقة. ويمكن لدمشق أن تسهم في ذلك من خلال تعزيز مؤسسات الدولة، وضبط الحدود، وتطوير التعاون الأمني والدبلوماسي.

ثانياً: المستوى السياسي.

تحتاج المنطقة إلى قنوات إضافية للحوار والتنسيق، خصوصاً عندما تتصاعد المواجهات وتصبح احتمالات الخطأ في الحسابات العسكرية أكثر خطورة. ويمكن لسوريا، بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتنامية، أن تدعم المواقف العربية المشتركة في قضايا السيادة ورفض الاعتداءات وخفض التصعيد.

ثالثاً: المستوى الاقتصادي.

يمثل استقرار سوريا مصلحة خليجية، لأن إعادة إعمارها وتنشيط اقتصادها يفتحان المجال أمام الاستثمارات والتجارة ومشاريع النقل والطاقة والربط الإقليمي. وكلما أصبحت سوريا أكثر استقراراً وقدرة على إدارة مؤسساتها، ازدادت فرص تحويل التقارب السياسي إلى مصالح اقتصادية متبادلة.

وعليه، فإن دول الخليج لا تحتاج إلى سوريا بوصفها طرفاً إضافياً في محور مضاد لإيران، بقدر ما تحتاج إليها دولةً عربية مستقرة، قادرة على حماية سيادتها، والوفاء بالتزاماتها، والإسهام في منع انتقال الأزمات إلى بقية المنطقة.

دبلوماسية التوازن: كيف تحافظ دمشق على استقلال قرارها؟

التحدي الأكبر أمام الدبلوماسية السورية الجديدة هو تجنب الوقوع في معادلة الاستبدال: الخروج من محور إقليمي للدخول في محور آخر، من دون امتلاك قرار مستقل أو رؤية وطنية طويلة الأمد.

فالتقارب مع دول الخليج قد يتحول، إذا اتخذ طابعاً تلقائياً في جميع الملفات، إلى عامل يضعف استقلالية القرار السوري، كما أن إعادة تقييم العلاقة مع إيران لا تعني أن السياسة السورية يجب أن تقوم على العداء الدائم معها.

إن دبلوماسية التوازن تعني بناء علاقات قوية مع الدول العربية، وتوسيع التعاون مع الولايات المتحدة وتركيا وأوروبا، وإدارة الخلافات مع إيران على أساس المصالح الوطنية والسيادة والأمن، من دون السماح لأي طرف باستخدام سوريا للإضرار بجيرانها.

ولا يعني هذا التوازن الوقوف على مسافة واحدة من جميع المواقف، أو تجاهل الاعتداءات والتهديدات، بل يعني اتخاذ قرارات مستقلة تستند إلى طبيعة كل قضية، وتمنع تحول سوريا إلى ساحة مواجهة بالوكالة.

وفي ظل التوترات المحيطة بمضيق هرمز وباب المندب، تستطيع دمشق دعم الجهود الدبلوماسية لحماية الملاحة والتجارة، والتنسيق مع الدول العربية لاحتواء التصعيد، من دون الادعاء بأنها تمتلك وحدها أدوات التأثير في هذه الملفات.

وهنا تبرز أهمية الزيارات واللقاءات الأخيرة: فهي تمنح سوريا فرصة لبناء الثقة، وتبادل التقديرات السياسية، وتطوير آليات تعاون يمكن أن تساعد في منع الأزمات قبل تحولها إلى مواجهات أوسع.

الخلاصة: سوريا شريك في الاستقرار لا أداة في الصراع

تكشف التحركات الدبلوماسية السورية نحو الخليج عن فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين دمشق والعواصم العربية على أسس جديدة، تقوم على المصالح المشتركة، واحترام السيادة، والتعاون الأمني والاقتصادي، والعمل على خفض التوترات.

لقد غيّر سقوط النظام السابق موقع سوريا في التوازنات الإقليمية، وأتاح لها الابتعاد عن البنية الاستراتيجية التي ربطتها بإيران. لكن هذا التحول لن يتحول إلى مكسب مستدام بمجرد تبادل الزيارات أو إعلان المواقف، بل يحتاج إلى مؤسسات قوية، وسياسة خارجية مستقلة، وقدرة فعلية على حماية الأراضي السورية ومنع استخدامها للإضرار بالدول الأخرى.

أما بالنسبة إلى الخليج، فإن المصلحة لا تكمن في دفع سوريا إلى مواجهة مفتوحة مع إيران، بل في تشجيعها على بناء دولة مستقرة، ذات قرار مستقل، وعلاقات عربية متينة، وقادرة على المساهمة في حماية المصالح المشتركة.

لقد انتقلت سوريا من معادلة إقليمية كان تحالفها مع إيران أحد أبرز مكوناتها، إلى مرحلة تسعى فيها إلى استعادة دورها العربي. والنجاح الحقيقي ليس في استبدال محور بآخر، بل في تحويل هذا التحول إلى دبلوماسية توازن وانفتاح، تجعل من سوريا شريكاً في منع الحروب، لا ساحةً لها، وجسراً للتعاون العربي، لا أداةً في صراعات الآخرين.

لم تعد التحركات الدبلوماسية السورية في المرحلة الراهنة مجرد زيارات رسمية لاستعادة العلاقات أو تعزيز التعاون الثنائي. فهي تعكس توجهاً نحو إعادة تموضع سوريا في بيئة إقليمية تتصاعد فيها التحديات الأمنية والاقتصادية، وتتداخل فيها ملفات الطاقة والملاحة والصراعات الجيوسياسية. وبين تحركات الرئيس أحمد الشرع نحو السعودية والإمارات، والجولة التي قادها وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني وشملت تركيا وليبيا وقطر، يمكن قراءة ملامح سياسة خارجية تسعى إلى توسيع شبكة الشراكات، واستعادة الحضور العربي، وإعادة توظيف الموقع الجغرافي السوري ضمن معادلات الاستقرار والتعاون الإقليمي.

وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة في ظل التوترات التي تشهدها المنطقة، من تداعيات الحرب في اليمن، إلى المخاطر التي تواجه الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، وصولاً إلى التنافس الإقليمي على النفوذ والموارد وممرات التجارة والطاقة. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل التحرك الدبلوماسي السوري عن التحولات التي تعيد تشكيل أولويات دول المنطقة، حيث بات الأمن الاقتصادي مرتبطاً بصورة مباشرة بالأمن العسكري، وأصبح استقرار طرق التجارة والطاقة جزءاً أساسياً من حسابات الدول في بناء علاقاتها وشراكاتها.

وتعكس الجولة السورية الأخيرة توجهاً نحو التعامل مع هذه البيئة المضطربة من خلال توسيع العلاقات على أكثر من مستوى، بحيث لا تنحصر السياسة الخارجية في نطاق جغرافي واحد أو شريك بعينه، وإنما تقوم على شبكة متوازنة من العلاقات العربية والإقليمية، تستند إلى المصالح المشتركة واحترام السيادة وتطوير التعاون السياسي والاقتصادي والأمني.

ويبدو في هذا المسار نوع من التكامل بين التحرك الرئاسي الذي يقوده أحمد الشرع، والتحرك الوزاري الذي يتولاه أسعد الشيباني. فالمسار الرئاسي يتيح بناء التفاهمات الاستراتيجية مع القيادات العربية، وفتح المجال أمام شراكات اقتصادية وسياسية واسعة، فيما تتولى وزارة الخارجية توسيع قنوات التواصل، ومتابعة الملفات الثنائية، وتنسيق المواقف، وتحويل التفاهمات السياسية إلى مسارات عمل مؤسساتية. وتزداد أهمية هذا التكامل في مرحلة تحتاج فيها سوريا إلى ربط انفتاحها الخارجي بأولويات إعادة الإعمار، وتعزيز الاستقرار، وتطوير الاقتصاد، واستعادة قدرة الدولة على التأثير في محيطها.

وفي هذا الإطار، تمثل السعودية والإمارات وقطر ركائز أساسية في مسار إعادة بناء العلاقات السورية الخليجية، بالنظر إلى الثقل الاقتصادي والسياسي الذي تتمتع به هذه الدول، وما يمكن أن توفره من فرص للتعاون في الاستثمار والطاقة والبنية التحتية والنقل والتجارة. فالزيارة الرئاسية إلى الرياض تفتح المجال أمام تطوير الشراكات الاقتصادية والاستثمارية، فيما تتيح العلاقات مع أبوظبي فرصاً للتعاون في التجارة والخدمات اللوجستية وتطوير الموانئ والبنية التحتية. أما الدوحة، فتشكل محطة مهمة لتعزيز التنسيق السياسي والتشاور بشأن التطورات الإقليمية، إلى جانب توسيع مجالات التعاون الاقتصادي ودعم جهود التعافي السوري.

ولا تقتصر أهمية هذا الانفتاح على العلاقات الثنائية، بل تمتد إلى إمكانية بناء شبكة من المصالح المتكاملة بين سوريا ودول الخليج، بما قد يسهم في توفير تمويل وخبرات وأسواق يمكن أن تدعم جهود إعادة الإعمار. غير أن الانتقال من التقارب السياسي إلى الشراكة الاقتصادية الفعلية يتطلب بيئة استثمارية واضحة، وتشريعات مستقرة، وضمانات للعقود، ومشاريع محددة تستطيع جذب رؤوس الأموال وتحويل التفاهمات إلى نتائج ملموسة.

وفي المقابل، تمثل تركيا مساراً إقليمياً مختلفاً، تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والجغرافية والاقتصادية. فالعلاقة مع أنقرة ترتبط بأمن الحدود، ومستقبل الترتيبات في شمال سوريا، وملفات الأمن الحدودي والجماعات المسلحة في الشمال السوري، وعودة اللاجئين، وإعادة تنشيط التجارة البرية. كما تتيح هذه العلاقة فرصاً لتطوير التعاون الصناعي واللوجستي، وربط الأسواق السورية بالأسواق التركية والأوروبية. إلا أن نجاح هذا المسار يبقى مرهوناً بإدارة الملفات الحساسة ضمن تفاهمات تحفظ السيادة السورية، وتؤسس لعلاقة متوازنة لا تقتصر على التنسيق الأمني، بل تمتد إلى المصالح الاقتصادية والتنموية طويلة الأجل.

أما زيارة بنغازي، فتضيف بعداً عربياً مهماً إلى التحرك السوري، يتمثل في السعي إلى توسيع العلاقات مع ليبيا، بالتوازي مع بحث تفعيل التمثيل السوري في طرابلس. وتحمل هذه الخطوة أبعاداً تتصل بالملفات القنصلية والأمنية، ومتابعة أوضاع المواطنين السوريين، وإمكانات التعاون التجاري والاقتصادي. كما تعكس توجهاً نحو توسيع دائرة التواصل العربي وعدم حصر الانفتاح السوري في الدول المجاورة أو العواصم الخليجية الكبرى. ومع ذلك، فإن تحويل هذه الاتصالات إلى شراكة مستدامة يحتاج إلى تفاهمات واضحة ومؤسسات فاعلة ومصالح اقتصادية قابلة للتنفيذ.

وتتضح الأهمية الاستراتيجية لهذه التحركات أكثر عند قراءتها ضمن البيئة الإقليمية الأوسع، ولا سيما المخاطر التي تواجه أمن الطاقة والملاحة الدولية. فمضيق هرمز يمثل شرياناً رئيسياً لصادرات النفط والغاز من الخليج، بينما يشكل مضيق باب المندب بوابة استراتيجية تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتؤثر حركة الملاحة فيه مباشرة في التجارة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس. ولذلك، فإن اضطراب الملاحة في أحد المضيقين، أو تزامن المخاطر فيهما، يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وزيادة الضغوط على أسواق الطاقة، وتعقيد سلاسل الإمداد العالمية.

وفي اليمن، تبرز المخاطر الأمنية المرتبطة باستمرار الصراع وإمكان امتداد تداعياته إلى البحر الأحمر ودول الخليج، بما يجعل الأمن البحري جزءاً من معادلة الاستقرار العربي. وتفرض هذه التطورات على دول المنطقة البحث عن آليات للتنسيق السياسي والأمني، والحد من التصعيد، وحماية الملاحة الدولية، من دون الانجرار إلى مواجهات أوسع تزيد من كلفة الصراعات وتطيل أمدها.

وبالنسبة إلى سوريا، فإن هذه الأزمات تفرض ضرورة الموازنة بين التضامن العربي وحماية المصالح الوطنية، وبين دعم الاستقرار الإقليمي وتجنب الانخراط في صراعات قد تستنزف موارد الدولة في مرحلة لا تزال فيها بحاجة إلى توطيد مؤسساتها وإعادة بناء اقتصادها. ويمكن لدمشق أن تسهم في تعزيز الاستقرار من خلال الدبلوماسية والتشاور السياسي والتعاون الاقتصادي ودعم المبادرات التي تحمي الملاحة وتحد من التصعيد، مع مراعاة حدود قدراتها والتزاماتها وأولوياتها الوطنية.

ومن هنا، لا ينبغي المبالغة في تقدير الدور السوري المباشر في أمن مضيق هرمز أو باب المندب، فالجغرافيا السورية لا تمنح دمشق سلطة مباشرة على هذين الممرين. لكن موقعها عند تقاطع المشرق العربي وشرق المتوسط، وعلاقاتها مع تركيا والعراق والأردن ودول الخليج، يتيح لها فرصاً للمساهمة في بناء شبكة أوسع من التعاون الإقليمي، وتطوير مسارات النقل والتجارة والطاقة التي تربط الخليج بتركيا والبحر المتوسط.

وهنا تبرز القيمة الجيوسياسية لسوريا، ليس بوصفها دولة تقع في منطقة استراتيجية فحسب، بل باعتبارها دولة يمكنها، إذا استكملت بناء مؤسساتها وطورت بنيتها التحتية، أن تؤدي دوراً في الربط بين الأسواق الإقليمية، وتسهيل حركة البضائع، وتطوير الخدمات اللوجستية، وتعزيز التعاون في الطاقة والنقل والصناعة. غير أن هذا الدور لا يتحقق بمجرد الموقع الجغرافي، وإنما يحتاج إلى استقرار أمني، وطرق ومعابر وموانئ مؤهلة، وتشريعات استثمارية واضحة، وعلاقات متوازنة مع دول الجوار.

وتفرض هذه المعطيات على الدبلوماسية السورية الانتقال من منطق استعادة العلاقات إلى منطق صناعة المصالح. فنجاح الجولة لا يقاس بعدد اللقاءات والزيارات، بل بقدرة المؤسسات السورية على ترجمة نتائجها إلى اتفاقات اقتصادية، ومشاريع استثمارية، وتعاون أمني منضبط، وآليات متابعة واضحة. كما يتطلب ذلك تنسيقاً مستمراً بين الرئاسة ووزارة الخارجية والوزارات المعنية بالاقتصاد والطاقة والنقل والصناعة، بحيث تتحول السياسة الخارجية إلى أداة فاعلة في دعم التعافي الوطني وتعزيز قدرة الدولة على اتخاذ قرارات مستقلة.

إن التحركات السورية باتجاه الرياض وأبوظبي والدوحة وأنقرة وبنغازي تكشف عن محاولة لإعادة بناء شبكة علاقات متعددة المستويات، في وقت تواجه فيه المنطقة تحديات تجعل التعاون ضرورة استراتيجية، لا مجرد خيار دبلوماسي. لكن هذه الفرصة تظل مرتبطة بقدرة سوريا على إدارة التباينات الإقليمية، وتجنب الاصطفافات التي قد تقيد استقلال قرارها، وتحديد أولويات واضحة تجعل الشراكات الخارجية في خدمة الاستقرار والتنمية وإعادة الإعمار.

في المحصلة، تقف الدبلوماسية السورية أمام اختبار يتجاوز استعادة الحضور السياسي إلى بناء دور إقليمي يستند إلى المصالح المشتركة والقدرة المؤسسية. فالتكامل بين التحرك الرئاسي والتحرك الوزاري يمكن أن يوفر قاعدة لتطوير العلاقات، لكن أثر هذا التكامل سيظهر في النتائج التي يحققها على أرض الواقع، وفي مدى مساهمته في تحسين البيئة الأمنية والاقتصادية للدولة السورية.

ففي إقليم تتشابك فيه الحروب مع الممرات البحرية، وتتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع الحسابات العسكرية، لن يكون التحدي أمام سوريا مجرد العودة إلى محيطها، بل تحويل هذه العودة إلى شراكات مستدامة، واستثمار موقعها الجيوسياسي، والمساهمة في بناء بيئة إقليمية أكثر استقراراً، من دون التفريط بسيادتها أو تحميلها أدواراً

تتجاوز قدراتها وأولوياتها الوطنية.

لم تعد العلاقات الصينية–الأمريكية تُقرأ فقط من زاوية من ينتصر على الآخر. الأهم اليوم هو كيف تدير القوتان الأكبر في النظام الدولي تنافسهما من دون أن يتحول إلى صدام مفتوح يربك الاقتصاد العالمي والأمن الدولي.

ومن هذه الزاوية تحديداً، تكتسب الزيارات المتبادلة المعلنة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ خلال عام 2026 أهمية تتجاوز بعدها البروتوكولي. فزيارة ترامب إلى الصين في مايو، ثم زيارة شي إلى واشنطن في سبتمبر، تكشفان تحولاً لافتاً في طبيعة العلاقة بين بكين وواشنطن: من محاولة فرض شروط القوة على الطرف الآخر، إلى إدراك متزايد بأن كلاً منهما يحتاج إلى الآخر، ولو في إطار منافسة استراتيجية مستمرة.

قبل تسع سنوات تقريباً، كان المشهد مختلفاً.

في نوفمبر 2017، زار ترامب الصين خلال ولايته الرئاسية الأولى، وحظي باستقبال رسمي لافت، شمل لقاءات مع شي جين بينغ وزيارة المدينة المحرمة ومأدبة عشاء داخلها. وكانت الملفات التجارية وكوريا الشمالية والعجز التجاري حاضرة بقوة في المباحثات.

لكن تلك الزيارة جاءت في بداية مرحلة أخذت فيها واشنطن تنظر إلى الصين بصورة متزايدة باعتبارها منافساً اقتصادياً واستراتيجياً طويل الأمد. وبعدها تصاعدت الحرب التجارية، ثم جاءت جائحة كورونا في 2020 لتضيف طبقة جديدة من التوتر السياسي والاتهامات المتبادلة، ولتدفع العلاقات بين البلدين إلى واحدة من أكثر مراحلها صعوبة منذ عقود.

وهنا تكمن أهمية المقارنة بين 2017 و2026.

فترامب الذي ذهب إلى بكين عام 2017 وهو يحاول إعادة صياغة قواعد العلاقة التجارية مع الصين، يعود اليوم إلى العلاقة نفسها، لكن من موقع مختلف فرضته التحولات التي شهدها العالم خلال السنوات الماضية. وفي مايو 2026 مثّلت زيارته إلى بكين أول زيارة رئاسية أمريكية إلى الصين منذ سنوات، بحسب ما أُعلن في حينه، وقد تحدث الطرفان آنذاك عن بناء علاقة صينية–أمريكية ذات “استقرار استراتيجي”، وعن تثبيت العلاقات الاقتصادية وتوسيع التعاون وإدارة الخلافات.

ثم جاء سبتمبر ليقلب اتجاه المشهد البروتوكولي.

الرئيس الصيني شي جين بينغ يصل إلى الولايات المتحدة في زيارة دولة تمتد من 23 إلى 25 سبتمبر، ويستقبله ترامب شخصياً عند قاعدة أندروز، في مشهد يُقرأ سياسياً بوصفه أكثر من مجرد إجراء بروتوكولي. فالزيارة هي الأولى لشي إلى واشنطن منذ سنوات طويلة، وتأتي بعد زيارة ترامب للصين بأشهر قليلة، بما يجعل تبادل الزيارات بين الزعيمين خلال فترة زمنية قصيرة أمراً استثنائياً في تاريخ العلاقات الثنائية.

لكن الأهم من المراسم هو السياق الذي جاءت فيه الزيارة.

فالولايات المتحدة لا تتعامل اليوم مع الصين في فراغ جيوسياسي. هناك حرب أوكرانيا التي دخلت مرحلة أكثر تعقيداً، وهناك توتر وأزمة ممتدة مرتبطة بإيران وتداعياتها على أمن الخليج والطاقة، وهناك اضطرابات مرتبطة بممرات التجارة الدولية، فضلاً عن التوتر في مضيقي هرمز وباب المندب، وملف تايوان، والتنافس على الذكاء الاصطناعي والرقائق والمعادن النادرة.

وهنا تصبح الصين بالنسبة إلى واشنطن أكثر من مجرد منافس اقتصادي.

إنها دولة تمتلك أدوات تأثير على ملفات متعددة في الوقت نفسه.

الصين تمتلك علاقة استراتيجية واقتصادية مع روسيا، ولها مصالح مباشرة في استقرار أسواق الطاقة، ولديها نفوذ اقتصادي واسع في الشرق الأوسط، كما أنها لاعب رئيسي في سلاسل الإمداد العالمية، وفي المعادن النادرة والتصنيع والتكنولوجيا. ولهذا فإن محاولة واشنطن إدارة ملفات العالم الكبرى من دون التواصل مع بكين أصبحت أكثر كلفة وتعقيداً.

ومن هنا يمكن فهم أحد أبعاد زيارة شي إلى واشنطن.

أمريكا تريد الصين منافساً منضبطاً، لا خصماً منفلتاً.

والصين تريد من الولايات المتحدة منافسة يمكن إدارتها، لا سياسة احتواء شاملة تنتهي إلى مواجهة مفتوحة.

وهذه المعادلة هي جوهر المرحلة الجديدة.

من “فخ ثوسيديدس” إلى إدارة التنافس

كان شي جين بينغ قد استخدم خلال السنوات الماضية مفهوم “فخ ثوسيديدس” في سياق التحذير من أن صعود قوة جديدة قد يقود إلى صدام مع القوة القائمة. وفي قمة واشنطن الحالية عاد هذا المفهوم إلى المشهد السياسي والإعلامي باعتباره خلفية استراتيجية للعلاقة.

لكن المفارقة أن الصين والولايات المتحدة، رغم تنافسهما، لا تبدوان مستعدتين لدفع العلاقة إلى نقطة الانفجار.

فالاقتصاد الأمريكي يحتاج إلى الأسواق وسلاسل الإمداد والاستثمارات، بينما تحتاج الصين إلى استمرار الوصول إلى الأسواق العالمية والتكنولوجيا والتجارة المستقرة.

وحتى في ملف المعادن النادرة، الذي أصبح أحد أهم أوراق القوة الصينية في مواجهة الولايات المتحدة، تكشف الوقائع عن مدى تشابك الاقتصادين. فقد أصبحت قيود التصدير الصينية على المعادن النادرة عاملاً مؤثراً في الصناعات الأمريكية والأوروبية واليابانية، ما دفع الغرب إلى البحث عن بدائل، وفي الوقت نفسه جعل استقرار العلاقة مع بكين مصلحة اقتصادية لا يمكن تجاهلها.

لذلك فإن الصراع بين واشنطن وبكين لم يعد مجرد صراع على الرسوم الجمركية.

إنه صراع على من يضع قواعد الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والتجارة في القرن الحادي والعشرين.

لكن المفارقة أن الطرفين لا يستطيعان بسهولة الانفصال الكامل عن بعضهما.

وهذا هو السبب الذي جعل “الهدنة التجارية” أكثر أهمية من مجرد أرقام الرسوم.

ففي سبتمبر اتفق الطرفان على تمديد التهدئة التجارية، وإن كان التمديد قصير الأجل، مع استمرار المفاوضات حول اتفاق أوسع. وهذا يعني أن الصراع لم ينته، لكنه انتقل إلى محاولة إدارة الصراع بدلاً من تفجيره.

الصين لم تعد ملفاً أمريكياً منفرداً

في عام 2017 كان يمكن لواشنطن أن تتعامل مع الصين بدرجة أكبر باعتبارها ملفاً تجارياً واستراتيجياً منفصلاً.

أما اليوم، فإن الصين أصبحت مرتبطة بكل الملفات تقريباً.

في أوكرانيا، تحتاج واشنطن إلى معرفة حدود الدور الصيني وقدرته على التأثير في موسكو.

وفي الشرق الأوسط، تبرز الصين كقوة اقتصادية وسياسية لها مصالح مباشرة في استقرار الطاقة والممرات البحرية.

وفي إيران، تظهر أهمية الدور الصيني في أي محاولة لفتح مسار تفاوضي أو تخفيف التوتر.

وفي الطاقة، فإن اضطراب هرمز لا ينعكس على دول الخليج وحدها، بل على الاقتصاد العالمي، وعلى الصين باعتبارها واحدة من أكبر مستوردي الطاقة.

وفي باب المندب والبحر الأحمر، فإن أمن التجارة العالمية لا يمكن فصله عن المصالح الصينية والأمريكية والأوروبية.

لهذا فإن واشنطن تحتاج إلى بكين ليس لأنها تخلت عن مفهوم المنافسة، وإنما لأن إدارة الأزمات العالمية أصبحت تتطلب مشاركة القوى الكبرى التي تستطيع التأثير فيها.

وهنا يمكن فهم دعوة شي إلى عودة الولايات المتحدة وإيران إلى مسار الحوار والتفاوض، وإشارته خلال لقائه ترامب إلى الأوضاع في الشرق الأوسط وأوكرانيا والملف الكوري.

لكن ذلك لا يعني أن الصين تحولت إلى شريك أمريكي.

بل يعني شيئاً أكثر واقعية: التنافس لا يلغي الحاجة إلى التنسيق.

من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط: البحث عن “إدارة الأزمات”

أحد أهم التحولات في المشهد الدولي أن القوى الكبرى لم تعد قادرة على إدارة كل أزمة منفردة.

فالولايات المتحدة تمتلك القوة العسكرية والمالية والتكنولوجية الأكبر، لكنها تواجه في الوقت نفسه ملفات متعددة تمتد من أوروبا إلى الشرق الأوسط وآسيا.

والصين تمتلك ثقلها الاقتصادي والصناعي والتجاري، لكنها بدورها تحتاج إلى بيئة دولية مستقرة لحماية تجارتها وأسواقها ومصادر الطاقة.

ومن هنا تظهر فكرة جديدة في العلاقات الدولية: التفاهمات الجزئية بدلاً من التسويات الكبرى.

فليس المطلوب بالضرورة أن تتفق واشنطن وبكين على النظام العالمي كله، وإنما أن تتفقا على منع بعض الملفات من الانفجار.

خفض التصعيد هنا.

استقرار التجارة هناك.

تجنب أزمة في تايوان.

فتح قنوات في ملف إيران.

منع توسع الحرب في أوكرانيا.

تأمين الطاقة والممرات البحرية.

والحفاظ على قنوات الحوار في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.

هذه ليست شراكة كاملة، لكنها أيضاً ليست حرباً باردة مكتملة الأركان.

إنها محاولة لصياغة تعايش تنافسي بين قوتين كبيرتين.

ما بعد واشنطن ليس كما قبلها

قد تكون الأهمية الحقيقية لزيارة شي إلى واشنطن أنها تفتح مرحلة جديدة في إدارة العلاقات الصينية–الأمريكية، لا لأنها أنهت الخلافات.

فاللقاء لم يحسم الملفات الأكثر حساسية؛ بقي الذكاء الاصطناعي وتايوان والتجارة والشرق الأوسط وأوكرانيا ملفات خلاف وتفاوض، بينما ركز الطرفان على استمرار الحوار وإدارة التنافس.

وهذا تحديداً ما يجعل الزيارة مهمة.

ففي العلاقات الدولية، أحياناً لا تكون قيمة القمة في الاتفاق الذي توقعه، وإنما في الأزمة التي تمنعها من الوقوع.

وإذا كان عام 2017 قد حمل بداية مرحلة اعتبرت فيها واشنطن صعود الصين تحدياً ينبغي مواجهته وإعادة ضبطه، فإن عام 2026 يكشف أن الصين أصبحت جزءاً من معادلة حل الأزمات التي تريد واشنطن إدارتها.

لقد تغيرت البيئة الدولية.

روسيا لم تعد مجرد ملف أوروبي.

الشرق الأوسط لم يعد ملفاً إقليمياً منفصلاً.

الطاقة أصبحت أداة جيوسياسية.

الممرات البحرية أصبحت جزءاً من الأمن العالمي.

الذكاء الاصطناعي أصبح مجالاً للصراع على القوة.

والمعادن النادرة أصبحت جزءاً من الأمن القومي.

وبالتالي، فإن العلاقات الصينية–الأمريكية أصبحت مرآة للنظام الدولي كله.

من يفرض النظام الجديد؟

السؤال الحقيقي بعد زيارة شي إلى واشنطن ليس: هل انتصرت الصين أم انتصرت أمريكا؟

هذا السؤال ربما لم يعد يصف طبيعة المرحلة.

السؤال الأهم هو: كيف ستتقاسم القوتان مساحة التأثير في نظام دولي لم يعد أحادي القطبية كما كان؟

واشنطن تريد الحفاظ على موقعها القيادي ومصالحها الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية، وبكين تريد تثبيت موقعها كقوة عالمية صاعدة وقادرة على التأثير في الاقتصاد والسياسة والأمن الدوليين.

وبين الهدفين توجد مساحة واسعة من المصالح المشتركة.

لذلك فإن المرحلة المقبلة قد لا تكون مرحلة نهاية المنافسة، بل مرحلة إعادة تعريف قواعد المنافسة.

الصين لا تريد حرباً مع الولايات المتحدة، والولايات المتحدة لا تريد بالضرورة حرباً مع الصين؛ لكن كل طرف يريد أن يضمن أن صعود الآخر لا يتحول إلى تهديد لمصالحه الأساسية.

وهنا تظهر أهمية الجمعية العامة للأمم المتحدة في هذه اللحظة تحديداً.

فزيارة شي إلى واشنطن تأتي في ذروة موسم دبلوماسي عالمي، وفي وقت تبحث فيه الدول عن ترتيبات جديدة بعد سنوات من الحروب والأزمات الاقتصادية والطاقة واضطراب النظام الدولي.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى القمة الأمريكية–الصينية باعتبارها جزءاً من افتتاح موسم دبلوماسي جديد: موسم لن يكون فيه ممكناً لأي قوة كبرى أن تدير العالم وحدها، ولن يكون فيه ممكناً أيضاً لأي قوة صاعدة أن تفرض واقعاً جديداً من دون تفاهمات مع القوى الأخرى.

لقد كان ترامب في بكين عام 2017 يتعامل مع الصين بوصفها منافساً ينبغي إعادة ضبط العلاقة معه.

أما ترامب في واشنطن عام 2026 فيتعامل مع الصين باعتبارها منافساً، ولكن أيضاً باعتبارها طرفاً لا يمكن تجاهله في ملفات الاقتصاد والطاقة والشرق الأوسط وأوكرانيا والاستقرار الدولي.

وهذا هو التحول الأهم.

من “مواجهة الصين” إلى “إدارة العلاقة مع الصين”.

ومن “من يربح؟” إلى “كيف يمنع الطرفان الخسارة الكبرى؟”

وقد لا تكون زيارة شي إلى واشنطن قد أنهت المنافسة الصينية–الأمريكية، لكنها كشفت بوضوح أن العالم دخل مرحلة مختلفة: مرحلة لا تكفي فيها القوة لفرض الإرادة، ولا تكفي فيها المنافسة لصناعة النظام.

إن العالم الذي يتشكل اليوم يحتاج إلى توازن جديد بين المنافسة والتعاون، القوة والتفاوض، المصالح الوطنية والمسؤولية الدولية.

ومن هنا، فإن زيارة شي إلى واشنطن قد لا تكون نقطة نهاية في مسار العلاقات الصينية–الأمريكية، لكنها يمكن أن تكون نقطة بداية لمرحلة جديدة: مرحلة تدرك فيها واشنطن أن احتواء الصين وحده ليس كافياً، وتدرك فيها بكين أن صعودها العالمي يحتاج إلى إدارة مستقرة لعلاقتها مع واشنطن.

وفي هذا التوازن المتوتر، ستتحدد ملامح النظام الدولي القادم.

لم تعد عودة سوريا إلى محيطها العربي والدولي مجرد عنوان سياسي أو مجموعة من الزيارات واللقاءات الدبلوماسية، بل بدأت تتحول تدريجياً إلى مسار متكامل لإعادة بناء موقع الدولة السورية داخل المؤسسات والمنظمات الدولية والإقليمية.

وخلال الأيام الأخيرة، برزت مؤشرات عدة، من بينها انضمام سوريا إلى منظمة التعاون الرقمي، وفوزها برئاسة اللجنة العربية الدائمة للأرصاد الجوية، وتوسّع التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى جانب الحراك الدبلوماسي المتزايد وعودة السفراء والبعثات الدولية إلى دمشق، بما يمكن قراءته ضمن مسار أوسع لإعادة تفعيل حضورها الإقليمي والدولي.

ولا تبدو هذه الملفات منفصلة تماماً، بل يمكن النظر إليها بوصفها أجزاء من مسار أوسع لإعادة تفعيل دور سوريا ومؤسساتها في المحافل الإقليمية والدولية.

أولاً: العضوية في منظمة التعاون الرقمي.. فرصة للاندماج في مسار التحول الرقمي

انضمام سوريا إلى منظمة التعاون الرقمي، بوصفها العضو الثامن عشر، يحمل دلالة تتجاوز قطاع الاتصالات وتقانة المعلومات.

فالاقتصاد العالمي يتجه بسرعة نحو اقتصاد رقمي قائم على البيانات والذكاء الاصطناعي والخدمات الإلكترونية والأمن السيبراني والتجارة الرقمية، وبالتالي فإن وجود سوريا داخل منصة دولية متخصصة بهذا المجال يعني فتح أبواب جديدة أمامها في نقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، وتبادل الخبرات، وتطوير الخدمات الحكومية، وتأهيل الكفاءات الشابة، وجذب الاستثمارات الرقمية.

وأشارت الأمينة العامة للمنظمة ديمة اليحيى إلى ما وصفته بالإمكانات الرقمية والمواهب السورية، في ما يعكس توجهاً نحو توسيع التعاون في هذا المجال.

سوريا لا تبدأ من الصفر في هذا المجال.

تملك سوريا شريحة من الكفاءات البشرية في مجالات البرمجيات والهندسة والاتصالات، وهو ما يمكن البناء عليه إذا توفرت بيئة مؤسسية واستثمارية مناسبة.

ومن هنا يمكن أن تتحول العضوية الجديدة إلى فرصة لاستقطاب الكفاءات السورية وربطها بالاقتصاد العالمي، بدلاً من استمرار هجرة الكفاءات.

والتحدي الحقيقي الآن ليس في توقيع ميثاق العضوية، بل في تحويلها إلى مشاريع: حكومة رقمية، خدمات إلكترونية، بنية تحتية للاتصالات، مدفوعات رقمية، أمن سيبراني، تعليم رقمي، ذكاء اصطناعي، وحاضنات للشركات الناشئة.

ثانياً: رئاسة اللجنة العربية للأرصاد الجوية.. سوريا تستعيد دورها العلمي العربي

في المسار نفسه، جاء فوز سوريا برئاسة اللجنة العربية الدائمة للأرصاد الجوية، بحصول مدير المركز الوطني للأرصاد الجوية الدكتور عبد الكريم المحمد على 13 صوتاً.

وقد يبدو الأمر فنياً، لكنه يحمل أيضاً أبعاداً مؤسسية وسياسية تتصل بموقع سوريا داخل الأطر العربية المتخصصة.

أن تنتخب الدول العربية سوريا لرئاسة لجنة متخصصة يعني أن سوريا لا تعود إلى الجامعة العربية فقط باعتبارها دولة حاضرة في الاجتماعات، وإنما تبدأ باستعادة أدوارها داخل المؤسسات واللجان العربية المتخصصة.

والأرصاد الجوية لم تعد مجرد توقعات للطقس.

إنها اليوم جزء من الأمن الغذائي والمائي، وإدارة الكوارث، والزراعة، والطاقة المتجددة، والتخطيط العمراني، وحماية البنية التحتية، ومواجهة آثار التغير المناخي.

وبالتالي فإن رئاسة سوريا لهذه اللجنة يمكن أن تكون منصة لتطوير التعاون العربي في ملفات تمس مستقبل الاقتصاد السوري مباشرة، خصوصاً الزراعة والمياه وإدارة الجفاف والفيضانات والتغير المناخي والطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

وهنا يصبح العلم جزءاً من السياسة الخارجية السورية.

ثالثاً: الملف النووي.. من الملفات العالقة إلى إمكانات الاستخدام العلمي السلمي

ولعل الملف الأكثر حساسية في عملية إعادة بناء العلاقة بين سوريا والمجتمع الدولي هو الملف النووي.

يمكن أن يشكل التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتعامل بشفافية مع الملفات العالقة، خطوة مهمة نحو تعزيز الثقة وتوسيع التعاون الدولي.

والأهم أن سوريا تستطيع أن تنظر إلى هذا الملف من زاوية مختلفة تماماً.

فالطاقة النووية ليست مرادفاً للسلاح.

هناك فرق جوهري بين امتلاك برنامج نووي عسكري وبين امتلاك برنامج نووي سلمي خاضع للرقابة الدولية.

وإذا نجحت سوريا في إغلاق الملفات العالقة المرتبطة بإرث النظام السابق، والتعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والالتزام بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة، فإن ذلك يمكن أن يفتح مستقبلاً الباب أمام بناء قدرات سورية سلمية في الاستخدامات النووية.

وهنا يمكن أن تتحول الطاقة النووية إلى أداة للتنمية.

ماذا يمكن أن تستفيد سوريا؟

في الطب:

في الزراعة:

في الصناعة:

وفي الطاقة:

وبذلك يمكن لسوريا أن تنتقل من ملف نووي مثقل بإرث الماضي إلى مشروع علمي يخدم المستقبل.

وهذه نقطة شديدة الأهمية:

إغلاق ملفات الماضي لا يعني التخلي عن العلم والتكنولوجيا، بل يمكن أن يكون الطريق لامتلاكها بصورة شرعية وآمنة وسلمية.

رابعاً: الأمم المتحدة.. سوريا لا تعود إلى المقعد فقط

كل هذه التطورات تأتي بالتزامن مع محطة سياسية أكبر: الجمعية العامة للأمم المتحدة.

فمشاركة سوريا في أعمال الجمعية العامة للسنة الثانية على التوالي تكتسب أهمية خاصة في مرحلة إعادة تعريف موقع الدولة السورية دولياً.

المشاركة السابقة لم تكن مجرد حضور بروتوكولي؛ فقد فتحت الباب أمام اتصالات ولقاءات سياسية واسعة، وأسهمت في إعادة تقديم سوريا بوصفها دولة تسعى إلى استعادة علاقاتها الدولية ومؤسساتها.

أما المشاركة الحالية، فتأتي في بيئة مختلفة.

فالعالم بات ينظر إلى سوريا ليس فقط من زاوية الأزمة السابقة، وإنما من زاوية إعادة الاستقرار، وإعادة الإعمار، والاستثمار، ومكافحة الإرهاب، والطاقة، والاقتصاد، والتحول الرقمي، والحوكمة، والتعاون العلمي.

وهذا التحول مهم جداً.

لأن الدولة التي تريد استعادة مكانتها الدولية لا يكفي أن تطلب رفع العقوبات أو الاعتراف السياسي بها؛ بل عليها أن تقدم نفسها كشريك قادر على المساهمة في حل المشكلات الإقليمية والدولية.

خامساً: عودة السفراء.. المؤشر الأوضح على تبدل البيئة الدولية

وفي الخلفية، هناك تطور دبلوماسي لا يقل أهمية: توسع التمثيل الدبلوماسي في دمشق واستقبال سفراء جدد من دول عربية وأوروبية وأميركية لاتينية، إلى جانب تنشيط العلاقات مع الاتحاد الأوروبي ودول المنطقة.

وهذا يعني أن دمشق تتحول تدريجياً من مدينة كانت محاطة بالعزلة السياسية إلى مركز دبلوماسي يستعيد دوره في المنطقة.

وجود سفراء جدد ليس مجرد إجراء بروتوكولي.

السفير يعني:

اتصالاً سياسياً دائماً، ومصالح اقتصادية، وتعاوناً أمنياً، وفرصاً استثمارية، وقنوات تفاوض، وتبادلاً ثقافياً وعلمياً.

وكلما اتسعت شبكة العلاقات، ازدادت قدرة سوريا على المناورة وبناء الشراكات وتحقيق مصالحها الوطنية.

سادساً: الصورة الكبرى.. هذه ليست عودة سياسية فقط

إذا جمعنا هذه التطورات معاً، فإننا أمام مسار متكامل:

الدبلوماسية → المؤسسات الدولية → الاقتصاد → التكنولوجيا → العلم → الطاقة → الزراعة → الصحة → الاستثمار.

انضمام سوريا إلى منظمة التعاون الرقمي يعيدها إلى الاقتصاد الرقمي.

ورئاسة اللجنة العربية للأرصاد الجوية تعيدها إلى العمل العلمي العربي.

والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية يفتح الباب أمام طي ملفات الماضي وبناء علاقة قائمة على الشفافية، مع إمكانية تطوير الاستخدامات السلمية للتقنيات النووية.

والمشاركة في الجمعية العامة للأمم المتحدة تعيد سوريا إلى قلب الدبلوماسية متعددة الأطراف.

وعودة السفراء تعني عودة قنوات التواصل الدولي.

وهكذا يصبح مفهوم “عودة سوريا إلى العالم” أكثر من مجرد شعار.

المطلوب الآن: تحويل الانفتاح إلى استراتيجية دولة

لكن الانفتاح الدولي وحده لا يكفي.

الفرصة التاريخية أمام سوريا اليوم هي تحويل هذا الانفتاح إلى استراتيجية وطنية متكاملة.

فعضوية منظمة التعاون الرقمي يجب أن تنتج قطاعاً رقمياً قادراً على المنافسة.

ورئاسة اللجنة العربية للأرصاد يجب أن تتحول إلى مشروع علمي عربي تستفيد منه سوريا.

والتعاون النووي يجب أن يقوم على أعلى درجات الشفافية، مع بناء برنامج سلمي يخدم الطب والزراعة والصناعة والطاقة.

والحضور في الأمم المتحدة يجب أن يتحول إلى شراكات سياسية واقتصادية وتنموية.

والانفتاح الدبلوماسي يجب أن يتحول إلى استثمارات ومشاريع واتفاقيات ونقل للتكنولوجيا.

وهنا تحديداً تظهر مسؤولية الحكومة السورية.

فالعالم قد يفتح الأبواب، لكن سوريا هي التي يجب أن تدخل منها.

الخلاصة: سوريا تستعيد حقها في أن تكون دولة فاعلة

ما يجري اليوم يمكن قراءته باعتباره مرحلة جديدة في تاريخ سوريا الحديث.

فبعد سنوات من العزلة والصراع وتراجع المؤسسات، بدأت سوريا تستعيد تدريجياً حضورها في المنظمات العربية والدولية، وتعيد بناء علاقاتها الدبلوماسية، وتفتح ملفات العلم والتكنولوجيا والطاقة، وتبحث عن موقع لها في الاقتصاد العالمي الجديد.

والأهم أن هذه العودة يجب ألا تكون عودة إلى الماضي، بل عودة إلى المستقبل.

سوريا الجديدة لا تحتاج فقط إلى أن تستعيد مقعدها في المنظمات الدولية، بل تحتاج إلى أن تستعيد قدرتها على إنتاج المعرفة، والتكنولوجيا، والطاقة، والغذاء، والخدمات، والاستثمار.

ومن هنا يمكن فهم أهمية هذه التطورات المتزامنة.

فـ منظمة التعاون الرقمي، والجامعة العربية، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، والأمم المتحدة، والسفارات الأجنبية، كلها مسارات مختلفة تقود إلى هدف واحد: إعادة بناء سوريا كدولة منفتحة، ذات سيادة، مؤسساتية، علمية، وقادرة على التعاون مع العالم.

وإذا نجحت دمشق في إدارة هذا التحول بذكاء، فإن أكبر إنجاز لن يكون فقط إنهاء عزلة سوريا، بل تحويل الانفتاح الدولي إلى قوة تنموية حقيقية تعيد بناء الدولة والاقتصاد والإنسان السوري.

سوريا لا تعود إلى العالم كي تكون متلقية للمساعدات فقط.

سوريا تعود كي تكون شريكاً.