فبعد سنوات طويلة من العزلة السياسية والاقتصادية، تشير التحركات الدبلوماسية والاقتصادية الأخيرة إلى مساعٍ سورية لاستعادة موقع أوسع في شبكة العلاقات الدولية، وإلى تنامي النظر إليها بوصفها ساحة محتملة للتعافي والاستثمار، والبحث عن شركاء في مرحلة إعادة البناء. ألمانيا.. من الحوار السياسي إلى الشراكة الاقتصادية تأتي ألمانيا في مقدمة الدول الأوروبية التي يظهر معها هذا التحول بوضوح.

وخلال لقاءات رسمية سورية–ألمانية أُعلن عنها أخيراً، برز تركيز يتجاوز البعد السياسي التقليدي ليشمل الاستثمار وإعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي. النقاش لم يعد حول كيفية إدارة الأزمة السورية، وإنما حول الاستثمار، وإعادة الإعمار، ونقل الخبرات والمعرفة، وتوسيع الشراكات الاقتصادية. وتوحي هذه اللقاءات بأن الجانب السوري يسعى إلى الانتقال من مرحلة بناء الثقة إلى مرحلة أكثر عملية في التعاون الاقتصادي.

وهذه النقلة بالغة الأهمية، لأن المستثمر لا يبحث فقط عن الاستقرار السياسي، بل يريد أن يرى دولة قادرة على توفير البيئة القانونية والمؤسساتية والمصرفية التي تسمح له بالعمل والاستثمار وحماية رأس المال. وفي هذا السياق، فإن التعاون الألماني من خلال مؤسسات مثل GIZ وKfW، والنقاش حول البنية التحتية والصحة والتعليم والإسكان والمصارف، يمكن أن يشكل أحد المسارات العملية لتحويل العلاقة السياسية إلى شراكة تنموية واقتصادية. “البيت الألماني”..

الدبلوماسية تتحول إلى منصة للتعاون ويكتسب افتتاح “البيت الألماني” في دمشق أهمية خاصة، لأنه يقدم نموذجاً جديداً للحضور الأوروبي في سوريا. فالهدف لا يقتصر على التمثيل الدبلوماسي، وإنما توفير مساحة للتعاون التنموي والاقتصادي والمؤسساتي، وربط الجهات السورية بالشركات والمؤسسات والخبرات الألمانية.

وهنا تظهر أهمية أن تتحول السفارات والبعثات الأجنبية في المرحلة المقبلة إلى منصات اقتصادية واستثمارية، تساعد المستثمرين على فهم السوق السورية، وتربطهم بالمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، وتفتح المجال أمام الشراكات ونقل التكنولوجيا والخبرات. الدنمارك.. عودة السفارة وعودة أوروبا إلى دمشق ومن المؤشرات المهمة أيضاً زيارة وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن إلى دمشق، بالتزامن مع إعادة افتتاح السفارة الدنماركية بعد أربعة عشر عاماً.

وهذه الخطوة لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد إجراء دبلوماسي، بل تحمل دلالة سياسية واضحة على أن عدداً متزايداً من الدول الأوروبية بات يرى أن التعامل المباشر مع دمشق أصبح أكثر فاعلية من إدارة الملف السوري عن بُعد. والأهم أن زيارة الوزير الدنماركي ارتبطت بمباحثات حول توسيع التعاون والشراكة، والتعافي المبكر وإعادة الإعمار.

وهنا يمكن قراءة عودة السفارة الدنماركية باعتبارها جزءاً من مسار أوروبي أوسع نحو استعادة الحضور الدبلوماسي في سوريا. زيادة البعثات الأوروبية.. مؤشر على تغير المرحلة إن زيادة عدد البعثات الأوروبية ورفع مستوى الحضور الدبلوماسي في دمشق خلال المرحلة المقبلة سيكونان من أكثر المؤشرات وضوحاً على التحول في العلاقات السورية–الأوروبية.

فعودة السفارات لا تعني فقط عودة السفراء والموظفين، وإنما تعني عودة قنوات الاتصال المباشر بين الحكومات، والشركات، والجامعات، والمؤسسات التنموية، والقطاع الخاص. كما أن الحضور الدبلوماسي المباشر يساعد على تقييم فرص الاستثمار، وفهم احتياجات السوق، وبناء العلاقات مع المؤسسات السورية، ومتابعة تنفيذ الاتفاقيات ومذكرات التفاهم.

ومن هنا، فإن دمشق أمام فرصة لتحويل عودة البعثات الأوروبية إلى دبلوماسية اقتصادية فاعلة، بحيث تصبح السفارة جسراً بين سوريا والأسواق الأوروبية، وبين الشركات السورية والأوروبية، وبين الخبرات والتكنولوجيا وحاجات إعادة الإعمار. الاتحاد الأوروبي.. من المساعدات إلى التعافي المستدام أما على مستوى الاتحاد الأوروبي، فإن التحول يبدو أكثر وضوحاً.

فاللقاءات السورية–الأوروبية الأخيرة ركزت على تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، ودعم التعافي وإعادة الإعمار، وتوسيع الشراكات في مختلف القطاعات. وهذا يعني أن العلاقة بدأت تنتقل من مفهوم “المساعدة” إلى مفهوم الشراكة.

وهنا تبرز نقطة أساسية: سوريا لا تريد أن تكون مجرد متلقٍ للمساعدات، بل تسعى إلى تقديم نفسها شريكاً اقتصادياً يمتلك فرصاً حقيقية للاستثمار والإنتاج والتصدير. فإعادة الإعمار السورية يمكن أن تكون فرصة للطرفين؛ أوروبا تمتلك التكنولوجيا والخبرة ورأس المال، وسوريا تمتلك سوقاً واسعة، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً، وموارد بشرية وطبيعية، وحاجة هائلة إلى إعادة بناء البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية. الصحة والتعليم والبنية التحتية..

الاستثمار في الإنسان ولا ينبغي أن تختصر الشراكة السورية–الأوروبية في الإسمنت والطرق ومحطات الطاقة فقط. فإعادة بناء سوريا تحتاج أيضاً إلى إعادة بناء الإنسان والمؤسسات. ولهذا فإن التعاون الأوروبي في الصحة والتعليم والتدريب المهني والتحول الرقمي وبناء القدرات وإعادة تأهيل المؤسسات، لا يقل أهمية عن مشاريع البنية التحتية.

وفي القطاع الصحي تحديداً، فإن إعادة بناء المستشفيات والمراكز الصحية، وتعزيز الرعاية الأولية، وتطوير الكوادر، والتحول الرقمي، ودعم صناعة الدواء، يمكن أن تصبح نموذجاً لشراكة أوروبية–سورية طويلة الأمد. فالاستثمار الحقيقي ليس فقط في الأبنية، وإنما في رأس المال البشري الذي سيقود سوريا خلال العقود المقبلة. إزالة الألغام..

نموذج للتعاون العملي ومن النماذج اللافتة افتتاح ألمانيا فرعاً حديثاً لإزالة الألغام في الكسوة بريف دمشق. وقد تبدو إزالة الألغام في ظاهرها قضية أمنية وإنسانية، لكنها في الحقيقة جزء مباشر من عملية إعادة الإعمار. فلا يمكن بناء الطرق، وإعادة تأهيل الأراضي الزراعية، وإعادة السكان، وإنشاء المشاريع الاستثمارية في مناطق ملوثة بالألغام ومخلفات الحرب.

ومن هنا فإن التعاون الأوروبي في إزالة الألغام يمثل نموذجاً لكيف يمكن أن يتحول التعاون الدولي من العمل الإنساني إلى تهيئة البيئة الفعلية للتنمية والاستثمار. سوريا والتعاون مع المؤسسات الدولية وفي الوقت ذاته، فإن الانفتاح السوري لا يقتصر على أوروبا وحدها، بل يترافق مع عودة تدريجية للتعاون مع المؤسسات الدولية. ويبرز في هذا السياق التعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، التي شهدت خلال عام 2026 تطوراً مهماً مع استعادة سوريا حقوقها وامتيازاتها في إطار اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، بالتزامن مع خطوات عملية لتعزيز التعاون والتحقق ومعالجة الملفات الفنية العالقة.

وهذا المسار مهم لأنه يضع سوريا مجدداً داخل منظومة المؤسسات والقواعد الدولية، ويعزز الثقة الدولية بها. كما أن تطوير التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وغيرها من المؤسسات الدولية المتخصصة ينبغي أن يكون جزءاً من سياسة سورية أوسع تقوم على الانفتاح المؤسسي والشفافية والاستفادة من الخبرات الدولية في المجالات العلمية والتقنية. والرسالة الأهم هنا أن سوريا الجديدة لا تريد أن تكون خارج النظام الدولي، وإنما تريد أن تكون دولة فاعلة داخله، تتعاون مع مؤسساته وتحافظ في الوقت نفسه على مصالحها وسيادتها الوطنية.

سوريا تعود إلى موقعها الجيوسياسي كل هذه التطورات يجب أن تُقرأ في إطار أوسع. فسوريا ليست دولة هامشية في الجغرافيا السياسية الدولية. هي تقع في قلب المشرق، وتتوسط طرقاً تربط الخليج بالعراق وتركيا والبحر المتوسط، وتشكل جسراً طبيعياً بين آسيا وأوروبا.

ولهذا فإن استقرار سوريا وازدهارها الاقتصادي ليسا مصلحة سورية فقط، وإنما مصلحة إقليمية ودولية. وما نشهده من انفتاح على ألمانيا والدنمارك والاتحاد الأوروبي، إلى جانب تطوير العلاقات مع تركيا ودول الخليج والعراق وباكستان وآسيا الوسطى وغيرها، يعكس محاولة سورية لبناء شبكة علاقات متعددة الاتجاهات. وهذه نقطة قوة وليست تناقضاً.

فسوريا ليست مضطرة إلى اختيار أوروبا على حساب آسيا، أو تركيا على حساب الخليج، أو الشرق على حساب الغرب. بل إن مصلحتها تكمن في بناء علاقات متوازنة مع الجميع، والاستفادة من موقعها الجغرافي في تحويلها إلى جسر بين الأسواق والمصالح الدولية. الزراعة والغذاء..

فرصة استراتيجية لا تقل أهمية ومن القطاعات التي أرى أنها يجب أن تحظى باهتمام أوروبي ودولي كبير القطاع الزراعي والغذائي. فسوريا تمتلك إمكانات زراعية واسعة، والغذاء لم يعد مجرد قضية اقتصادية، بل أصبح قضية استراتيجية وأمن قومي. الدولة التي تستطيع تأمين غذائها تمتلك هامشاً أكبر من الاستقلال في قرارها السياسي والاقتصادي.

ومن هنا يمكن أن تكون الشراكة الأوروبية مع سوريا في الزراعة، والري الحديث، والطاقة المتجددة، والصناعات الغذائية، وسلاسل التوريد، والتكنولوجيا الزراعية، واحدة من أهم مجالات الاستثمار المستقبلي. وهذا يفتح أمام سوريا فرصة للانتقال من اقتصاد يعتمد على الاستيراد والمساعدات إلى اقتصاد منتج قادر على تحقيق الأمن الغذائي وخلق فرص العمل والتصدير. من الدبلوماسية السياسية إلى الدبلوماسية الاقتصادية إن المرحلة الجديدة تحتاج إلى إعادة تعريف وظيفة الدبلوماسية السورية.

فالسفير السوري في أوروبا يجب ألا يكون دوره سياسياً فقط، وإنما يجب أن يكون أيضاً سفيراً للاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا. وبالمقابل، فإن السفارات الأوروبية في دمشق يمكن أن تكون منصات لتعريف شركاتها بالسوق السورية وفرصها.

وهنا تلتقي السياسة بالاقتصاد. فكل اتفاق سياسي يجب أن يفتح الطريق أمام اتفاق اقتصادي، وكل زيارة رسمية يجب أن تنتج فرصاً استثمارية، وكل سفارة يجب أن تكون قناة للتواصل بين القطاعين العام والخاص. التحدي الحقيقي..

تحويل الانفتاح إلى نتائج لكن الانفتاح الدولي وحده لا يكفي. فالاستثمار يحتاج إلى بيئة قانونية واضحة، ومؤسسات قوية، ونظام مصرفي فعال، وضمانات للمستثمرين، وشفافية، ومكافحة حقيقية للفساد، واستقرار تشريعي وإداري.

كما أن سوريا بحاجة إلى تقديم خريطة استثمارية واضحة تحدد القطاعات والمشاريع والأولويات، وتوفر البيانات والدراسات التي تساعد المستثمر على اتخاذ القرار. وهنا يمكن أن تتحول الشراكة الأوروبية إلى اختبار حقيقي لقدرة سوريا على بناء نموذج اقتصادي جديد. أوروبا تحتاج سوريا..

وسوريا تحتاج أوروبا برأيي، فإن العلاقة الجديدة يجب ألا تقوم على مفهوم أن أوروبا “تساعد” سوريا فقط، أو أن سوريا “تطلب” من أوروبا الدعم. المعادلة الأكثر واقعية هي أن أوروبا تحتاج إلى سوريا مستقرة وقوية، وسوريا تحتاج إلى أوروبا كشريك في التنمية والاستثمار والتكنولوجيا. أوروبا معنية بالاستقرار الإقليمي، وأمن المتوسط، والهجرة، ومكافحة الإرهاب، والطاقة، والتجارة، والأسواق الجديدة.

وسوريا معنية بالحصول على التكنولوجيا والخبرات ورأس المال والأسواق الأوروبية. وهذه المصالح المشتركة يمكن أن تشكل أساساً لشراكة طويلة الأمد.

الخلاصة.. أوروبا تعود إلى سوريا المستقبل ما يحدث اليوم في دمشق ليس مجرد حركة دبلوماسية عابرة. زيارة وزير الخارجية الدنماركي، وإعادة افتتاح السفارة الدنماركية، وتزايد الحضور الأوروبي، والحوار المتقدم مع ألمانيا، وافتتاح “البيت الألماني”، وانخراط الشركات الأوروبية، وتوسع التعاون مع الاتحاد الأوروبي، إلى جانب التعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والمؤسسات الدولية، كلها مؤشرات على أن سوريا تستعيد تدريجياً موقعها داخل شبكة العلاقات الدولية. والأهم أن هذه العودة تأتي في لحظة تحاول فيها دمشق الانتقال من مرحلة تثبيت الاستقرار وبناء الثقة إلى مرحلة العمل والإنتاج وإعادة الإعمار. وهنا أرى أن الفرصة التاريخية أمام سوريا تكمن في أن تجعل من موقعها الجغرافي والسياسي والاقتصادي نقطة قوة. فلا شرق دون غرب، ولا أوروبا دون آسيا، ولا الخليج دون المتوسط. سوريا تستطيع أن تكون نقطة التقاء، لا نقطة صراع؛ جسراً للمصالح، لا ساحة للمحاور. وإذا نجحت دمشق في تحويل الانفتاح السياسي إلى شراكات اقتصادية، وتحويل البعثات الدبلوماسية إلى جسور للاستثمار، وتحويل موقعها الجيوسياسي إلى ممر للتجارة والطاقة والتكنولوجيا، فإن العلاقة السورية–الأوروبية لن تكون مجرد عودة للعلاقات التي انقطعت خلال سنوات الأزمة، بل ستكون بداية لعلاقة مختلفة تماماً: سوريا التي تعود إلى أوروبا، وأوروبا التي تعود إلى سوريا، من أجل بناء شراكة لا تقوم على الماضي، وإنما على مصالح المستقبل.

لم تعد العلاقات السورية العراقية مجرد مسار ثنائي يهدف إلى تطوير التعاون السياسي أو الأمني أو الاقتصادي بين بلدين جارين، بل باتت تمثل حجر الزاوية في عملية إعادة تشكيل المشرق العربي، وبوابة لإنتاج نظام إقليمي جديد يقوم على الاستثمار والتكامل الاقتصادي والاستقرار، بعد عقود هيمنت فيها الصراعات والانقسامات على المنطقة. فالتحولات التي تشهدها دمشق وبغداد، بالتزامن مع انفتاح عربي متزايد، وإعادة رسم أولويات القوى الإقليمية والدولية، تجعل من نجاح الشراكة السورية العراقية عاملاً حاسماً في رسم مستقبل الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.

سوريا والعراق… العقدة الجغرافية التي يعبر منها مستقبل المنطقة

يمثل البلدان قلب المشرق العربي وجسر العبور الطبيعي بين الخليج العربي والبحر المتوسط. ولذلك فإن أي مشروع اقتصادي أو لوجستي أو استثماري كبير في المنطقة لا يمكن أن يحقق أهدافه الكاملة دون شراكة سورية عراقية مستقرة.

فإذا نجح البلدان في بناء منظومة متكاملة للنقل والطاقة والاستثمار، فإنهما لن يحققا مكاسب وطنية فحسب، بل سيؤسسان لممر اقتصادي جديد يربط الخليج ببلاد الشام ثم بالبحر المتوسط وأوروبا، وهو ما يجعل استقرار سوريا والعراق مصلحة إقليمية ودولية في آن واحد.

ولهذا لم تعد العلاقة بين دمشق وبغداد قضية ثنائية، بل أصبحت نقطة ارتكاز لإعادة تنظيم الاقتصاد الإقليمي بأكمله.

الخليج… الشريك الذي ينتظر نجاح التجربة

تدرك دول الخليج أن استقرار العراق وسوريا يفتح أمامها فرصاً استثمارية ضخمة، ولذلك فإن نجاح العلاقات السورية العراقية سيشجع العواصم الخليجية على توسيع استثماراتها في مشاريع الطاقة والبنية التحتية والموانئ والربط الكهربائي والنقل.

وليس من قبيل المصادفة أن تتزامن مشاريع الربط اللوجستي الإماراتية مع الانفتاح السوري العراقي، إذ يشكل الممر الذي يربط موانئ الإمارات بميناء أم قصر العراقي، ثم بالأراضي السورية وصولاً إلى موانئ البحر المتوسط، نموذجاً واضحاً لما يمكن أن تكون عليه المنطقة خلال العقد المقبل.

إن تخفيف الإجراءات الجمركية، وتطوير المعابر، وربط الموانئ بالطرق والسكك الحديدية، كلها خطوات تؤسس لسوق إقليمية مترابطة تتجاوز الحدود السياسية التقليدية.

العراق… العودة إلى عمقه العربي

تشكل الشراكة مع سوريا إحدى بوابات العراق لاستعادة دوره العربي، ليس من خلال الخطاب السياسي فقط، وإنما عبر الاقتصاد والاستثمار والمشاريع المشتركة.

فالعراق، الذي يشهد اليوم مساراً إصلاحياً واسعاً في مؤسسات الدولة، وحملة لمكافحة الفساد، وإعادة هيكلة اقتصاده، يحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة تسمح بتحويل موقعه الجغرافي إلى مركز لوجستي بين الخليج وآسيا وأوروبا.

ومن هنا، فإن نجاح العلاقة مع دمشق يمنح بغداد فرصة للتحول إلى محور اقتصادي إقليمي، ويعزز اندماجها في المنظومة العربية الجديدة.

سوريا… بوابة المتوسط

في المقابل، تستعيد سوريا تدريجياً موقعها الطبيعي كبوابة للبحر المتوسط، بما تمتلكه من مرافئ وشبكات نقل وموقع جغرافي يجعلها نقطة النهاية الطبيعية للممرات التجارية القادمة من الخليج والعراق.

وتزداد أهمية المرافئ السورية في ظل التوجه الدولي نحو تنويع طرق التجارة العالمية، وتقليل الاعتماد على المسارات التقليدية، الأمر الذي يمنح موانئ اللاذقية وطرطوس دوراً استراتيجياً متجدداً، خاصة إذا تكاملت مع مشاريع النقل العراقية والخليجية.

كما أن لبنان سيكون أحد المستفيدين من هذا التحول، عبر تكامل مرافئه مع الموانئ السورية، بما يعزز حركة التجارة والخدمات اللوجستية في شرق البحر المتوسط.

تركيا والأردن… شركاء في معادلة الاستقرار

لا تقتصر آثار هذا التقارب على سوريا والعراق، بل تمتد إلى الأردن وتركيا، اللذين يبحثان عن توسيع شبكات التجارة والاستثمار.

فالأردن يرى في استقرار المشرق فرصة لتعزيز دوره كمركز لوجستي إقليمي، بينما تنظر تركيا إلى سوريا والعراق باعتبارهما الامتداد الطبيعي لأمنها القومي، وبوابة أساسية لتوسيع تجارتها مع العالم العربي والخليج.

ومن هذا المنطلق، فإن نجاح العلاقات السورية العراقية سيفتح المجال أمام بناء مجال اقتصادي يمتد من أنقرة إلى الخليج مروراً بدمشق وبغداد وعمان وبيروت.

ماذا عن إيران؟

يبقى السؤال الأهم: كيف ستتعامل إيران مع هذه التحولات؟

فإيران تجد نفسها أمام واقع إقليمي مختلف، خاصة بعد المتغيرات السياسية والعسكرية الأخيرة، وما رافقها من محاولات لخفض التوتر مع الولايات المتحدة وإعادة ترتيب أولوياتها.

وقد يكون أمام طهران خياران؛ إما التكيف مع النظام الإقليمي الجديد، والانخراط في مشاريع التنمية والربط الاقتصادي، مستفيدة من موقعها كحلقة وصل بين آسيا الوسطى والخليج، أو الاستمرار في النظر إلى المنطقة بمنطق النفوذ والصراع، وهو ما قد يضعها في مواجهة مع مسار اقتصادي يحظى بدعم عربي ودولي متزايد.

كما أن أي تقارب اقتصادي سوري عراقي قد يفتح مستقبلاً المجال أمام اندماج أوسع مع مشاريع الربط الآسيوية، وفي مقدمتها مبادرة الحزام والطريق الصينية، التي ترى في العراق وسوريا ممراً طبيعياً نحو البحر المتوسط.

إسرائيل… الاستثناء في المشهد

في مقابل هذا الاتجاه نحو التكامل، تبدو إسرائيل الطرف الأقل حماسة لنجاح منظومة اقتصادية عربية مترابطة، إذ إن قيام ممرات تجارية وطاقة تنافسية تربط الخليج بالمتوسط عبر سوريا والعراق قد يقلل من أهمية المسارات البديلة التي تسعى تل أبيب إلى ترسيخها.

ولهذا ينظر كثير من المحللين إلى أن استمرار التصعيد الإسرائيلي في بعض مناطق الإقليم لا ينفصل عن محاولة التأثير في البيئة الأمنية التي تحتاجها مشاريع التكامل الاقتصادي الكبرى.

توافق مع الرؤية الدولية

ويتقاطع هذا المسار مع توجهات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، اللذين يركزان على دعم الاستقرار الاقتصادي، وتشجيع الشراكات الإقليمية، وتأمين سلاسل الإمداد، وتنويع طرق التجارة والطاقة، باعتبارها أدوات أكثر فاعلية لتحقيق الاستقرار من الصراعات المفتوحة.

ومن هنا، فإن نجاح العلاقات السورية العراقية قد يتحول إلى نموذج يحظى بدعم دولي، لأنه ينسجم مع رؤية تقوم على التنمية الاقتصادية، والاستثمار، والربط الإقليمي، بدلاً من إدارة الأزمات المستمرة.

مفتاح الشرق الأوسط الجديد

ربما لا يكون من المبالغة القول إن مستقبل المشرق العربي يبدأ من دمشق وبغداد. فنجاح الشراكة السورية العراقية لن يعيد بناء العلاقة بين دولتين جارتين فحسب، بل قد يؤسس لفضاء اقتصادي جديد يمتد من الخليج إلى البحر المتوسط، وتندمج فيه سوريا والعراق والأردن ولبنان وتركيا، مع انفتاح متزايد من دول الخليج وشركاء دوليين.

ولذلك، فإن مجلس التنسيق الاستراتيجي الذي يتجه البلدان إلى ترسيخه لا يمثل إطاراً ثنائياً فحسب، بل قد يكون النواة الأولى لنظام إقليمي جديد، عنوانه الاستثمار والتكامل والازدهار، بدلاً من الاستقطاب والصراع.

فإذا نجحت دمشق وبغداد في تحويل الإرادة السياسية إلى مشاريع عملية، فإن العلاقة السورية العراقية لن تكون مجرد قصة نجاح ثنائية، بل ستكون المفتاح الذي يعيد ترتيب التوازنات الاقتصادية في المشرق، ويطلق مرحلة جديدة عنوانها التنمية والاستقرار والشراكات الإقليمية المستدامة.

أكد وزير الاقتصاد والصناعة الدكتور محمد نضال الشعار أن زيارة وزير التجارة التركي عمر بولاط إلى سوريا تمثل محطة مهمة في مسار العلاقات الاقتصادية بين البلدين. وقال الوزير في تصريح له عقب الزيارة إن اللقاءات التي جرت كانت مثمرة وتناولت العديد من القضايا الهامة ذات الاهتمام المشترك، مضيفا أن هذه الزيارة تجسد عمق الروابط الأخوية بين الشعبين وتؤسس لانطلاقة جديدة نحو شراكة اقتصادية متينة.

وأوضح الشعار أن الحوارات التي جرت تركزت على آفاق التعاون في مجالات الاقتصاد والتجارة والاستثمار، وشدد على أهمية البناء على القواسم المشتركة وتوحيد الجهود لتحقيق مصالح الطرفين. كما أشار إلى أن هذه الزيارة تمثل بداية تعاون مثمر وخطوة نوعية نحو فتح آفاق أوسع للعلاقات الثنائية، مبينا أن روح التعاون التي سادت المباحثات تعكس الرغبة المشتركة في تطوير الشراكة الاستراتيجية وتوسيع مجالات العمل الاقتصادي.

وختم وزير الاقتصاد بالقول إن سوريا وتركيا اليوم تكتبان معا فصلا جديدا من التاريخ الاقتصادي، مستندين إلى إرادة سياسية قوية ورؤية مستقبلية واعدة، مؤكدا أن الإنجازات التي ستحقق ستكون ثمرة العمل المشترك والجهود المتواصلة لتعزيز روابط الأخوة والصداقة بين البلدين.