شهدت السنوات الأخيرة تحولاً مهماً في علاقة سوريا بالمؤسسات المالية الدولية، بعد سنوات طويلة من العزلة الاقتصادية وتوقف برامج التعاون التنموي. فمنذ اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن عام 2025، مروراً بسلسلة اللقاءات الدولية المتعلقة بمستقبل الاقتصاد السوري، وصولاً إلى الاجتماعات السنوية للمؤسستين في بانكوك، برز توجه دولي متزايد نحو دعم تعافي الاقتصاد السوري وإعادة دمجه في النظام المالي العالمي.

في أبريل 2025، صدر بيان مشترك عن وزير المالية السعودي محمد الجدعان، ومديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا، ورئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا، أكد وجود توافق دولي على دعم جهود سوريا في التعافي الاقتصادي وإعادة بناء المؤسسات ومكافحة الفقر، مع التركيز على بناء القدرات وإعداد استراتيجية وطنية للتعافي الاقتصادي. كما دعا البيان البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى الاضطلاع بدور رئيسي في دعم سوريا، كلٌّ ضمن نطاق اختصاصاته.

وخلال الاجتماعات الدولية الأخيرة، شاركت سوريا بوفد رسمي ضم مسؤولين من وزارة المالية ومصرف سوريا المركزي، بهدف تعزيز التعاون مع المؤسسات المالية الدولية واستكشاف فرص التمويل والدعم الفني وإعادة تأهيل القطاعات الحيوية.

كما شهدت هذه الاجتماعات لقاءات مباشرة مع رئيس البنك الدولي أجاي بانغا، حيث طُرحت احتياجات سوريا المتعلقة بتوسيع الدعم المخصص لمشاريع التعافي وإعادة الإعمار، وتشجيع تدفق الاستثمارات ورؤوس الأموال إلى القطاع الخاص السوري، إلى جانب بحث إمكانية إنشاء مكتب للبنك الدولي في دمشق وتعزيز برامج التمويل من خلال المؤسسة الدولية للتنمية (IDA).

المؤسسة الدولية للتنمية (IDA): شريك أساسي في مرحلة التعافي

برز خلال هذه المرحلة دور المؤسسة الدولية للتنمية، التابعة لمجموعة البنك الدولي، باعتبارها الذراع التمويلية المعنية بتقديم المنح والقروض الميسرة للدول منخفضة الدخل، ولا سيما الدول التي تواجه ظروفاً استثنائية نتيجة النزاعات والأزمات الاقتصادية.

ووفقاً للتصريحات والتقارير المنشورة في أكتوبر 2026، حصلت سوريا على منح من المؤسسة الدولية للتنمية بقيمة إجمالية معلنة بلغت نحو 493 مليون دولار، لدعم قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والإدارة المالية والقطاع المالي.

ومن أبرز التمويلات والمشاريع التي أعلن عنها البنك الدولي:

وتبلغ قيمة هذه المشاريع الرئيسية الأربعة 491 مليون دولار، في حين أن إجمالي المنح المعلن عنه لسوريا بلغ 493 مليون دولار، ويشمل أيضاً قطاعات ومبادرات أخرى، من بينها التعليم. ولا تتوافر في البيانات المشار إليها تفاصيل مستقلة تسمح بتحديد قيمة كل تخصيص إضافي على حدة.

وتعكس هذه التمويلات اتساع نطاق التعاون التنموي، من إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية إلى تطوير المؤسسات المالية والإدارية.

لكن من المهم هنا التمييز بين قيمة المنح التي أُعلن عنها، والمبالغ التي تمت الموافقة عليها، والمبالغ التي جرى صرفها فعلياً، وما تم إنجازه على أرض الواقع. فالإعلان عن تمويل مشروع لا يعني بالضرورة أن المشروع قد نُفذ، أو أن كامل المبلغ قد وصل إلى الجهات المنفذة أو إلى المستفيدين النهائيين.

وهذا التمييز سيكون أساسياً عند تقييم نتائج التعاون بين سوريا والبنك الدولي.

ونرى أن أهمية هذه الخطوة لا تكمن في حجم التمويل وحده، بل في طبيعة الأولويات التي يستهدفها. فسوريا لا تحتاج في هذه المرحلة إلى معالجة الاختلالات المالية والمؤشرات الاقتصادية فحسب، وإنما تحتاج أولاً إلى إعادة تشغيل الخدمات الأساسية، واستعادة الحد الأدنى من كفاءة المؤسسات، وتهيئة بيئة اقتصادية قادرة على جذب الاستثمارات وتحفيز القطاع الخاص وخلق فرص العمل.

وهنا تبرز القضية الأساسية: كيف يمكن تحويل الدعم الدولي من مجرد التزامات مالية وبرامج تعاون إلى نتائج اقتصادية واجتماعية ملموسة يشعر بها المواطن السوري؟

من بانكوك إلى دمشق: هل تحتاج سوريا إلى خطط اقتصادية أم إلى غرفة إسعاف وطنية؟

تابعنا باهتمام كبير اللقاءات المتسارعة بين الحكومة السورية وكل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمؤسسة الدولية للتنمية. ونعتقد أن هذه اللقاءات تمثل منعطفاً مهماً في علاقة سوريا بالمؤسسات المالية الدولية، بعد سنوات طويلة من العزلة والصراع والتراجع الاقتصادي.

وفي الاجتماعات الأخيرة، برزت لغة مختلفة عن تلك التي سادت خلال السنوات السابقة. فقد تحدث المسؤولون السوريون عن التعافي وإعادة الإعمار، بينما تناول مسؤولو البنك الدولي فرص توسيع الدعم المالي والفني لسوريا، وتمويل قطاعات المياه والكهرباء والصحة والتعليم والتحول الرقمي.

كما طُرحت مسألة إعداد استراتيجية شراكة بين سوريا والبنك الدولي، وإنشاء صندوق متعدد المانحين لدعم جهود إعادة الإعمار.

كذلك، ناقش الوفد السوري مع مسؤولي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي آليات استعادة التمويل متعدد الأطراف، وتعزيز القدرات المؤسسية، واستئناف المشاريع التنموية التي توقفت لسنوات طويلة.

لا شك أن هذه التطورات إيجابية ومطلوبة، ونعتبرها خطوة مهمة في مسار الدبلوماسية الاقتصادية السورية. ومع ذلك، فإن الاحتفاء بعودة العلاقات الدولية يجب ألا يحجب السؤال الأكثر إلحاحاً:

هل تملك سوريا ترف الانتظار حتى تكتمل الإجراءات التقليدية للتخطيط والتمويل والتنفيذ؟

إن طبيعة المرحلة التي تمر بها سوريا تفرض علينا التفكير بطريقة مختلفة، ليس في أهداف التنمية فحسب، بل أيضاً في توقيت التدخلات الاقتصادية، وأولويات التمويل، وآليات التنفيذ والرقابة.

سوريا ليست دولة نامية تقليدية

نعتقد أن أحد الأخطاء التي قد تقع فيها المؤسسات والخبرات الدولية هو التعامل مع سوريا باعتبارها دولة نامية تواجه تحديات اقتصادية تقليدية، وتحتاج إلى تحسين بعض المؤشرات أو رفع معدلات النمو تدريجياً.

لكن سوريا اليوم حالة مختلفة تماماً.

نحن لا نتحدث عن دولة تحتاج إلى زيادة معدل نموها الاقتصادي بنسبة نقطتين أو ثلاث نقاط مئوية، ولا عن اقتصاد يواجه مجرد تباطؤ في الإنتاج أو اختلالات في الموازنة العامة.

نحن نتحدث عن دولة خرجت من حرب مدمرة استمرت سنوات طويلة، وأدت إلى تدمير أجزاء واسعة من بنيتها التحتية، وتراجع قدرتها الإنتاجية، واستنزاف طبقتها الوسطى، ودفع ملايين المواطنين إلى دائرة الفقر أو ما دونها.

نحن أمام مجتمع يحتاج، قبل أي شيء، إلى الكهرباء والمياه والعمل والدواء والسكن، وإلى استعادة الحد الأدنى من مقومات الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

وهذا الاختلاف ليس مجرد توصيف إنساني للأزمة، بل هو عامل اقتصادي يجب أن ينعكس مباشرة على تصميم السياسات والبرامج التنموية.

ففي الاقتصادات التي تمر بأزمات تقليدية، قد يكون من الممكن البدء بإصلاحات تدريجية وفق جداول زمنية متوسطة وطويلة الأجل. أما في الحالة السورية، فإن تأجيل التدخلات الأساسية قد يؤدي إلى تعميق الخسائر الاقتصادية، وتراجع رأس المال البشري، وتآكل ما تبقى من القدرات الإنتاجية.

ومن هنا، نرى أن أي نقاش جاد حول مستقبل الاقتصاد السوري يجب أن ينطلق من الواقع الإنساني والاجتماعي والإنتاجي، لا من الجداول والإحصاءات والتقارير الفنية وحدها.

فالمؤشرات الاقتصادية ضرورية، لكنها لا تستطيع بمفردها التعبير عن حجم الاحتياجات اليومية لمجتمع أنهكته سنوات الحرب. كما أن تحقيق الاستقرار في المؤشرات الكلية لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد قد بدأ بالتعافي إذا لم ينعكس ذلك على مستوى معيشة المواطنين وفرص العمل والقدرة الإنتاجية.

كيف يفكر البنك الدولي؟ وأين تكمن الفجوة؟

البنك الدولي، في جوهر عمله، مؤسسة تنموية تهدف إلى دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية على المدى المتوسط والطويل، من خلال تمويل المشاريع، وتقديم الخبرات الفنية، وتعزيز قدرات المؤسسات الحكومية.

وعادةً ما تبدأ آلية عمله في أي دولة بإجراء الدراسات والتقييمات الفنية، وتحديد الاحتياجات والأولويات، ثم إعداد المشاريع ودراسة جدواها، واستكمال إجراءات الموافقة والتمويل، وصولاً إلى التنفيذ والمتابعة والتقييم.

هذه آلية مؤسسية منطقية وضرورية لضمان كفاءة استخدام الموارد، وتعزيز الشفافية، وتحقيق نتائج مستدامة.

لكن التحدي في الحالة السورية يتمثل في أن هذه العملية قد تستغرق وقتاً طويلاً، وقد تمر سنوات قبل أن يشعر المواطن بنتائجها المباشرة.

وفي الوقت الذي تتركز فيه الأولويات التنموية على إعادة تأهيل البنية التحتية، وتحسين الخدمات العامة، وتطوير كفاءة المؤسسات الحكومية، وتعزيز القدرات الإدارية والمالية، هناك احتياجات لا تحتمل التأجيل.

فالمواطن الذي لا يجد الدواء اليوم، والأسرة التي تعيش من دون دخل ثابت، والعامل الذي فقد وظيفته، لا يستطيعون الانتظار حتى تكتمل الدراسات وتبدأ المشاريع في إنتاج نتائجها.

ولا نقصد بذلك تجاوز المعايير الفنية أو إجراءات الرقابة والحوكمة التي يعتمدها البنك الدولي، بل نرى أن المطلوب هو تطوير آليات أكثر مرونة وسرعة تتناسب مع طبيعة الأزمات الاستثنائية.

ومن هنا تبرز الفجوة التي ينبغي معالجتها: كيف يمكن الجمع بين متطلبات التنمية طويلة الأجل والاحتياجات الاقتصادية والإنسانية العاجلة، دون التضحية بجودة المشاريع أو استدامة نتائجها؟

وماذا عن صندوق النقد الدولي؟

من الضروري التمييز بين دور البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، لأن الخلط بين اختصاصات المؤسستين قد يؤدي إلى فهم غير دقيق لطبيعة الدعم الذي تحتاج إليه سوريا.

فالبنك الدولي يركز بصورة أساسية على التنمية وتمويل المشاريع وتحسين الخدمات وبناء المؤسسات، بينما يهتم صندوق النقد الدولي باستقرار الاقتصاد الكلي، والسياسات النقدية والمالية، وإدارة الاختلالات الاقتصادية.

وعندما يقدم صندوق النقد الدولي برامج تمويل أو دعماً للدول، فإنه غالباً ما يربطها بحزمة من الإصلاحات الاقتصادية والمالية التي قد تشمل الموازنة العامة، وسعر الصرف، والإيرادات الحكومية، والدعم، وإدارة الدين العام، والسياسة النقدية.

والهدف المعلن من هذه البرامج هو استعادة الاستقرار المالي والنقدي وتحسين قدرة الدولة على إدارة اقتصادها.

لكن التجارب الدولية أظهرت أن بعض برامج الصندوق قد تترتب عليها تكاليف اجتماعية مرتفعة، خصوصاً عندما تُطبق إجراءات التقشف أو تخفيض الدعم أو إعادة هيكلة الإنفاق العام في مجتمعات تعاني أصلاً من الفقر والبطالة وضعف القدرة الشرائية.

ولا يعني ذلك رفض التعاون مع صندوق النقد الدولي، أو التقليل من أهمية الاستقرار المالي والنقدي، بل يعني ضرورة التعامل مع أي برنامج إصلاحي مستقبلي بمنهج تحليلي حذر، يأخذ في الاعتبار خصوصية الحالة السورية والقدرة الفعلية للمجتمع على تحمل تكاليف الإصلاح.

فليس من المنطقي أن تبدأ عملية التعافي بتحميل الأسر الفقيرة والطبقات الأكثر هشاشة العبء الأكبر من الإصلاحات، أو أن تتحول المؤشرات المالية إلى أولوية منفصلة عن الاحتياجات الأساسية للمواطنين.

ومن وجهة نظرنا، يجب أن يُقاس نجاح الإصلاح الاقتصادي ليس فقط بقدرة الدولة على خفض العجز أو ضبط الإنفاق، بل أيضاً بقدرتها على حماية المجتمع، واستعادة الإنتاج، وخلق فرص العمل، وتحسين مستوى المعيشة.

إن الاستقرار الاقتصادي الذي لا يصاحبه تحسن اجتماعي وإنتاجي يظل استقراراً محدود الأثر، وقد لا يكون قابلاً للاستمرار على المدى الطويل.

لماذا يستحق التمويل السعودي اهتماماً خاصاً؟

من بين التطورات التي لفتت انتباهنا مؤخراً الاتفاقيات التمويلية التي وقّعها الصندوق السعودي للتنمية مع سوريا في نوفمبر 2026، والتي تضمنت ستة قروض تنموية ميسرة تجاوزت قيمتها الإجمالية 403 ملايين دولار.

وتوزعت هذه الاتفاقيات على مشاريع محددة في قطاعات حيوية، من أبرزها:

ما يلفت الانتباه في هذا النوع من التمويل هو ارتباطه بمشاريع محددة، مع تحديد تكلفتها والقطاعات المستفيدة والنتائج المتوقعة منها.

فبدلاً من حصر النقاش في إعادة صياغة النموذج الاقتصادي للدولة أو وضع مجموعة واسعة من السياسات العامة، يبرز هنا نهج يبدأ بتحديد الاحتياجات الفعلية، ثم تقدير تكاليف المشاريع، وتحديد آليات التنفيذ والتمويل.

وبالنسبة لنا، فإن أهمية هذا النموذج تكمن في قدرته على ربط التمويل بنتائج عملية يمكن قياسها ومتابعتها.

فالمطلوب من سوريا اليوم ليس فقط الحصول على التمويل، بل الحصول على تمويل يرتبط بأولويات وطنية واضحة، ويترجم إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، ويحقق نتائج ملموسة في حياة المواطنين.

ولا يعني ذلك أن التمويل السعودي يخلو من الشروط أو متطلبات التنفيذ والرقابة، أو أن التمويل التنموي الدولي لا يهتم بالمشاريع المحددة. فالمقارنة هنا ليست بين مؤسستين أو نموذجين تمويليين باعتبار أحدهما أفضل بصورة مطلقة من الآخر، وإنما بين أهمية توجيه التمويل نحو الاحتياجات المباشرة والنتائج العملية، وضرورة عدم إغفال الإصلاحات الهيكلية والمؤسسية.

ونعتقد أن سوريا بحاجة إلى الاستفادة من مختلف مصادر التمويل والخبرات الدولية، مع الحفاظ على وضوح الأولويات الوطنية والتأكد من أن كل تمويل جديد يضيف قيمة حقيقية إلى مسار التعافي.

أين تذهب أموال المنح والقروض؟ من المسؤول عن الرقابة والتدقيق والمساءلة؟

أعتقد أن هذا السؤال يجب أن يحتل مكانة أساسية في أي نقاش جاد حول مستقبل التعاون المالي والتنموي بين سوريا والمؤسسات الدولية.

فالحصول على المنح والقروض الميسرة يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يشكل بحد ذاته ضمانة لنجاح عملية التعافي. والتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تأمين الموارد المالية، بل في كيفية إدارتها وتخصيصها وصرفها، ومدى وصولها إلى المشاريع والقطاعات التي خُصصت من أجلها.

عندما تعلن المؤسسات الدولية عن تخصيص مئات الملايين من الدولارات لإعادة تأهيل الكهرباء والمياه والمستشفيات والمدارس، فمن حق المواطنين السوريين، ومن حق الجهات المانحة أيضاً، معرفة ما الذي حدث لهذه الأموال بعد الإعلان عنها.

هل وصلت المبالغ إلى الجهات المنفذة؟

كم تبلغ قيمة العقود التي وُقعت فعلياً؟

كم تم صرفه على شراء المعدات والمواد وتنفيذ الأعمال الإنشائية؟

كم تم تخصيصه للاستشارات والدراسات والخدمات الفنية والإدارية؟

وما القيمة الفعلية للأصول والمشاريع التي أُنجزت على الأرض؟

هذه ليست أسئلة تشكيكية في التعاون الدولي، بل هي أسئلة أساسية تتعلق بالحوكمة الرشيدة وحماية المال العام وضمان كفاءة استخدام الموارد.

فمن الممكن أن يكون المشروع قد حصل على تمويل كبير، وأن تُصرف مبالغ معتبرة على إعداد الدراسات والتقييمات والتعاقد مع الشركات الاستشارية والخبراء، بينما يظل التنفيذ الفعلي محدوداً أو يتأخر عن الجدول الزمني المحدد.

ولا يعني ذلك أن الاستشارات والدراسات غير ضرورية؛ ففي المشاريع المعقدة، تحتاج الجهات المنفذة إلى مهندسين وخبراء ومكاتب استشارية ومختصين في الإدارة والمشتريات والرقابة البيئية والمالية.

لكن السؤال هو: ما حجم هذه التكاليف مقارنة بقيمة المشروع؟ وهل ترتبط بمخرجات محددة وقابلة للقياس؟ وهل تحقق قيمة مضافة حقيقية للتنفيذ؟

لا ينبغي أن تتحول مشاريع التعافي إلى مشاريع لإنتاج الدراسات والتقارير وتوظيف الاستشاريين، بينما ينتظر المواطن وصول المياه والكهرباء والخدمات الصحية.

ونرى أن ضمان النزاهة والشفافية يتطلب وجود منظومة رقابية متكاملة، تشمل عدة مستويات:

أولاً: مسؤولية الجهات الحكومية السورية المنفذة

يجب أن تتحمل كل وزارة أو مؤسسة حكومية مسؤولة عن تنفيذ مشروع معين مسؤولية واضحة عن إدارة التمويل، والتعاقد، والمشتريات، وصرف الأموال، ومتابعة الإنجاز.

ولا يكفي أن تكون هناك جهة حكومية مستفيدة من التمويل؛ بل يجب أن تكون هناك جهة تنفيذية محددة، ومسؤوليات إدارية ومالية واضحة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس.

ثانياً: دور وزارة المالية

ينبغي أن يكون لوزارة المالية دور محوري في متابعة التدفقات المالية المرتبطة بالمنح والقروض، وتوحيد التقارير المتعلقة بالمبالغ المعتمدة والمصروفة والمتبقية، ومراقبة الالتزامات المالية والعقود.

ومن المهم في هذا السياق تطوير وظيفة القسم الائتماني للمعونة الخارجية السورية (SEAFS)، الذي أعلن البنك الدولي عن دعمه ضمن مشروع تعزيز الإدارة المالية العامة، ليكون آلية تنسيق ورقابة ائتمانية على المساعدات الخارجية، وفق الصلاحيات والترتيبات المعتمدة.

ثالثاً: التدقيق المالي المستقل

من الضروري إخضاع المشاريع الممولة دولياً لعمليات تدقيق مالي مستقلة ينفذها مدققو حسابات خارجيون مؤهلون ومستقلون، وفق المعايير الدولية والمتطلبات التعاقدية لكل مشروع.

ويجب ألا يقتصر التدقيق على التأكد من وجود الفواتير والمستندات المحاسبية، بل ينبغي أن يشمل التحقق من صحة المدفوعات، والالتزام بالعقود، وسلامة إجراءات الشراء والتوريد، وعدم وجود تضارب مصالح أو ازدواجية في الإنفاق.

رابعاً: الرقابة الفنية والميدانية المستقلة

التدقيق المالي وحده لا يكفي.

فقد تكون الحسابات صحيحة من الناحية الشكلية، لكن المشروع لم يحقق النتائج المطلوبة، أو أن المعدات المشتراة لم تصل إلى الموقع، أو أن الأعمال المنفذة لا تتوافق مع المواصفات الفنية.

لذلك، نحتاج إلى مدققين فنيين ومهندسين مستقلين، وإلى زيارات ميدانية للتحقق من نسب الإنجاز وجودة الأعمال ومطابقة المشاريع للمواصفات المتفق عليها.

خامساً: دور البنك الدولي والمؤسسات المانحة

لا ينبغي أن تنتهي مسؤولية البنك الدولي عند الموافقة على التمويل وتحويل الأموال إلى الجهات المعنية.

بل يجب أن تستمر الرقابة الائتمانية والمالية والفنية طوال دورة المشروع، من مرحلة التعاقد وحتى الاستلام النهائي والتقييم.

ومن المهم الإشارة إلى أن البنك الدولي أعلن بالفعل، في مشروع طوارئ الكهرباء البالغ 146 مليون دولار، عن تعيين جهة هندسية استشارية مستقلة للإشراف على إدارة المشروع والأعمال الهندسية والمالية، إضافة إلى الاستعانة بجهة مستقلة للمتابعة والرقابة على الجوانب المالية والبيئية والاجتماعية.

وهذا توجه إيجابي ينبغي توسيعه والاستفادة منه في المشاريع الأخرى.

سادساً: دور الأجهزة الرقابية الوطنية

ينبغي أيضاً تفعيل دور الأجهزة الرقابية الوطنية المختصة، بما فيها أجهزة الرقابة المالية والتفتيش، وتحديد مسؤولياتها وصلاحياتها في متابعة المشاريع الممولة من الخارج، بما يضمن عدم وجود فجوات رقابية بين الجهات المانحة والجهات الحكومية المنفذة.

ومن المهم أن تكون هذه الأجهزة مستقلة مهنياً، وأن تتمكن من الوصول إلى العقود والبيانات والمستندات اللازمة، وأن تنشر نتائج تقاريرها وفق الأطر القانونية المعتمدة.

سابعاً: الشفافية وإتاحة المعلومات للمواطنين

نرى أن من حق المواطن السوري معرفة كيفية استخدام الموارد المخصصة لإعادة بناء بلده.

ولذلك، نقترح إنشاء منصة إلكترونية وطنية موحدة تُنشر عليها بيانات المشاريع الممولة من المنح والقروض الدولية، بحيث تتضمن لكل مشروع:

إن نشر هذه المعلومات لا يهدف إلى التشهير بالمؤسسات أو الشركات، بل إلى بناء الثقة بين الدولة والمواطنين والجهات المانحة، وتعزيز ثقافة المساءلة.

ونعتقد أن نجاح سوريا في جذب المزيد من التمويل الدولي لن يعتمد فقط على قدرتها على تقديم المشاريع وطلب المنح، بل أيضاً على قدرتها على إثبات أن الأموال السابقة أُديرت بكفاءة وشفافية وحققت النتائج المستهدفة.

فالمنحة التي لا تخضع للرقابة قد تفقد قيمتها التنموية، والقرض الذي لا يتحول إلى أصول إنتاجية وخدمات مستدامة قد يتحول إلى التزام مالي إضافي تتحمله الأجيال القادمة.

وهذا هو جوهر الحوكمة الرشيدة: ألا نكتفي بمعرفة كم حصلنا من الأموال، بل أن نعرف أين ذهبت، وكيف أُنفقت، وماذا حققت.

نحو شراكة تنموية تستجيب لأولويات سوريا: ما الذي ننتظره من البنك الدولي؟

نعتقد أن البنك الدولي يمتلك اليوم فرصة تاريخية لإظهار قدر أكبر من المرونة والابتكار في تعامله مع الحالة السورية.

فسوريا ليست مشروعاً اقتصادياً عادياً، وليست دولة يمكن التعامل مع احتياجاتها وفق الجداول الزمنية التقليدية وحدها.

إنها حالة إنسانية وتنموية استثنائية تتطلب استجابة تتناسب مع حجم الدمار، واتساع الاحتياجات، وتعقيد التحديات المؤسسية والاقتصادية.

ومن هنا، نرى أن الوقت قد حان للانتقال من مفهوم إعادة الإعمار التقليدية إلى مفهوم أوسع يمكن تسميته «الاستجابة التنموية الإسعافية»؛ وهو نهج يجمع بين سرعة التدخل، ووضوح الأولويات، والاستدامة الاقتصادية والمؤسسية.

ولا نقصد بهذا المفهوم استبدال التخطيط التنموي طويل الأجل أو تجاوز المعايير الدولية، بل تطوير مسار موازٍ يسمح بالاستجابة للاحتياجات العاجلة، بالتزامن مع بناء المؤسسات وإصلاح الاقتصاد.

ونرى أن هذا النهج يمكن أن يقوم على مسارين متكاملين:

أولاً: مسار التدخل الاقتصادي والتنموي العاجل

يجب أن تكون الأولوية في المرحلة الحالية لإعادة تشغيل مقومات الحياة والإنتاج، من خلال:

ثانياً: مسار الإصلاح الاقتصادي والمؤسسي طويل الأجل

بالتوازي مع التدخلات العاجلة، يجب العمل على بناء قاعدة مؤسسية واقتصادية قادرة على ضمان استدامة التعافي، من خلال:

وهنا يبرز سؤال جوهري: لماذا يجب أن تختار سوريا بين المسارين، بينما يمكن العمل عليهما بالتوازي؟

فكل يوم تأخير في إعادة تأهيل المستشفيات أو شبكات المياه أو الكهرباء ينعكس مباشرة على حياة ملايين السوريين، كما أن كل فرصة عمل جديدة يمكن أن تسهم في تخفيف الضغوط الاجتماعية والاقتصادية وإعادة بناء الثقة بالمستقبل.

ونعتقد أن على البنك الدولي أن ينظر إلى هذه المرحلة باعتبارها فرصة لتطوير نموذج عملي للتعاون التنموي في الدول الخارجة من النزاعات، بحيث لا يكون التمويل مجرد أداة لإعادة بناء الأصول المادية، بل وسيلة لاستعادة القدرة الاقتصادية والاجتماعية والإنتاجية للمجتمع.

نحن لا نريد مساعدات مؤقتة، بل فرصة حقيقية للنهوض

نعتقد أن الشعب السوري لم يعد يبحث عن المساعدات بالمعنى التقليدي، ولا يريد أن تبقى علاقته بالمؤسسات الدولية قائمة على انتظار المنح والمساعدات الإنسانية.

بعد كل ما مر به السوريون، أصبح المطلوب شيئاً مختلفاً وأكثر استدامة.

نحن نريد فرصة للنهوض.

نريد استثمارات تعيد تشغيل المصانع، وتمويلاً يعيد الحياة إلى القطاع الزراعي، ومشاريع تخلق فرص عمل للشباب، وبيئة مصرفية تسمح بتمويل الأنشطة الاقتصادية، وكهرباء مستقرة تتيح للقطاع الخاص أن يعمل وينتج ويتوسع.

كما نحتاج إلى إعادة بناء الثقة بين الدولة والمستثمرين، وبين المؤسسات المالية والمواطنين، وبين الاقتصاد المحلي والأسواق الإقليمية والدولية.

فالتعافي الحقيقي لا يتحقق بمجرد ضخ الأموال، بل بتحويل هذه الأموال إلى طاقة إنتاجية، وفرص عمل، ودخل مستدام، ومؤسسات قادرة على الاستمرار.

وهنا تكمن أهمية الاستثمار في القطاع الخاص، وعدم الاكتفاء بتمويل المشاريع الحكومية أو إعادة تأهيل البنية التحتية.

فالقطاع الخاص يمثل أحد المحركات الأساسية لخلق فرص العمل، وتحريك الأسواق، واستعادة النشاط الاقتصادي، شريطة توفير بيئة تنافسية عادلة، وإطار قانوني واضح، ونظام مالي قادر على تقديم التمويل، ومؤسسات تضمن تكافؤ الفرص وتحمي حقوق المستثمرين والعاملين.

ومن المهم أيضاً ألا يُنظر إلى دعم القطاع الخاص باعتباره مجرد وسيلة لتخفيف العبء عن الحكومة، بل باعتباره جزءاً أساسياً من استراتيجية وطنية لإعادة بناء الاقتصاد.

فإعادة تشغيل المصانع والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتوسيع النشاط الزراعي والصناعي، وتحسين الوصول إلى الائتمان، وجذب الاستثمارات المحلية والمغتربة والأجنبية، كلها عناصر مترابطة في عملية استعادة القدرة الإنتاجية.

نحن لا نريد اقتصاداً يعيش على المساعدات، بل اقتصاداً يمتلك القدرة على إنتاج الثروة، وتوفير فرص العمل، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وتحقيق الاستقلال الاقتصادي تدريجياً.

الخلاصة: هل تختار سوريا طريق التنمية أم الوصفات الجاهزة؟

نرحب بكل أشكال التعاون بين سوريا والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمؤسسة الدولية للتنمية، ونرى أن عودة سوريا إلى المؤسسات المالية الدولية تمثل خطوة إيجابية ومهمة، ليس فقط من الناحية التمويلية، بل أيضاً من حيث استعادة الثقة والانفتاح على الاقتصاد العالمي.

لكننا نعتقد أن سوريا تحتاج اليوم إلى ما هو أكثر من المؤتمرات والاجتماعات والخطط والاستراتيجيات.

إنها تحتاج إلى رؤية اقتصادية واقعية، وإلى فلسفة للتعافي تتناسب مع حجم الكارثة التي خلفتها سنوات الحرب، وتضع الإنسان والإنتاج في صميم السياسات الاقتصادية.

نحتاج إلى تمويل سريع بالتوازي مع الإصلاح طويل الأجل.

نحتاج إلى إنقاذ الإنسان السوري واستعادة قدرته على العمل والإنتاج، قبل الاكتفاء بقياس مؤشرات النمو.

نحتاج إلى إصلاحات اقتصادية لا تنفصل عن الواقع الاجتماعي، وإلى سياسات مالية لا تجعل الفئات الأكثر فقراً تتحمل العبء الأكبر من عملية التعافي.

ونحتاج أيضاً إلى مؤسسات دولية تدرك أن نجاح برامجها في سوريا لا يعتمد فقط على جودة الدراسات الفنية أو سلامة النماذج الاقتصادية، بل على قدرتها على التكيف مع واقع استثنائي يتطلب سرعة الاستجابة، ومرونة التنفيذ، وفهماً عميقاً للأولويات الوطنية.

لكننا نحتاج، في الوقت نفسه، إلى مؤسسات سورية قادرة على إدارة هذه الموارد بمهنية ونزاهة وشفافية، وإلى منظومة رقابية مستقلة تضمن أن كل دولار مخصص للتعافي يذهب إلى الغاية التي خُصص من أجلها.

فالشعب السوري لا يقف عند خط الفقر فحسب، بل يواجه حالة من الإنهاك الاقتصادي والاجتماعي بعد سنوات طويلة من الحرب والنزوح والعقوبات والانهيار الاقتصادي.

ولذلك، نعتقد أن نجاح المجتمع الدولي في سوريا لن يُقاس بعدد الدراسات التي أُنجزت، ولا بعدد الاجتماعات التي عُقدت، ولا بحجم التمويلات التي أُعلنت فقط.

بل سيُقاس بعدد العائلات التي استعادت الكهرباء إلى منازلها، وعدد المرضى الذين وجدوا العلاج، وعدد المصانع التي عادت إلى الإنتاج، وعدد الشباب الذين حصلوا على فرصة عمل تعيد إليهم الأمل بمستقبل أفضل.

كما سيُقاس بمدى قدرة الاقتصاد السوري على الانتقال من الاعتماد على المساعدات والموارد المحدودة إلى اقتصاد منتج ومتنوع، وقادر على جذب الاستثمار وتوفير فرص العمل وتحقيق نمو مستدام.

إننا لا نطالب المؤسسات الدولية بالتخلي عن معاييرها أو تجاوز قواعدها المؤسسية، بل ندعو إلى توظيف خبراتها ومواردها بطريقة أكثر استجابة لخصوصية الحالة السورية، وإلى بناء شراكة حقيقية يكون فيها تحديد الأولويات الوطنية وتنفيذها مسؤولية مشتركة بين الدولة السورية وشركائها الدوليين.

كما نؤكد أن استعادة الثقة الدولية لا تتحقق بمجرد الحصول على التمويل، بل بإثبات القدرة على إدارته بكفاءة، والإفصاح عن أوجه إنفاقه، ومحاسبة المسؤولين عن أي إخفاق أو تجاوز، وضمان وصول نتائجه إلى المواطنين.

فسوريا لا تحتاج إلى وصفات اقتصادية جاهزة بقدر ما تحتاج إلى شراكة تنموية تفهم خصوصية واقعها، وتحترم أولويات شعبها، وتمنح اقتصادها فرصة حقيقية للنهوض.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يكون حاضراً أمام صناع القرار في دمشق والمؤسسات المالية الدولية:

هل سنجعل من عودة سوريا إلى النظام المالي الدولي بدايةً لبناء اقتصاد منتج ومستدام، قائم على الشفافية والمساءلة وحسن إدارة الموارد، أم سنكتفي بإعادة إنتاج خطط إصلاح تقليدية لا تتناسب مع حجم التحديات السورية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط شكل العلاقة بين سوريا والمؤسسات المالية الدولية، بل قد تحدد أيضاً طبيعة الاقتصاد السوري ومستقبل التنمية فيه خلال العقود القادمة.