لم تعد العلاقات السورية العراقية مجرد مسار ثنائي يهدف إلى تطوير التعاون السياسي أو الأمني أو الاقتصادي بين بلدين جارين، بل باتت تمثل حجر الزاوية في عملية إعادة تشكيل المشرق العربي، وبوابة لإنتاج نظام إقليمي جديد يقوم على الاستثمار والتكامل الاقتصادي والاستقرار، بعد عقود هيمنت فيها الصراعات والانقسامات على المنطقة. فالتحولات التي تشهدها دمشق وبغداد، بالتزامن مع انفتاح عربي متزايد، وإعادة رسم أولويات القوى الإقليمية والدولية، تجعل من نجاح الشراكة السورية العراقية عاملاً حاسماً في رسم مستقبل الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
سوريا والعراق… العقدة الجغرافية التي يعبر منها مستقبل المنطقة
يمثل البلدان قلب المشرق العربي وجسر العبور الطبيعي بين الخليج العربي والبحر المتوسط. ولذلك فإن أي مشروع اقتصادي أو لوجستي أو استثماري كبير في المنطقة لا يمكن أن يحقق أهدافه الكاملة دون شراكة سورية عراقية مستقرة.
فإذا نجح البلدان في بناء منظومة متكاملة للنقل والطاقة والاستثمار، فإنهما لن يحققا مكاسب وطنية فحسب، بل سيؤسسان لممر اقتصادي جديد يربط الخليج ببلاد الشام ثم بالبحر المتوسط وأوروبا، وهو ما يجعل استقرار سوريا والعراق مصلحة إقليمية ودولية في آن واحد.
ولهذا لم تعد العلاقة بين دمشق وبغداد قضية ثنائية، بل أصبحت نقطة ارتكاز لإعادة تنظيم الاقتصاد الإقليمي بأكمله.
الخليج… الشريك الذي ينتظر نجاح التجربة
تدرك دول الخليج أن استقرار العراق وسوريا يفتح أمامها فرصاً استثمارية ضخمة، ولذلك فإن نجاح العلاقات السورية العراقية سيشجع العواصم الخليجية على توسيع استثماراتها في مشاريع الطاقة والبنية التحتية والموانئ والربط الكهربائي والنقل.
وليس من قبيل المصادفة أن تتزامن مشاريع الربط اللوجستي الإماراتية مع الانفتاح السوري العراقي، إذ يشكل الممر الذي يربط موانئ الإمارات بميناء أم قصر العراقي، ثم بالأراضي السورية وصولاً إلى موانئ البحر المتوسط، نموذجاً واضحاً لما يمكن أن تكون عليه المنطقة خلال العقد المقبل.
إن تخفيف الإجراءات الجمركية، وتطوير المعابر، وربط الموانئ بالطرق والسكك الحديدية، كلها خطوات تؤسس لسوق إقليمية مترابطة تتجاوز الحدود السياسية التقليدية.
العراق… العودة إلى عمقه العربي
تشكل الشراكة مع سوريا إحدى بوابات العراق لاستعادة دوره العربي، ليس من خلال الخطاب السياسي فقط، وإنما عبر الاقتصاد والاستثمار والمشاريع المشتركة.
فالعراق، الذي يشهد اليوم مساراً إصلاحياً واسعاً في مؤسسات الدولة، وحملة لمكافحة الفساد، وإعادة هيكلة اقتصاده، يحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة تسمح بتحويل موقعه الجغرافي إلى مركز لوجستي بين الخليج وآسيا وأوروبا.
ومن هنا، فإن نجاح العلاقة مع دمشق يمنح بغداد فرصة للتحول إلى محور اقتصادي إقليمي، ويعزز اندماجها في المنظومة العربية الجديدة.
سوريا… بوابة المتوسط
في المقابل، تستعيد سوريا تدريجياً موقعها الطبيعي كبوابة للبحر المتوسط، بما تمتلكه من مرافئ وشبكات نقل وموقع جغرافي يجعلها نقطة النهاية الطبيعية للممرات التجارية القادمة من الخليج والعراق.
وتزداد أهمية المرافئ السورية في ظل التوجه الدولي نحو تنويع طرق التجارة العالمية، وتقليل الاعتماد على المسارات التقليدية، الأمر الذي يمنح موانئ اللاذقية وطرطوس دوراً استراتيجياً متجدداً، خاصة إذا تكاملت مع مشاريع النقل العراقية والخليجية.
كما أن لبنان سيكون أحد المستفيدين من هذا التحول، عبر تكامل مرافئه مع الموانئ السورية، بما يعزز حركة التجارة والخدمات اللوجستية في شرق البحر المتوسط.
تركيا والأردن… شركاء في معادلة الاستقرار
لا تقتصر آثار هذا التقارب على سوريا والعراق، بل تمتد إلى الأردن وتركيا، اللذين يبحثان عن توسيع شبكات التجارة والاستثمار.
فالأردن يرى في استقرار المشرق فرصة لتعزيز دوره كمركز لوجستي إقليمي، بينما تنظر تركيا إلى سوريا والعراق باعتبارهما الامتداد الطبيعي لأمنها القومي، وبوابة أساسية لتوسيع تجارتها مع العالم العربي والخليج.
ومن هذا المنطلق، فإن نجاح العلاقات السورية العراقية سيفتح المجال أمام بناء مجال اقتصادي يمتد من أنقرة إلى الخليج مروراً بدمشق وبغداد وعمان وبيروت.
ماذا عن إيران؟
يبقى السؤال الأهم: كيف ستتعامل إيران مع هذه التحولات؟
فإيران تجد نفسها أمام واقع إقليمي مختلف، خاصة بعد المتغيرات السياسية والعسكرية الأخيرة، وما رافقها من محاولات لخفض التوتر مع الولايات المتحدة وإعادة ترتيب أولوياتها.
وقد يكون أمام طهران خياران؛ إما التكيف مع النظام الإقليمي الجديد، والانخراط في مشاريع التنمية والربط الاقتصادي، مستفيدة من موقعها كحلقة وصل بين آسيا الوسطى والخليج، أو الاستمرار في النظر إلى المنطقة بمنطق النفوذ والصراع، وهو ما قد يضعها في مواجهة مع مسار اقتصادي يحظى بدعم عربي ودولي متزايد.
كما أن أي تقارب اقتصادي سوري عراقي قد يفتح مستقبلاً المجال أمام اندماج أوسع مع مشاريع الربط الآسيوية، وفي مقدمتها مبادرة الحزام والطريق الصينية، التي ترى في العراق وسوريا ممراً طبيعياً نحو البحر المتوسط.
إسرائيل… الاستثناء في المشهد
في مقابل هذا الاتجاه نحو التكامل، تبدو إسرائيل الطرف الأقل حماسة لنجاح منظومة اقتصادية عربية مترابطة، إذ إن قيام ممرات تجارية وطاقة تنافسية تربط الخليج بالمتوسط عبر سوريا والعراق قد يقلل من أهمية المسارات البديلة التي تسعى تل أبيب إلى ترسيخها.
ولهذا ينظر كثير من المحللين إلى أن استمرار التصعيد الإسرائيلي في بعض مناطق الإقليم لا ينفصل عن محاولة التأثير في البيئة الأمنية التي تحتاجها مشاريع التكامل الاقتصادي الكبرى.
توافق مع الرؤية الدولية
ويتقاطع هذا المسار مع توجهات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، اللذين يركزان على دعم الاستقرار الاقتصادي، وتشجيع الشراكات الإقليمية، وتأمين سلاسل الإمداد، وتنويع طرق التجارة والطاقة، باعتبارها أدوات أكثر فاعلية لتحقيق الاستقرار من الصراعات المفتوحة.
ومن هنا، فإن نجاح العلاقات السورية العراقية قد يتحول إلى نموذج يحظى بدعم دولي، لأنه ينسجم مع رؤية تقوم على التنمية الاقتصادية، والاستثمار، والربط الإقليمي، بدلاً من إدارة الأزمات المستمرة.
مفتاح الشرق الأوسط الجديد
ربما لا يكون من المبالغة القول إن مستقبل المشرق العربي يبدأ من دمشق وبغداد. فنجاح الشراكة السورية العراقية لن يعيد بناء العلاقة بين دولتين جارتين فحسب، بل قد يؤسس لفضاء اقتصادي جديد يمتد من الخليج إلى البحر المتوسط، وتندمج فيه سوريا والعراق والأردن ولبنان وتركيا، مع انفتاح متزايد من دول الخليج وشركاء دوليين.
ولذلك، فإن مجلس التنسيق الاستراتيجي الذي يتجه البلدان إلى ترسيخه لا يمثل إطاراً ثنائياً فحسب، بل قد يكون النواة الأولى لنظام إقليمي جديد، عنوانه الاستثمار والتكامل والازدهار، بدلاً من الاستقطاب والصراع.
فإذا نجحت دمشق وبغداد في تحويل الإرادة السياسية إلى مشاريع عملية، فإن العلاقة السورية العراقية لن تكون مجرد قصة نجاح ثنائية، بل ستكون المفتاح الذي يعيد ترتيب التوازنات الاقتصادية في المشرق، ويطلق مرحلة جديدة عنوانها التنمية والاستقرار والشراكات الإقليمية المستدامة.
تشهد سوريا اليوم لحظة سياسية فارقة في تاريخها الحديث، يمكن وصفها بأنها مرحلة الانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة الدولة، ومن البحث عن وقف الحرب إلى البحث عن تثبيت الاستقرار وبناء المؤسسات وترميم الاقتصاد وتعزيز الثقة الوطنية والدولية.
لقد جاءت جلسة مجلس الأمن الأخيرة حول سوريا، بالتوازي مع الحراك الدبلوماسي العربي المكثف الذي قاده وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني في العاصمة الأردنية عمّان، لتؤكد أن المقاربة الإقليمية والدولية تجاه سوريا تشهد تحولاً نوعياً لم يكن مطروحاً بهذا الوضوح خلال السنوات الماضية.
ففي الوقت الذي شاركت فيه سوريا بفاعلية في أعمال الاجتماع التشاوري العربي واجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، وعقدت سلسلة لقاءات مع وزراء خارجية الأردن والعراق ومصر والسعودية، إضافة إلى لقاءات مع مسؤولي الاتحاد الأوروبي ودول أخرى، كانت جلسة مجلس الأمن تعكس صورة متقدمة من الاعتراف الدولي بالدور السوري الجديد وبالجهود المبذولة لإعادة بناء الدولة واستعادة الاستقرار.
لقد أظهرت مداخلات غالبية الدول الأعضاء في مجلس الأمن وجود توافق دولي واسع على جملة من المبادئ الأساسية، أبرزها دعم وحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها، ورفض عودة الفوضى أو الانزلاق نحو أي شكل جديد من أشكال الصراع، إضافة إلى دعم جهود الحكومة السورية في بناء المؤسسات ومكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار.
واللافت في هذه الجلسة أن النقاش لم يعد يتركز كما في السنوات السابقة على إدارة الحرب وتداعياتها المباشرة، بل انتقل بصورة واضحة إلى الحديث عن الحوكمة، والتعافي الاقتصادي، والعدالة الانتقالية، وإعادة الإعمار، وعودة اللاجئين، وتعزيز المؤسسات الوطنية، وهي مؤشرات تعكس تحولاً مهماً في النظرة الدولية إلى الواقع السوري.
كما أن المواقف الصادرة عن عدد من الدول، بما فيها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والصين والسعودية وباكستان والبحرين واليونان وغيرها، أظهرت إدراكاً متزايداً بأن استقرار سوريا لم يعد قضية سورية داخلية فحسب، بل أصبح جزءاً من معادلة استقرار الشرق الأوسط بأكمله.
وفي هذا السياق، فإن ما قامت به القيادة السورية خلال المرحلة الانتقالية من انتهاج سياسة تتسم بالحكمة والاتزان والبراغماتية السياسية، أسهم بشكل واضح في بناء مناخ جديد من الثقة مع المجتمعين العربي والدولي. فقد حرصت دمشق على تبني خطاب مسؤول، والانفتاح على محيطها العربي، وتعزيز التعاون مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، والعمل على معالجة الملفات السياسية والأمنية والإنسانية بروح واقعية بعيداً عن الشعارات والانفعالات.
غير أن هذه المرحلة ما زالت تواجه تحديات كبيرة تتطلب دعماً فعلياً وليس مجرد مواقف سياسية أو بيانات دبلوماسية.
فالتحدي الاقتصادي لا يزال يمثل الحلقة الأضعف في معادلة الاستقرار. ولا يمكن لأي عملية سياسية أن تحقق نجاحاً دائماً إذا لم تنعكس نتائجها على حياة المواطنين من خلال تحسين الخدمات، وخلق فرص العمل، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتحفيز الاستثمار، ورفع مستوى المعيشة.
ولهذا فإن المجتمع الدولي مدعو اليوم إلى الانتقال من مرحلة الترحيب والدعم السياسي إلى مرحلة المساهمة العملية في إعادة التعافي الاقتصادي السوري، من خلال تقديم الدعم المالي والفني والنقدي، وتشجيع المؤسسات المالية الدولية على الانخراط في مشاريع إعادة البناء والتنمية، والاستفادة من المناخ الجديد الذي بدأ يتشكل داخل سوريا.
كما أن رفع العقوبات عن سوريا يجب أن يشكل مدخلاً حقيقياً لإطلاق برامج دعم اقتصادي وتنموي واسعة النطاق، لأن رفع العقوبات وحده لا يكفي إذا لم يترافق مع تدفقات استثمارية ومساعدات تنموية ومشاريع إعادة إعمار تسهم في تسريع عملية التعافي.
وفي الوقت ذاته، فإن الحفاظ على وحدة سوريا واستقرارها يتطلب وقف جميع العوامل التي تعرقل هذا المسار، وفي مقدمتها الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للأراضي السورية. فالمواقف التي صدرت عن عدد من الدول داخل مجلس الأمن بشأن ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي السورية ووقف عملياتها العسكرية تعكس إدراكاً دولياً متزايداً بأن استمرار هذه الانتهاكات يشكل تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي ولجهود إعادة بناء الدولة السورية.
ومن الضروري أيضاً تجنب محاولات الزج بسوريا في التجاذبات والأزمات الإقليمية، ولا سيما الساحة اللبنانية، لأن المرحلة الراهنة تتطلب تركيز الجهود على تعزيز الاستقرار والتعاون بين الدول، واحترام سيادة كل دولة وخياراتها الوطنية، بما يخدم مصالح شعوب المنطقة كافة.
لقد أكدت سوريا في مواقفها الرسمية دعمها لاستقرار لبنان ومؤسساته الشرعية، كما أكدت استمرار تعاونها مع المجتمع الدولي في ملفات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والاتجار بالبشر، وهو ما يعكس توجهاً جديداً يقوم على الشراكة الإقليمية والدولية في مواجهة التحديات المشتركة.
إن الرسالة الأهم التي حملتها جلسة مجلس الأمن الأخيرة والاجتماعات العربية في عمّان هي أن سوريا دخلت بالفعل مرحلة جديدة من تاريخها السياسي. مرحلة لم تعد فيها الحرب هي القضية المركزية، بل أصبحت الدولة ومؤسساتها واقتصادها ومستقبل شعبها هي العنوان الرئيسي.
واليوم، وبعد أن أوفت سوريا بالتزامات كبيرة في مسارها الانتقالي، وأظهرت قدرة واضحة على إدارة هذه المرحلة بحكمة واتزان، فإن المجتمع الدولي مطالب بأن يترجم مواقفه الإيجابية إلى خطوات عملية على الأرض، لأن نجاح سوريا في تحقيق الاستقرار ليس مصلحة سورية فقط، بل مصلحة عربية وإقليمية ودولية مشتركة.
فاستقرار سوريا يعني استقرار المشرق العربي، وتعافيها الاقتصادي يفتح آفاقاً جديدة للتنمية والتعاون الإقليمي، ونجاح تجربتها الانتقالية سيشكل نموذجاً مهماً لقدرة الدول على تجاوز آثار الحروب والصراعات نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة شراكة حقيقية مع سوريا، قائمة على الدعم والتعاون وبناء الثقة، لأن ما تحتاجه دمشق اليوم ليس المزيد من الوعود، بل المزيد من الأفعال التي تترجم الإجماع الدولي والعربي الداعم لوحدة سوريا واستقرارها إلى واقع ملموس يشعر به المواطن السوري في حياته اليومية.