لم تعد عملية إعادة الإعمار في سوريا مجرد ورشة لإصلاح ما دمرته سنوات الحرب، بل بدأت تأخذ شكلاً أكثر شمولاً يقوم على إعادة رسم الخريطة الاقتصادية والتنموية للبلاد، وتوزيع فرص الاستثمار والعمل والسكان على أساس جديد يراعي الموارد والموقع الجغرافي والحاجات التنموية.
وفي هذا السياق، يبرز شمال شرق سوريا، ولا سيما محافظات دير الزور والرقة والحسكة، كواحد من أهم المساحات المرشحة للتحول إلى واجهة اقتصادية واستثمارية جديدة، في ظل مشاريع وخطوات معلنة تتعلق بالبنية التحتية والنقل، تبرز المنطقة بوصفها مرشحة لنيل أولوية أكبر في خطط الإعمار والاستثمار.
دير الزور.. بداية عملية لإعادة بناء الشرق
يمكن أن يُنظر إلى افتتاح مطار دير الزور، بحضور وفد حكومي كبير، بوصفه خطوة تتجاوز البعد الخدمي أو اللوجستي، لما قد يحمله من دلالات اقتصادية وجغرافية تتصل بإعادة ربط المحافظة بشبكات الحركة الداخلية.
فالمدينة التي عانت طويلاً من آثار الحرب والدمار، بدأت تدخل مرحلة مختلفة تقوم على إعادة تأهيل البنية التحتية وفتح المجال أمام النشاط الاقتصادي والاستثماري، بالتوازي مع الحديث عن خطة تنموية خاصة بالمحافظة، تستهدف معالجة احتياجاتها وربطها بصورة أكبر ببقية الجغرافيا السورية.
ومن المشاريع التي تعكس هذا الاتجاه مشروع «فجر الفرات»، الذي انطلق في دير الزور لإزالة الأنقاض والأبنية الآيلة للسقوط وإعادة تدوير مخلفات البناء وتحويلها إلى مواد أولية يمكن استخدامها في أعمال إعادة الإعمار.
وتكمن أهمية المشروع في أنه لا يتعامل مع الركام بوصفه مشكلة بيئية وعمرانية فحسب، بل يحوله إلى مورد اقتصادي يمكن أن يدخل في إنتاج مواد البناء وتأهيل الطرق وصناعة البلوك والإنترلوك والبردورات وبعض أنواع الخرسانة غير الإنشائية.
وهنا تظهر فكرة أساسية في نموذج إعادة الإعمار الجديد: أي استخدام مخلفات الحرب، بعد معالجتها، كمواد أولية تدخل في بعض أعمال إعادة الإعمار.
تحول مسارات الربط الاقتصادي نحو الشرق السوري
إعادة تأهيل طريق دمشق–تدمر تمثل بدورها خطوة ذات أهمية استراتيجية؛ فتدمر ليست مجرد مدينة تاريخية، وإنما تقع على نقطة اتصال جغرافية تسمح بالنظر إلى المنطقة الشرقية باعتبارها امتداداً طبيعياً للممر الاقتصادي السوري.
ومع تطوير الطرق الواصلة من دمشق باتجاه تدمر ودير الزور، ثم تعزيز الروابط مع الرقة والحسكة، يمكن أن تتغير وظيفة الشرق السوري من منطقة هامشية نسبياً في حركة الاستثمار والنقل إلى حلقة وصل بين العاصمة والموارد والأسواق في الشرق والشمال الشرقي.
وهنا يمكن الحديث عن تحول تدريجي في مفهوم الممر الاقتصادي السوري: بدلاً من التركيز على المحاور التقليدية التي تربط دمشق بالمدن الكبرى في الشمال والغرب، تصبح الطرق المتجهة شرقاً جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة توزيع الحركة الاقتصادية والاستثمارية.
الرقة.. من مدينة منكوبة إلى عقدة ربط
الرقة أيضاً تقف أمام مرحلة مختلفة مع الحديث عن خطة تنموية خاصة بالمحافظة، إلى جانب العمل على تعزيز الربط بينها وبين حلب وإعادة تأهيل البنى التحتية.
وإذا ما جرى تنفيذ هذه المشاريع ضمن رؤية متكاملة، فإن الرقة يمكن أن تتحول إلى عقدة اقتصادية تربط شمال شرق سوريا بالوسط والشمال، بدلاً من أن تبقى محافظة ذات طابع محلي محدود النشاط.
فالربط بين الرقة وحلب لا يعني تحسين حركة السكان والبضائع فقط، وإنما يعني فتح الطريق أمام انتقال الاستثمارات وسلاسل التوريد والمنتجات الزراعية والصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية.
وبذلك يصبح الطريق جزءاً من التنمية وليس مجرد مشروع نقل.
الحسكة.. الموارد تتحول إلى فرص استثمار
أما الحسكة، فتملك مجموعة من المقومات التي تجعلها حاضرة بقوة في أي تصور طويل الأمد لإعادة بناء الاقتصاد السوري.
فالمنطقة تتمتع بموقع جغرافي مهم، وموارد زراعية وطبيعية، ومساحات واسعة قابلة للتطوير، فضلاً عن قربها من الحدود والأسواق الإقليمية.
ومع الحديث عن مشاريع استثمارية جديدة، ومع الحديث عن مشاريع استثمارية جديدة في المحافظة، تبرز الحاجة إلى توضيح طبيعة هذه المشاريع والجهات المرتبطة بها ضمن إطار رسمي معلن، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط حول حجم المشروع أو الجهة التي تقف وراءه، وإنما حول كيفية إدماج هذه المشاريع ضمن خطة وطنية متكاملة لتنمية شمال شرق سوريا.
فالاستثمار الخارجي لا يقتصر أثره المحتمل على رأس المال، بل قد يسهم في خلق وظائف، ونقل التكنولوجيا والخبرات، وتحفيز الشركات المحلية، وتأسيس قطاعات إنتاجية جديدة.
شمال شرق سوريا.. فرصة لإعادة توزيع التنمية
الأهمية الأكبر لهذا التحول لا تتعلق بمحافظة واحدة.
دير الزور والرقة والحسكة، إلى جانب تدمر ومناطق أخرى في الشرق، يمكن أن تشكل تدريجياً حزاماً تنموياً جديداً إذا جرى ربط مشاريع الطرق والمطارات والطاقة والزراعة والصناعة والخدمات اللوجستية ضمن رؤية واحدة.
وهذا يعني أن التنمية السورية المقبلة يمكن ألا تتركز في دمشق وحلب والساحل والمدن الكبرى فقط، وإنما تنتقل تدريجياً نحو المناطق التي تمتلك الموارد والمساحات والفرص غير المستثمرة.
وهنا تبرز أهمية التخطيط الإقليمي.
فسوريا الجديدة تحتاج إلى إعادة توزيع النشاط الاقتصادي بصورة تقلل الضغط عن المدن الكبرى، وتخلق مراكز اقتصادية جديدة، وتمنح السكان فرصاً للعيش والعمل بالقرب من مناطقهم الأصلية.
عودة السوريين.. عامل اقتصادي وليس إنساني فقط
تكتسب هذه المشاريع أهمية إضافية مع استمرار عودة السوريين من بلدان اللجوء.
فعودة السكان إلى دير الزور والرقة والحسكة، إذا ترافقت مع مشاريع بنية تحتية واستثمارات وفرص عمل، يمكن أن تتحول من تحدٍ خدمي إلى رافعة اقتصادية وإعمارية.
السوري العائد لا يحتاج فقط إلى منزل ومدرسة وطريق، وإنما يحتاج إلى سوق عمل ومشروع اقتصادي وبيئة إنتاجية ومستقبل مستقر.
وهذا يفرض على الخطط الحكومية ألا تنظر إلى العودة باعتبارها ملفاً إنسانياً منفصلاً، بل باعتبارها جزءاً من معادلة إعادة بناء الاقتصاد والمجتمع.
وعندما يجد الشاب فرصة عمل في مدينته، والمزارع سوقاً لمنتجاته، والمستثمر بنية تحتية مناسبة، والأسرة خدمات أساسية، فإن العودة تتحول من مجرد عودة جغرافية إلى استقرار سكاني وتنموي مستدام.
الشرق السوري.. من منطقة موارد إلى مركز إنتاج
لطالما ارتبطت صورة شمال شرق سوريا في الوعي الاقتصادي بالموارد الطبيعية والزراعة والطاقة، لكن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة هو الانتقال من اقتصاد استخراج الموارد إلى اقتصاد إنتاج متكامل.
وهذا يتطلب إنشاء صناعات مرتبطة بالزراعة، ومراكز تخزين وتبريد، ومناطق صناعية، وخدمات نقل ولوجستيات، ومشاريع طاقة، وتطوير شبكات الري والمياه، وربط الإنتاج بالأسواق المحلية والإقليمية.
عندها لا تكون دير الزور أو الرقة أو الحسكة مجرد مناطق تنتج المواد الخام، وإنما تتحول إلى مناطق تنتج القيمة المضافة.
وهنا تحديداً يمكن أن يظهر الدور الاقتصادي الحقيقي للطرق الجديدة والمطارات والبنية التحتية.
سوريا تعيد رسم بوصلتها الاقتصادية
المؤشرات الحالية لا تعني بالضرورة أن الخريطة الاقتصادية السورية قد تغيرت بالكامل، لكنها تشير إلى اتجاه يستحق المتابعة: محاولة نقل جزء من ثقل التنمية باتجاه الشرق والشمال الشرقي، وربط هذه المناطق بالمراكز الاقتصادية الرئيسية في البلاد.
وإذا تزامن ذلك مع رفع القيود الاقتصادية، وتدفق الاستثمارات، وتحسن البيئة القانونية، وعودة السوريين، ودخول شركات إقليمية ودولية إلى السوق السورية، فإن شمال شرق البلاد قد يكون أمام فرصة تاريخية.
فالمنطقة تمتلك الموقع والموارد والمساحات والقوى البشرية، وما تحتاجه هو البنية التحتية والاستقرار والإدارة الاقتصادية القادرة على تحويل هذه المقومات إلى مشاريع إنتاجية.
ومن هنا، فإن إعادة إعمار سوريا لا ينبغي أن تُقاس فقط بعدد الأبنية التي ستُرمم أو الطرق التي ستُعبد، بل بقدرة الدولة على إعادة توزيع التنمية، وخلق مراكز اقتصادية جديدة، وربط المدن والمحافظات ضمن شبكة إنتاج ونقل واستثمار واحدة.
وقد يكون شمال شرق سوريا، الذي دفع ثمناً باهظاً خلال سنوات الحرب، أحد أكبر المستفيدين من هذه الرؤية إذا تحولت الخطط المعلنة إلى مشاريع متكاملة على الأرض.
إنها ليست مجرد عملية إعادة بناء للشرق السوري؛ بل فرصة لإعادة تعريف دوره في الاقتصاد الوطني.
منطقة كانت تُقرأ لسنوات من زاوية الحرب والموارد، يمكن أن تُقرأ في سوريا الجديدة من زاوية أخرى تماماً: الإنتاج، الاستثمار، النقل، العودة، وإعادة توزيع التنمية.
وهنا يمكن أن يبدأ فصل جديد عنوانه: من هامش الخريطة الاقتصادية إلى قلبها.
تمثل الملفات النووية والكيميائية الموروثة عن النظام السابق أحد أكثر التحديات حساسية في المرحلة الحالية. ومع مؤشرات الانفتاح على التعاون مع الجهات الدولية المختصة، يبرز احتمال تحويل هذه الملفات من عبء أمني وتقني إلى مدخل لدعم التنمية العلمية والتكنولوجية والاقتصادية.
وتكمن أهمية ما يجري اليوم لا في فتح مواقع أمام الجهات الدولية المختصة أو في البدء بمعالجة بعض الملفات العالقة فحسب، بل أيضاً في طبيعة المقاربة التي تقدمها دمشق في التعامل مع هذا الإرث. في أن سوريا فتحت مواقعها أمام الجهات الدولية المختصة، أو بدأت معالجة بعض الملفات العالقة، وتشير المقاربة الرسمية السورية إلى سعيٍ للتعامل مع الإرث السابق عبر مسارات من التعاون والشفافية، مع التشديد في الوقت نفسه على السيادة والحقوق الوطنية.
وهذه المعادلة يمكن أن تكون أساساً لمرحلة أكبر بكثير من مجرد إغلاق الملفات القديمة.
إنها مرحلة الانتقال من إرث المخاطر إلى فرص التنمية.
◆
الشفافية تفتح أبواب الثقة
في العلاقات الدولية، الثقة ليست شعاراً سياسياً، وإنما هي رأس مال حقيقي.
وكل خطوة سورية باتجاه التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وكل موقع يتم فتحه أمام فرق التحقق، وكل مادة يتم الإعلان عنها وإخضاعها لإجراءات الرقابة، تسهم في بناء صورة جديدة لسوريا أمام المجتمع الدولي.
وهذا مهم جداً بالنسبة إلى الاقتصاد.
فالمستثمر الدولي يريد بيئة مستقرة وواضحة، ويريد أن يعرف أن الدولة التي سيعمل فيها ملتزمة بالقواعد الدولية، وقادرة على حماية المنشآت والمواد والبيئة، وتملك مؤسسات قادرة على إدارة الملفات الحساسة.
وبالتالي يمكن أن تسهم الشفافية العلمية والأمنية في تعزيز الثقة الاقتصادية، إلى جانب عوامل أخرى تتعلق بالاستقرار والإطار القانوني والمؤسسي.
وكلما ارتفع مستوى الثقة، اتسعت دائرة الشركات والمؤسسات والجامعات والدول المستعدة للعمل والاستثمار في سوريا.
- من التعاون الدولي إلى نقل التكنولوجيا
وهنا تبدأ الفرصة الحقيقية.
فسوريا لا تحتاج فقط إلى مساعدات لمعالجة المواد أو المواقع الخطرة، وإنما تستطيع أن تطلب من المجتمع الدولي أن يجعل من هذه العملية برنامجاً متكاملاً لـنقل المعرفة والتكنولوجيا وبناء القدرات الوطنية.
فالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، على سبيل المثال، يمكن أن يتطور إلى برامج تدريب وتأهيل للكوادر السورية، وتطوير المختبرات، وتحديث أنظمة السلامة والأمان، وتوسيع التعاون في الفيزياء الطبية، والزراعة، والصناعة، والمياه، والبحث العلمي.
وهذه ليست ملفات منفصلة عن التنمية.
فالدول الحديثة تبني اقتصادها على المعرفة، والعلوم النووية والتقنيات الإشعاعية لها تطبيقات سلمية واسعة في قطاعات الصحة والزراعة والصناعة والغذاء والبيئة.
وبالتالي فإن الاستثمار في هذه القدرات يعني الاستثمار في اقتصاد سوري أكثر تقدماً وقدرة على المنافسة.
الطاقة النووية السلمية.. حق وفرصة
من المهم هنا أن تكون الرسالة السورية واضحة:
معالجة الأنشطة السابقة لا تعني التخلي عن المستقبل النووي السلمي.
بل يمكن أن تكون الشفافية الحالية هي الأساس الذي يسمح لسوريا بإعادة بناء برنامج علمي وتقني سلمي، وفق القانون الدولي والضمانات المعترف بها.
فسوريا تحتاج في المستقبل إلى تنويع مصادر الطاقة، وتطوير البحث العلمي، وتحسين قدراتها في الطب النووي والفيزياء الطبية، وتطوير التطبيقات الزراعية والصناعية والتقنيات الحديثة.
ولذلك فإن التعاون الدولي يجب ألا يبقى محصوراً في التفتيش والتحقق، وإنما ينتقل تدريجياً إلى التدريب وبناء القدرات ونقل التكنولوجيا والاستخدامات السلمية.
وهنا يمكن لسوريا أن تحول ملفاً كان مصدر قلق إلى فرصة لبناء قطاع علمي متقدم.
القطاع الصحي.. إحدى أكبر فرص التعاون
من أهم المجالات التي يمكن أن تستفيد من هذا الانفتاح قطاع الصحة.
فالتطبيقات النووية والإشعاعية أصبحت جزءاً مهماً من الطب الحديث، سواء في التشخيص أو العلاج أو التصوير الطبي أو علاج الأورام.
وسوريا التي تعمل على إعادة بناء منظومتها الصحية تحتاج إلى تطوير الفيزياء الطبية، والطب النووي، ومراكز علاج السرطان، وتقنيات التشخيص الحديثة، وتدريب الأطباء والمهندسين والفنيين.
وهنا يمكن للتعاون الدولي أن يجمع بين إعادة الإعمار الصحي والتطوير العلمي.
فبدلاً من أن تقتصر المساعدة على إعادة بناء مستشفى، يمكن أن تشمل بناء مركز متخصص، وتأهيل كوادره، ونقل التكنولوجيا إليه، وربطه بشبكات بحثية وجامعات دولية.
فالمطلوب لا يقتصر على ترميم البنية الصحية، بل يشمل أيضاً بناء قدرات علمية ومؤسسية مستدامة داخل هذا القطاع.
الزراعة والغذاء.. التكنولوجيا في خدمة الأمن الغذائي
ولا تقل الزراعة أهمية.
فسوريا تمتلك قاعدة زراعية واسعة، والغذاء يمثل أحد أهم عناصر الأمن الوطني.
ومن هنا يمكن استخدام التقنيات النووية والإشعاعية في مجالات الزراعة والغذاء، وتحسين الإنتاج، ومكافحة بعض الآفات، ودراسة التربة والمياه، وحفظ الأغذية، ورفع كفاءة الإنتاج الزراعي.
◆
وبذلك يمكن أن يتحول التعاون العلمي إلى نتائج اقتصادية مباشرة.
سوريا لا تحتاج فقط إلى استيراد الغذاء، وإنما تحتاج إلى التكنولوجيا التي تساعدها على إنتاج غذائها بكفاءة أكبر.
وهنا تتقاطع الطاقة والعلوم والزراعة مع الأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية.
الصناعة والطاقة والمياه.. مجالات جديدة للاستثمار
الفرص لا تتوقف عند الصحة والزراعة.
فسوريا بحاجة إلى إعادة بناء قطاعها الصناعي، وتطوير محطات الطاقة، وتحسين إدارة المياه، وإعادة تأهيل البنية التحتية.
وهذه القطاعات تحتاج إلى تقنيات متقدمة وأنظمة قياس وفحص وضبط جودة وسلامة صناعية.
ومن هنا يمكن لهيئة الطاقة الذرية والمؤسسات العلمية السورية أن تتحول إلى جزء من منظومة التنمية الصناعية، من خلال الاختبارات اللاإتلافية، والفحوص الهندسية، والقياسات الإشعاعية، وضبط جودة المواد والمنشآت.
وهذا النوع من الخبرات يمكن أن يخدم قطاعات النفط والغاز والكهرباء والإنشاءات والصناعة الثقيلة.
أي أن المعرفة التي يجري تطويرها داخل المؤسسات العلمية يمكن أن تنتقل مباشرة إلى المصانع ومشاريع البنية التحتية والاستثمار.
◆
بناء الكوادر والبحث العلمي
لكن أهم ما يمكن أن تنتجه هذه المرحلة هو جيل جديد من العلماء والمهندسين والباحثين السوريين.
فالمشاركة السورية في المنافسات العلمية الدولية، وبرامج التدريب، والزمالات، والبحث العلمي، ليست مجرد أنشطة أكاديمية.
إنها استثمار طويل الأمد في الدولة.
سوريا تحتاج إلى علماء في الفيزياء والهندسة والكيمياء والطب والذكاء الاصطناعي والتقانات الحيوية والطاقة.
وتحتاج إلى ربط هؤلاء العلماء بالجامعات ومراكز البحث والشركات العالمية.
ولهذا يجب أن يصبح التعاون الدولي وسيلة لفتح برامج مشتركة، ومنح دراسية، وزمالات، ومختبرات بحثية، ومراكز ابتكار، وحاضنات تكنولوجية.
فإعادة إعمار سوريا تحتاج إلى عقول بقدر حاجتها إلى الأموال.
- من المساعدات إلى الشراكات الاستثمارية
وهنا يجب أن تتغير النظرة إلى الدعم الدولي.
وفي المرحلة المقبلة، يمكن أن يتجه الدعم الخارجي من منطق المساعدات إلى منطق الشراكات الاستثمارية وبناء القدرات.
المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على الشراكة الاستثمارية.
فالمجتمع الدولي يمكن أن يساعد سوريا في إزالة المخاطر وتأهيل المؤسسات وتطوير القدرات، ثم تأتي الشركات الدولية للاستثمار في مشاريع الطاقة والصناعة والزراعة والصحة والنقل والتكنولوجيا.
◆
وبذلك يصبح الدعم الدولي محفزاً للاستثمار وليس بديلاً عنه.
وهذه هي المعادلة الأكثر استدامة:
تمويل دولي لبناء القدرات + استثمار خاص + نقل تكنولوجيا + كوادر سورية = تنمية مستدامة.
التعاون مع أوروبا.. فرصة استراتيجية
وفي هذا السياق تبرز أوروبا كشريك طبيعي.
فألمانيا، وفرنسا، والدنمارك، والاتحاد الأوروبي، وغيرها من الدول والمؤسسات الأوروبية، تمتلك خبرات واسعة في الطاقة والبيئة والصحة والصناعة والتكنولوجيا والتدريب.
ومع عودة البعثات الأوروبية إلى دمشق وتوسع الاتصالات الاقتصادية والسياسية، يمكن أن يتطور التعاون من الدعم والمساعدات إلى مشاريع استثمارية طويلة الأمد.
ويمكن أن تشمل هذه الشراكة إعادة تأهيل المختبرات، وتطوير البنية الصحية، وإدارة النفايات، والطاقة النظيفة، والمياه، والزراعة الذكية، والتعليم التقني، والتحول الرقمي.
وهكذا يصبح الانفتاح الدبلوماسي مقدمة للانفتاح الاقتصادي والعلمي.
السيادة.. الإطار الذي يحكم الانفتاح
لكن الانفتاح لا يعني التنازل عن القرار الوطني.
على العكس، فإن سوريا تحتاج إلى أن تجعل السيادة جزءاً من مفهوم الشراكة.
فهي تتعاون مع المؤسسات الدولية، لكنها تفعل ذلك وفق القانون وبقرار سيادي.
وتفتح أبوابها أمام الخبراء، لكنها تحدد الأطر القانونية للتعاون.
وتطلب التكنولوجيا والاستثمار، لكنها تحافظ على مصالحها الوطنية.
وهذا هو النموذج الذي تحتاجه سوريا:
انفتاح بلا تبعية، تعاون بلا وصاية، شفافية بلا انتقاص من السيادة، واستثمار بلا التفريط بالمصلحة الوطنية.
◆
سوريا أمام فرصة تاريخية
ما يجري اليوم في الملفات النووية والكيميائية يجب ألا يُنظر إليه باعتباره مجرد إغلاق لصفحات الماضي.
إنه يمكن أن يكون بداية لصفحة جديدة.
صفحة تعود فيها سوريا إلى المؤسسات الدولية، وتعيد بناء الثقة، وتفتح المجال أمام الجامعات والشركات ومراكز الأبحاث، وتستفيد من التكنولوجيا العالمية، وتعيد تأهيل كوادرها، وتدخل في مشاريع استثمارية حديثة.
والأهم أن سوريا تستطيع أن تستخدم هذا الانفتاح لتدفع باتجاه رفع القيود أمام التعاون العلمي والتقني والاقتصادي، والحصول على الدعم الدولي اللازم لمعالجة آثار الماضي، ثم تحويل هذا الدعم إلى قدرة وطنية مستدامة.
◆
الخلاصة.. معالجة الماضي لبناء المستقبل
أرى أن سوريا تقف أمام فرصة نادرة:
أن تحول الملفات التي كانت لعقود مصدر قلق دولي إلى نموذج على المسؤولية والشفافية والتعاون والتنمية.
أن تقول للمجتمع الدولي:
لقد فتحنا الأبواب، وتعاونّا، وقدمنا المعلومات، وأخضعنا المواد للإجراءات الدولية، وبدأنا معالجة الملفات العالقة.
والآن نريد منكم أن تفتحوا لنا أبواب التكنولوجيا والاستثمار والتدريب والأسواق، وأن تساعدونا في بناء قدراتنا الوطنية.
نريد أن تتحول العلاقة من المراقبة إلى الشراكة، ومن معالجة المخاطر إلى صناعة الفرص، ومن المساعدات إلى الاستثمار، ومن نقل الخبرة إلى بناء المعرفة السورية.
وهنا تكمن قيمة الانفتاح السوري الحقيقي.
فسوريا لا تعود إلى المجتمع الدولي لكي تبقى أسيرة ملفات الماضي، وإنما تعود لكي تبني المستقبل.
تعالج إرثها بشفافية، تحافظ على سيادتها، تستعيد ثقة العالم، وتفتح أبواب التنمية.
ومن دير الزور إلى المختبرات، ومن الطاقة النووية السلمية إلى الطب والزراعة والصناعة، ومن التعاون مع الوكالات الدولية إلى الشراكات الأوروبية والدولية، يمكن أن تبدأ سوريا بتحويل أحد أكثر الملفات حساسية في تاريخها إلى رافعة للعلم والتكنولوجيا والاستثمار وإعادة بناء الدولة.
وهذا هو جوهر المرحلة المقبلة:
أن تكون الشفافية بوابة للثقة، والثقة بوابة للاستثمار، والاستثمار بوابة للتنمية، والتنمية أساساً لاستعادة سوريا قوتها ومكانتها الإقليمية والدولية.
يشكل إعلان الرئيس أحمد الشرع عن إطلاق حزمة من المشاريع الخدمية والتنموية في محافظة دير الزور نقطة تحول محتملة في مسار التنمية شرق سوريا. ليس بوصفها منطقة خرجت من الحرب فحسب، وإنما باعتبارها ركيزة أساسية لمستقبل الاقتصاد السوري.
ويعد الإعلان عن مشروع طريق دمشق – دير الزور بكلفة تصل إلى 300 مليون دولار، إلى جانب إنشاء مدينة صناعية كبرى ومستشفى متخصص لعلاج أمراض السرطان، خطوة قد تفتح الباب أمام خطط تنموية أوسع في دير الزور ومناطق أخرى شرق البلاد، وفق ما تعلنه الجهات الرسمية لاحقاً. وتأتي هذه المشاريع بالتزامن مع إعادة افتتاح مطار دير الزور الدولي واستعادة نشاطه، بما قد يسهم، وفق التقديرات الرسمية، في تسهيل حركة النقل وربط المنطقة الشرقية ببقية المحافظات السورية والدول المجاورة، وتنشيط التجارة والاستثمار.

ولا تقتصر أهمية هذه المشاريع على بعدها الخدمي، بل تحمل رؤية متكاملة لإعادة تأهيل البنية التحتية، وتحسين شبكة الطرق، وتطوير القطاع الصحي، وإنشاء مناطق صناعية جديدة، وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي، وخلق فرص عمل جديدة، بحسب ما ستحدده الخطط التنفيذية المعلنة لكل مشروع، بما يسهم في الحد من البطالة وتحسين مستوى الدخل والمعيشة. وتتمتع الجزيرة السورية بمقومات اقتصادية تجعلها إحدى أهم المناطق الواعدة في سوريا، فهي تضم الجزء الأكبر من الثروات النفطية والغازية، والأراضي الزراعية الخصبة، والثروة الحيوانية، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يربط سوريا بالعراق وتركيا، ما يجعلها مؤهلة لتكون مركزاً للإنتاج الزراعي والصناعي والطاقة والنقل والتجارة.
وفي حال انتقلت آبار النفط والغاز مستقبلاً إلى إدارة الدولة، أو جرى التوصل إلى ترتيبات جديدة بشأنها، فقد ينعكس ذلك على قطاع الطاقة في المنطقة، بما قد يدعم مشاريع التنمية وإعادة الإعمار في مختلف المحافظات السورية. كما أن المرحلة المقبلة تحمل فرصاً كبيرة لإعادة تنشيط الحياة الاجتماعية والثقافية والتعليمية، من خلال إعادة تأهيل المدارس والجامعات والمراكز الثقافية والمستشفيات، وتعزيز الخدمات العامة، بما يشجع عودة السكان والكوادر والكفاءات ورؤوس الأموال إلى مدنهم ومناطقهم بعد سنوات طويلة من النزوح والهجرة.

إلا أن نجاح هذه الرؤية التنموية يبقى مرتبطاً بعدة تحديات، من بينها مستقبل الترتيبات الأمنية والإدارية في المنطقة، بما في ذلك ملف العلاقة بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ومؤسسات الدولة السورية، لما لذلك من أثر محتمل على بيئة المشاريع التنموية والاستثمارية. كما أن مواجهة خلايا تنظيم داعش النشطة في بعض المناطق تمثل أولوية أمنية لضمان استدامة الاستقرار، فالتنمية لا يمكن أن تزدهر إلا في بيئة آمنة تحمي المواطنين والمستثمرين والمنشآت الحيوية.
وتبرز أيضاً الحاجة إلى ترميم الثقة بين الدولة والمجتمع المحلي، من خلال حضور حكومي فعّال يلامس احتياجات المواطنين اليومية. فقد تركت حوادث الغرق والنقل التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية أثراً كبيراً في نفوس الأهالي، ورسخت مطالبهم بزيادة الاهتمام بالبنية التحتية، وتعزيز خدمات النقل والسلامة العامة، وتطوير المرافق الصحية والإنقاذ، بما يعكس اهتمام الدولة بأبنائها في المنطقة الشرقية.
إن أبناء الجزيرة السورية لا ينتظرون المشاريع فقط، بل يتطلعون إلى رؤية اهتمام حكومي مستمر، يشعرهم بأنهم شركاء في بناء مستقبل البلاد، وأن الدولة حاضرة في تفاصيل حياتهم اليومية، عبر الخدمات، والتنمية، وفرص العمل، والاستثمار، والتعليم، والرعاية الصحية.
◆
وتبقى المرحلة المقبلة فرصة تاريخية لتحويل المنطقة الشرقية من ساحة للصراع إلى ساحة للإنتاج والتنمية. وإذا ما استكملت مشاريع الطرق، والمناطق الصناعية، والطاقة، والصحة، والتعليم، مع تعزيز الأمن والاستقرار، فإن الحسكة والرقة ودير الزور والميادين والبوكمال والقامشلي ستتحول إلى أحد أهم أقطاب النمو الاقتصادي في سوريا، وستكون رافعة حقيقية لإعادة الإعمار الوطنية، ونموذجاً لعودة الدولة إلى جميع مناطقها عبر التنمية والخدمات، بما يعزز وحدة البلاد ويرسخ الاستقرار ويؤسس لمرحلة جديدة من التعافي والازدهار.