لم تعد عملية إعادة الإعمار في سوريا مجرد ورشة لإصلاح ما دمرته سنوات الحرب، بل بدأت تأخذ شكلاً أكثر شمولاً يقوم على إعادة رسم الخريطة الاقتصادية والتنموية للبلاد، وتوزيع فرص الاستثمار والعمل والسكان على أساس جديد يراعي الموارد والموقع الجغرافي والحاجات التنموية.

وفي هذا السياق، يبرز شمال شرق سوريا، ولا سيما محافظات دير الزور والرقة والحسكة، كواحد من أهم المساحات المرشحة للتحول إلى واجهة اقتصادية واستثمارية جديدة، في ظل مشاريع وخطوات معلنة تتعلق بالبنية التحتية والنقل، تبرز المنطقة بوصفها مرشحة لنيل أولوية أكبر في خطط الإعمار والاستثمار.

دير الزور.. بداية عملية لإعادة بناء الشرق

يمكن أن يُنظر إلى افتتاح مطار دير الزور، بحضور وفد حكومي كبير، بوصفه خطوة تتجاوز البعد الخدمي أو اللوجستي، لما قد يحمله من دلالات اقتصادية وجغرافية تتصل بإعادة ربط المحافظة بشبكات الحركة الداخلية.

فالمدينة التي عانت طويلاً من آثار الحرب والدمار، بدأت تدخل مرحلة مختلفة تقوم على إعادة تأهيل البنية التحتية وفتح المجال أمام النشاط الاقتصادي والاستثماري، بالتوازي مع الحديث عن خطة تنموية خاصة بالمحافظة، تستهدف معالجة احتياجاتها وربطها بصورة أكبر ببقية الجغرافيا السورية.

ومن المشاريع التي تعكس هذا الاتجاه مشروع «فجر الفرات»، الذي انطلق في دير الزور لإزالة الأنقاض والأبنية الآيلة للسقوط وإعادة تدوير مخلفات البناء وتحويلها إلى مواد أولية يمكن استخدامها في أعمال إعادة الإعمار.

وتكمن أهمية المشروع في أنه لا يتعامل مع الركام بوصفه مشكلة بيئية وعمرانية فحسب، بل يحوله إلى مورد اقتصادي يمكن أن يدخل في إنتاج مواد البناء وتأهيل الطرق وصناعة البلوك والإنترلوك والبردورات وبعض أنواع الخرسانة غير الإنشائية.

وهنا تظهر فكرة أساسية في نموذج إعادة الإعمار الجديد: أي استخدام مخلفات الحرب، بعد معالجتها، كمواد أولية تدخل في بعض أعمال إعادة الإعمار.

تحول مسارات الربط الاقتصادي نحو الشرق السوري

إعادة تأهيل طريق دمشق–تدمر تمثل بدورها خطوة ذات أهمية استراتيجية؛ فتدمر ليست مجرد مدينة تاريخية، وإنما تقع على نقطة اتصال جغرافية تسمح بالنظر إلى المنطقة الشرقية باعتبارها امتداداً طبيعياً للممر الاقتصادي السوري.

ومع تطوير الطرق الواصلة من دمشق باتجاه تدمر ودير الزور، ثم تعزيز الروابط مع الرقة والحسكة، يمكن أن تتغير وظيفة الشرق السوري من منطقة هامشية نسبياً في حركة الاستثمار والنقل إلى حلقة وصل بين العاصمة والموارد والأسواق في الشرق والشمال الشرقي.

وهنا يمكن الحديث عن تحول تدريجي في مفهوم الممر الاقتصادي السوري: بدلاً من التركيز على المحاور التقليدية التي تربط دمشق بالمدن الكبرى في الشمال والغرب، تصبح الطرق المتجهة شرقاً جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة توزيع الحركة الاقتصادية والاستثمارية.

الرقة.. من مدينة منكوبة إلى عقدة ربط

الرقة أيضاً تقف أمام مرحلة مختلفة مع الحديث عن خطة تنموية خاصة بالمحافظة، إلى جانب العمل على تعزيز الربط بينها وبين حلب وإعادة تأهيل البنى التحتية.

وإذا ما جرى تنفيذ هذه المشاريع ضمن رؤية متكاملة، فإن الرقة يمكن أن تتحول إلى عقدة اقتصادية تربط شمال شرق سوريا بالوسط والشمال، بدلاً من أن تبقى محافظة ذات طابع محلي محدود النشاط.

فالربط بين الرقة وحلب لا يعني تحسين حركة السكان والبضائع فقط، وإنما يعني فتح الطريق أمام انتقال الاستثمارات وسلاسل التوريد والمنتجات الزراعية والصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية.

وبذلك يصبح الطريق جزءاً من التنمية وليس مجرد مشروع نقل.

الحسكة.. الموارد تتحول إلى فرص استثمار

أما الحسكة، فتملك مجموعة من المقومات التي تجعلها حاضرة بقوة في أي تصور طويل الأمد لإعادة بناء الاقتصاد السوري.

فالمنطقة تتمتع بموقع جغرافي مهم، وموارد زراعية وطبيعية، ومساحات واسعة قابلة للتطوير، فضلاً عن قربها من الحدود والأسواق الإقليمية.

ومع الحديث عن مشاريع استثمارية جديدة، ومع الحديث عن مشاريع استثمارية جديدة في المحافظة، تبرز الحاجة إلى توضيح طبيعة هذه المشاريع والجهات المرتبطة بها ضمن إطار رسمي معلن، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط حول حجم المشروع أو الجهة التي تقف وراءه، وإنما حول كيفية إدماج هذه المشاريع ضمن خطة وطنية متكاملة لتنمية شمال شرق سوريا.

فالاستثمار الخارجي لا يقتصر أثره المحتمل على رأس المال، بل قد يسهم في خلق وظائف، ونقل التكنولوجيا والخبرات، وتحفيز الشركات المحلية، وتأسيس قطاعات إنتاجية جديدة.

شمال شرق سوريا.. فرصة لإعادة توزيع التنمية

الأهمية الأكبر لهذا التحول لا تتعلق بمحافظة واحدة.

دير الزور والرقة والحسكة، إلى جانب تدمر ومناطق أخرى في الشرق، يمكن أن تشكل تدريجياً حزاماً تنموياً جديداً إذا جرى ربط مشاريع الطرق والمطارات والطاقة والزراعة والصناعة والخدمات اللوجستية ضمن رؤية واحدة.

وهذا يعني أن التنمية السورية المقبلة يمكن ألا تتركز في دمشق وحلب والساحل والمدن الكبرى فقط، وإنما تنتقل تدريجياً نحو المناطق التي تمتلك الموارد والمساحات والفرص غير المستثمرة.

وهنا تبرز أهمية التخطيط الإقليمي.

فسوريا الجديدة تحتاج إلى إعادة توزيع النشاط الاقتصادي بصورة تقلل الضغط عن المدن الكبرى، وتخلق مراكز اقتصادية جديدة، وتمنح السكان فرصاً للعيش والعمل بالقرب من مناطقهم الأصلية.

عودة السوريين.. عامل اقتصادي وليس إنساني فقط

تكتسب هذه المشاريع أهمية إضافية مع استمرار عودة السوريين من بلدان اللجوء.

فعودة السكان إلى دير الزور والرقة والحسكة، إذا ترافقت مع مشاريع بنية تحتية واستثمارات وفرص عمل، يمكن أن تتحول من تحدٍ خدمي إلى رافعة اقتصادية وإعمارية.

السوري العائد لا يحتاج فقط إلى منزل ومدرسة وطريق، وإنما يحتاج إلى سوق عمل ومشروع اقتصادي وبيئة إنتاجية ومستقبل مستقر.

وهذا يفرض على الخطط الحكومية ألا تنظر إلى العودة باعتبارها ملفاً إنسانياً منفصلاً، بل باعتبارها جزءاً من معادلة إعادة بناء الاقتصاد والمجتمع.

وعندما يجد الشاب فرصة عمل في مدينته، والمزارع سوقاً لمنتجاته، والمستثمر بنية تحتية مناسبة، والأسرة خدمات أساسية، فإن العودة تتحول من مجرد عودة جغرافية إلى استقرار سكاني وتنموي مستدام.

الشرق السوري.. من منطقة موارد إلى مركز إنتاج

لطالما ارتبطت صورة شمال شرق سوريا في الوعي الاقتصادي بالموارد الطبيعية والزراعة والطاقة، لكن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة هو الانتقال من اقتصاد استخراج الموارد إلى اقتصاد إنتاج متكامل.

وهذا يتطلب إنشاء صناعات مرتبطة بالزراعة، ومراكز تخزين وتبريد، ومناطق صناعية، وخدمات نقل ولوجستيات، ومشاريع طاقة، وتطوير شبكات الري والمياه، وربط الإنتاج بالأسواق المحلية والإقليمية.

عندها لا تكون دير الزور أو الرقة أو الحسكة مجرد مناطق تنتج المواد الخام، وإنما تتحول إلى مناطق تنتج القيمة المضافة.

وهنا تحديداً يمكن أن يظهر الدور الاقتصادي الحقيقي للطرق الجديدة والمطارات والبنية التحتية.

سوريا تعيد رسم بوصلتها الاقتصادية

المؤشرات الحالية لا تعني بالضرورة أن الخريطة الاقتصادية السورية قد تغيرت بالكامل، لكنها تشير إلى اتجاه يستحق المتابعة: محاولة نقل جزء من ثقل التنمية باتجاه الشرق والشمال الشرقي، وربط هذه المناطق بالمراكز الاقتصادية الرئيسية في البلاد.

وإذا تزامن ذلك مع رفع القيود الاقتصادية، وتدفق الاستثمارات، وتحسن البيئة القانونية، وعودة السوريين، ودخول شركات إقليمية ودولية إلى السوق السورية، فإن شمال شرق البلاد قد يكون أمام فرصة تاريخية.

فالمنطقة تمتلك الموقع والموارد والمساحات والقوى البشرية، وما تحتاجه هو البنية التحتية والاستقرار والإدارة الاقتصادية القادرة على تحويل هذه المقومات إلى مشاريع إنتاجية.

ومن هنا، فإن إعادة إعمار سوريا لا ينبغي أن تُقاس فقط بعدد الأبنية التي ستُرمم أو الطرق التي ستُعبد، بل بقدرة الدولة على إعادة توزيع التنمية، وخلق مراكز اقتصادية جديدة، وربط المدن والمحافظات ضمن شبكة إنتاج ونقل واستثمار واحدة.

وقد يكون شمال شرق سوريا، الذي دفع ثمناً باهظاً خلال سنوات الحرب، أحد أكبر المستفيدين من هذه الرؤية إذا تحولت الخطط المعلنة إلى مشاريع متكاملة على الأرض.

إنها ليست مجرد عملية إعادة بناء للشرق السوري؛ بل فرصة لإعادة تعريف دوره في الاقتصاد الوطني.

منطقة كانت تُقرأ لسنوات من زاوية الحرب والموارد، يمكن أن تُقرأ في سوريا الجديدة من زاوية أخرى تماماً: الإنتاج، الاستثمار، النقل، العودة، وإعادة توزيع التنمية.

وهنا يمكن أن يبدأ فصل جديد عنوانه: من هامش الخريطة الاقتصادية إلى قلبها.

لم تعد العلاقات السورية–الأمريكية تُقرأ اليوم من زاوية الماضي وحده، ولا من خلال إرث العقوبات والعزلة السياسية التي طبعت العلاقة لعقود، بل أصبحت أمام مسار جديد يتشكل تدريجياً على أساس الحوار السياسي، والمصالح المشتركة، والانفتاح الاقتصادي، والتعاون في الملفات الإقليمية والدولية.

والأهم أن هذا التحول لم يعد مجرد رسائل سياسية أو لقاءات دبلوماسية، بل بدأ يأخذ شكلاً اقتصادياً ومؤسسياً واضحاً، مع وصول أول بعثة تجارية لغرفة التجارة الأمريكية إلى دمشق، بمشاركة أكثر من 60 شركة أمريكية، إلى جانب مسؤولين من وزارة الخارجية ووزارة التجارة الأمريكية.

وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة ليس بسبب حجم الوفد فقط، وإنما بسبب طبيعة القطاعات التي يمثلها، والتي تشمل الطاقة، والإنشاءات والمعدات الثقيلة، والرعاية الصحية، والخدمات المالية، والتكنولوجيا والاتصالات، والنقل واللوجستيات، والزراعة وغيرها.

وبذلك تنتقل العلاقة من مرحلة اختبار النوايا السياسية إلى مرحلة اختبار فرص الشراكة الاقتصادية الفعلية.

من رفع العقوبات إلى فتح الأسواق

يمكن فهم التحول الحالي في العلاقات السورية–الأمريكية ضمن مسار سياسي وقانوني بدأ بإزالة عدد من القيود التي أعاقت التعامل الاقتصادي مع سوريا، ثم تطور باتجاه فتح المجال أمام الاستثمار والتجارة.

وكان اللقاء الذي أُعلن عنه بين الرئيس أحمد الشرع والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الرياض محطة لافتة في مسار إعادة رسم العلاقة، قبل أن تتوالى الخطوات الأمريكية المتعلقة بالعقوبات والانفتاح على الحكومة السورية الجديدة.

ومع الخطوات الأمريكية الأخيرة المتعلقة بالعقوبات وبمستوى الانفتاح الرسمي على الحكومة السورية الجديدة، دخلت العلاقة مرحلة مختلفة؛ إذ لم يعد السؤال الأساسي هو كيفية فرض القيود على الاقتصاد السوري، وإنما كيفية بناء إطار يسمح بعودة سوريا إلى النظام الاقتصادي والمالي الدولي.

وهنا تكتسب الزيارة التجارية الأمريكية دلالتها الحقيقية.

فالشركات، في العادة، لا تزور بلداً فقط للتعبير عن موقف سياسي، بل لتقييم السوق، وفهم البيئة القانونية، ودراسة المشاريع، والتعرف إلى الشركاء المحتملين، وقياس المخاطر والعوائد.

ولهذا فإن انتقال الوفد الأمريكي من اللقاءات العامة إلى اجتماعات متخصصة مع المصرف المركزي ووزارات الاقتصاد والصحة والاتصالات والطاقة وهيئة الاستثمار، يمثل خطوة عملية في اختبار إمكانية بناء شراكة اقتصادية طويلة الأمد.

ماكغي: المشاركة الاقتصادية عنوان المرحلة الجديدة

ربما تختصر تصريحات نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي جاكوب ماكغي خلال زيارته إلى دمشق جوهر المرحلة الجديدة، عندما تحدث عن وجود الوفد من أجل المشاركة مع السوريين في الفرص الاستثمارية ودعم مسار التعافي وإعادة الإعمار.

وتعكس هذه اللغة تحولاً واضحاً مقارنة بخطاب العقوبات والضغط الذي طبع العلاقة في مراحل سابقة.

فالمعادلة الجديدة لم تعد تقوم على تقديم سوريا باعتبارها مشكلة أمنية أو سياسية فقط، وإنما باعتبارها دولة تملك فرصاً اقتصادية يمكن الاستثمار فيها، وسوقاً تحتاج إلى التكنولوجيا والخبرة ورأس المال، وموقعاً جغرافياً يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في حركة التجارة الإقليمية.

وهذا التحول في النظرة الأمريكية يمثل بحد ذاته أحد أهم مؤشرات المرحلة الجديدة.

من الدبلوماسية إلى الشراكة المؤسسية

اللافت في زيارة الوفد الأمريكي أن التعاون لم يقتصر على وزارة واحدة أو ملف واحد.

فقد شهدت دمشق اجتماعات اقتصادية ومصرفية مع المصرف المركزي، ولقاءات مع وزارة الاقتصاد والصناعة، ووزارة المالية، ووزارة الطاقة، ووزارة الاتصالات وتقانة المعلومات، ووزارة الصحة، وهيئة الاستثمار، إضافة إلى وزارة الخارجية والمغتربين.

وهذا يعني أن الحوار الاقتصادي بدأ يأخذ طابعاً مؤسسياً شاملاً.

ففي القطاع المصرفي، ناقش الجانبان تطوير العلاقات الاقتصادية والمصرفية، وتهيئة بيئة نقدية ومصرفية أكثر قدرة على دعم الاستثمار والتجارة والاندماج في المنظومة المالية الدولية.

وفي قطاع الاتصالات، بحث وزير الاتصالات وتقانة المعلومات مع الوفد الأمريكي فرص الاستثمار في قطاع الاتصالات، وهو قطاع يمثل إحدى ركائز التحول الرقمي وإعادة بناء البنية التحتية الحديثة.

وفي القطاع الصحي، جرى بحث واقع المستشفيات والنقاط الطبية، بما يفتح الباب أمام التعاون في التجهيزات الطبية والخدمات الصحية والتكنولوجيا الطبية وإعادة تأهيل البنية الصحية.

أما في مجال الاستثمار، فقد ناقشت هيئة الاستثمار مع الوفد الأمريكي الحوافز والتسهيلات التي يوفرها قانون الاستثمار رقم 114 لعام 2025، إضافة إلى المشاريع ذات الأولوية والاستراتيجية والحوافز الممنوحة للمشاريع الزراعية.

وهذا التنوع يكشف أن الحديث لم يعد عن مشروع منفرد، بل عن إمكانية بناء شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية المشتركة.

الاقتصاد السوري يريد تغيير المعادلة

من أهم التصريحات التي صدرت خلال اللقاءات الاقتصادية ما طرحه وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار حول توجه الحكومة للانتقال من «اقتصاد التراخيص والموافقات» إلى اقتصاد يقوم على الإمكانات والمنافسة والقطاع الخاص.

وهنا تظهر إحدى أهم نقاط التحول في الرؤية الاقتصادية السورية.

فالحكومة لا تريد أن تكون الدولة هي المستثمر الرئيسي في كل القطاعات، وإنما تريد أن تركز على تنظيم السوق، ودعم المنافسة، وبناء المؤسسات، وتهيئة البيئة التي يستطيع القطاع الخاص المحلي والأجنبي العمل فيها.

والأكثر أهمية أن الرؤية المطروحة أمام الشركات الأمريكية لا تتعامل مع سوريا باعتبارها مجرد سوق لبيع المنتجات.

فالهدف، كما أوضح وزير الاقتصاد، هو جذب الشركات للانتقال من بيع منتجاتها في السوق السورية إلى الإنتاج والتوريد والتوزيع من سوريا وخدمة الأسواق الإقليمية انطلاقاً منها.

وهذه الفكرة يمكن أن تكون واحدة من أهم ركائز العلاقة الاقتصادية الجديدة.

فإذا تحولت سوريا من سوق استهلاكية إلى قاعدة إنتاج وتصدير، فإن الاستثمار الأجنبي لن يكون مجرد تدفق لرأس المال، بل سيصبح جزءاً من عملية بناء اقتصاد جديد يوفر فرص العمل، وينقل التكنولوجيا، ويطور الإنتاج، ويدعم الصادرات.

سوريا من «سوق لإعادة الإعمار» إلى «منصة إقليمية»

وهنا تبرز أهمية الموقع الجغرافي السوري.

سوريا تقع عند نقطة اتصال بين الخليج والعراق وتركيا وشرق المتوسط، وقريبة من الأسواق العربية والأوروبية.

وبالتالي فإن قيمة سوريا الاقتصادية لا تكمن فقط في حجم السوق المحلية، وإنما في قدرتها المحتملة على أن تكون منصة للإنتاج والتجارة والخدمات اللوجستية وإعادة التصدير.

وهذا ينسجم مع الرؤية التي طرحتها الحكومة السورية أمام الوفد الأمريكي: تحويل سوريا من مجرد «سوق لإعادة الإعمار» إلى «منصة إنتاجية واقتصادية» قادرة على الارتباط بالأسواق الإقليمية.

إذا نجحت هذه الرؤية، فإن الشركة التي تستثمر في سوريا لن تكون بالضرورة تستثمر من أجل السوق السورية وحدها، وإنما تستطيع استخدام سوريا كنقطة انطلاق إلى أسواق أوسع.

وهنا يصبح الموقع الجيوسياسي السوري قيمة اقتصادية فعلية، وليس مجرد ميزة جغرافية نظرية.

الزراعة.. من قطاع تقليدي إلى فرصة استثمارية

أحد الملفات اللافتة في النقاشات الاقتصادية السورية–الأمريكية كان القطاع الزراعي.

فوزير المالية محمد يسر برنية أكد أن الاستثمار في القطاع الزراعي سيكون معفى ضريبياً بشكل كامل، مشيراً إلى اتساع فرص الصناعات الغذائية المرتبطة بالزراعة وتوفر اليد العاملة.

وهذه السياسة يمكن أن تفتح المجال أمام نموذج جديد يقوم على ربط الزراعة بالصناعة.

فبدلاً من تصدير المنتجات الزراعية بصورتها الأولية، يمكن تطوير صناعات غذائية وتعليب وتخزين وتبريد وسلاسل توريد حديثة، بما يزيد القيمة المضافة ويخلق فرص عمل ويعزز القدرة التصديرية.

كما أن استعداد الدولة لتقديم الدعم للمزارعين، وتقديم الضمان السيادي في المشاريع التي يكون فيها شريك حكومي، يمكن أن يساعد في تخفيض جزء من المخاطر التي ينظر إليها المستثمر الأجنبي عند تقييم السوق السورية.

بناء الثقة.. من المخاطر إلى الضمانات

لكن جذب الاستثمار لا يعتمد على الإعفاءات وحدها.

المستثمر الدولي يبحث عن بيئة قانونية واضحة، ونظام مصرفي قادر على التعامل مع المدفوعات الدولية، وضمانات قانونية، وشفافية، وحوكمة، وآليات لحماية رأس المال.

ومن هنا تأتي أهمية ما طرحه وزير المالية بشأن السعي إلى تفعيل مؤسسة ضمان المخاطر متعددة الأطراف في سوريا، إلى جانب مؤسسات مماثلة، بهدف تخفيف مخاوف المستثمرين من مخاطر الاستثمار.

كما أن العمل على إصدار دليل إرشادي متعدد اللغات يوضح المنظومة الضريبية والالتزامات الضريبية يمثل خطوة مهمة في تبسيط البيئة الاستثمارية.

والأهم هو بدء النقاش حول اتفاقيات تجنب الازدواج الضريبي، وهي خطوة يمكن أن تكون ضرورية لتسهيل حركة رؤوس الأموال والاستثمارات الدولية.

هذه التفاصيل قد تبدو إجرائية، لكنها في الواقع تشكل أساساً حقيقياً لأي شراكة اقتصادية طويلة الأمد.

الثقة السياسية تدعم الثقة الاقتصادية

لا يمكن فصل الانفتاح الاقتصادي عن التحولات السياسية والدبلوماسية التي شهدتها سوريا.

فالتعاون مع المؤسسات الدولية في الملفات الحساسة، ومن بينها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والوكالة الدولية للطاقة الذرية، ساهم في تغيير صورة سوريا لدى المجتمع الدولي.

وفي الملف النووي تحديداً، أشاد وزير الطاقة الأمريكي كريستوفر رايت بالتعاون السوري والشفافية والإجراءات التي اتخذتها الحكومة الجديدة لمعالجة قضايا عدم الامتثال السابقة.

وتحمل هذه التصريحات أهمية تتجاوز الملف التقني، لأنها تعكس أن التعاون والشفافية أصبحا جزءاً من أدوات بناء الثقة بين سوريا والمؤسسات الدولية والدول الغربية.

وهذه الثقة السياسية والقانونية هي التي تسمح لاحقاً بانتقال العلاقة إلى الثقة الاقتصادية.

مكافحة الإرهاب.. مصلحة مشتركة

يظل الأمن أحد الملفات الأساسية في العلاقة السورية–الأمريكية.

فالولايات المتحدة تحتاج إلى شريك سوري قادر على ضبط الأراضي السورية ومنع عودة تنظيم داعش والجماعات المتطرفة، وتأمين السجون والمخيمات، ومنع استخدام الأراضي السورية لتهديد الأمن الإقليمي والدولي.

وفي المقابل، تحتاج سوريا إلى دعم دولي يساعدها على استعادة وحدة مؤسسات الدولة والسيطرة على أراضيها وإنهاء الملفات الأمنية العالقة.

ومن هنا يمكن أن تتحول مكافحة الإرهاب من شرط سياسي أمريكي إلى مساحة تعاون مشتركة.

كما أن ملف دمج القوى والمؤسسات العسكرية والأمنية خارج إطار الدولة ضمن مؤسسات الدولة السورية يمكن أن يشكل جزءاً من مسار أوسع لاستعادة وحدة القرار والسيادة السورية.

وهنا تتقاطع المصالح: واشنطن تريد سوريا مستقرة لا تشكل بيئة حاضنة للإرهاب، ودمشق تريد دولة موحدة تملك قرارها الأمني والعسكري على كامل أراضيها.

العلاقة الاقتصادية لا تعني التبعية السياسية

ومع كل هذا الانفتاح، فإن نجاح العلاقة السورية–الأمريكية يتطلب الحفاظ على قاعدة أساسية: الشراكة لا تعني التبعية.

سوريا تستطيع أن تنفتح على الولايات المتحدة دون أن تغلق أبوابها أمام تركيا أو الدول العربية أو أوروبا أو روسيا أو الصين أو الهند أو غيرها.

بل إن تنويع الشركاء قد يكون أحد عناصر القوة في السياسة الاقتصادية السورية.

فالاستثمار الأمريكي يمكن أن يتكامل مع الاستثمارات العربية، والخبرات الأوروبية، والشراكات الآسيوية، والموقع التركي، والأسواق الخليجية، بما يجعل الاقتصاد السوري أكثر انفتاحاً وتوازناً.

والدبلوماسية الاقتصادية الناجحة لا تقوم على اختيار محور واحد، وإنما على تعظيم المصالح الوطنية من خلال بناء أكبر شبكة ممكنة من الشراكات.

دمشق وواشنطن.. مصالح متبادلة

من المنظور الأمريكي، تمثل سوريا الجديدة فرصة لبناء دولة مستقرة وموحدة، تتعاون في مكافحة الإرهاب، وتفتح اقتصادها أمام الاستثمار، وتعمل مع المؤسسات الدولية، وتستعيد اندماجها في المجتمع الدولي.

ومن المنظور السوري، تمثل الولايات المتحدة شريكاً يمكن أن يساهم في إزالة العقبات الاقتصادية، وجذب الاستثمارات، ونقل التكنولوجيا، وتطوير قطاعات الطاقة والصحة والاتصالات والتمويل والبنية التحتية، إضافة إلى المساعدة في معالجة بعض الملفات السياسية والأمنية الإقليمية.

وبذلك تنتقل العلاقة تدريجياً من معادلة «الضغط مقابل التنازلات» إلى معادلة «المصالح مقابل المصالح».

وهذه ربما تكون أكثر صيغ العلاقات الدولية استدامة.

الاختبار الحقيقي يبدأ الآن

لكن زيارة أكثر من 60 شركة أمريكية إلى دمشق لا تعني أن الاستثمارات أصبحت أمراً محسوماً.

فالوفد يمثل بداية اختبار حقيقي.

والاختبار الآن يقع على عاتق الحكومة السورية في قدرتها على تحويل الوعود إلى بيئة استثمارية قابلة للتنفيذ.

وهذا يتطلب تطوير التشريعات، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز استقلالية المؤسسات، وتطوير القطاع المصرفي، وتوفير آليات واضحة للتحويلات والمدفوعات، وحماية المستثمرين، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وربط الاستثمارات الأجنبية بخطة وطنية واضحة لإعادة الإعمار والتنمية.

كما يتطلب من القطاع الخاص السوري أن يكون شريكاً حقيقياً، لا مجرد وسيط بين المستثمر الأجنبي والسوق المحلية.

فالهدف النهائي ليس أن تأتي الشركات الأمريكية إلى سوريا وتبيع منتجاتها، وإنما أن تستثمر وتنتج وتوظف وتنقل التكنولوجيا وتبني سلاسل توريد وتربط الاقتصاد السوري بالأسواق الخارجية.

الاقتصاد قد يصبح لغة جديدة للعلاقة

اللافت في المرحلة الحالية أن الخطاب الأمريكي والسوري يلتقيان بصورة متزايدة حول مفردات جديدة: الاستثمار، الإنتاج، التكنولوجيا، البنية التحتية، الطاقة، الصحة، المصارف، الزراعة، الحوكمة، وإعادة الإعمار.

وهذه المفردات تختلف تماماً عن قاموس العقوبات والعزلة.

ولعل أهم ما في الزيارة الأمريكية إلى دمشق أنها تُظهر أن العلاقة لم تعد تُبنى فقط من خلال السياسيين والدبلوماسيين، وإنما بدأت تدخل إليها الشركات والمصارف والمؤسسات الاستثمارية والوزارات والقطاعات الإنتاجية.

فالسياسة فتحت الباب، لكن الاقتصاد هو الذي يستطيع أن يجعل الباب مفتوحاً بصورة مستدامة.

دمشق أمام فرصة تاريخية

المرحلة الحالية تمنح سوريا فرصة لإعادة تعريف موقعها في الاقتصاد الإقليمي والدولي.

فبدلاً من أن تكون دولة تبحث فقط عن رفع العقوبات، تستطيع أن تصبح دولة تبحث عن الاستثمار.

وبدلاً من أن يكون النقاش حول كيفية تمويل إعادة الإعمار، يمكن أن ينتقل إلى كيفية بناء اقتصاد منتج قادر على تمويل تنميته بنفسه.

وبدلاً من أن تكون سوريا سوقاً لمنتجات الآخرين، يمكن أن تتحول إلى قاعدة إنتاج وتوريد وتوزيع للأسواق المحيطة.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للشراكة السورية–الأمريكية.

فإذا استطاعت دمشق بناء مؤسسات قوية، وبيئة قانونية ومصرفية واضحة، وسياسة استثمارية شفافة، واستفادت من موقعها الجغرافي، فإن الشركات الأمريكية لن تكون مجرد مستثمرين في مرحلة إعادة الإعمار، وإنما يمكن أن تصبح جزءاً من عملية إعادة بناء الاقتصاد السوري نفسه.

أما واشنطن، فإن نجاح هذه الشراكة سيمنحها شريكاً مستقراً في منطقة شديدة الحساسية، ويفتح أمام شركاتها سوقاً جديدة وفرصاً في قطاعات متعددة.

وبذلك يصبح التقارب السوري–الأمريكي قائماً على مصالح متبادلة لا على المجاملات السياسية.

لقد بدأت سوريا تنتقل من مرحلة العزلة إلى مرحلة الانفتاح، ومن طلب رفع القيود إلى البحث عن الاستثمارات، ومن انتظار الدعم إلى محاولة بناء شراكات، ومن النظر إلى موقعها الجغرافي كحدود جغرافية إلى توظيفه كميزة اقتصادية.

والرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من الوفد الأمريكي ليست فقط أن الشركات الأمريكية وصلت إلى دمشق، بل أن دمشق بدأت تُطرح أمامها كجزء من معادلة اقتصادية إقليمية جديدة.

فإذا نجحت سوريا في تحويل هذا الانفتاح إلى إنتاج واستثمار وفرص عمل وتكنولوجيا وتصدير، فإن العلاقات السورية–الأمريكية لن تكون مجرد صفحة جديدة في العلاقات الدبلوماسية، بل قد تتحول إلى أحد روافع إعادة تموضع سوريا اقتصادياً وإقليمياً ودولياً.

فالسياسة تفتح الأبواب، لكن الشراكة الاقتصادية هي التي تستطيع أن تجعل الانفتاح واقعاً مستداماً.

معرض دمشق الدولي 2026

حين فتحت سوريا أبوابها للعالم… وبدأ الاقتصاد يتحدث

هناك معارض تُقام لعرض المنتجات، وهناك معارض تتحول إلى مؤشرات على تحولات الدول.

ومعرض دمشق الدولي في دورته الثالثة والستين ينتمي إلى النوع الثاني.

فما يجري في مدينة المعارض بدمشق هذا العام ليس مجرد دورة جديدة لمعرض عريق، ولا مجرد عودة لحدث اقتصادي غاب سنوات طويلة عن المشهد الدولي.

إنه، بكل ما يحمله من حضور عربي ودولي، أحد أكثر المشاهد وضوحاً على التحول الذي تعيشه سوريا الجديدة.

تحت شعار «سوريا تشرق من جديد»، تستضيف دمشق نحو ألف جهة تمثل قرابة 60 دولة، بينها شركات ومؤسسات ووزارات وهيئات وغرف تجارة ومجالس أعمال وجهات استثمارية وخدمية وحرفية. كما تحضر ألمانيا للمرة الأولى كضيف شرف رسمي بجناح يضم 13 عارضاً.

وهذا الرقم وحده يقول الكثير.

لكن الأهم من عدد الدول هو نوع الحضور.

فالدول لم تأتِ إلى دمشق فقط لتعرض منتجاتها.

لقد جاءت لتبحث عن السوق السورية، وعن فرص الاستثمار، وعن الشراكات، وعن موقعها في مرحلة إعادة بناء الاقتصاد السوري.

وهنا تحديداً تكمن قصة معرض دمشق الدولي هذا العام.

من «سوريا تستقبل العالم» إلى «سوريا تشرق من جديد»

في الدورة السابقة كان الشعار يحمل معنى تاريخياً:

«سوريا تستقبل العالم».

كان العالم يعود إلى دمشق بعد سنوات من العزلة.

أما اليوم، فالمشهد أكثر تقدماً.

لم تعد سوريا تكتفي باستقبال العالم.

بل بدأت تقول:

نحن نريد أن نشارك في صناعة الاقتصاد الإقليمي والدولي.

وهذا الفارق مهم جداً.

فالدولة التي تستقبل الوفود فقط قد تكون ما زالت في مرحلة التعافي.

أما الدولة التي تضع حكومتها وقطاعها الخاص ومؤسساتها الاستثمارية على طاولة واحدة مع المستثمرين والشركات الدولية، فهي بدأت تنتقل إلى مرحلة أخرى:

مرحلة بناء الشراكات.

وهذا ما تحاول الدورة الحالية أن تفعله بالفعل.

المعرض لم يعد معرضاً تقليدياً

أحد أهم التحولات في هذه الدورة هو إعادة تعريف وظيفة معرض دمشق الدولي.

فالمؤسسة العامة للمعارض والأسواق الدولية أوضحت أن الدورة الحالية تتجه إلى جعل المعرض اقتصادياً بالدرجة الأولى، مع التركيز على الاستثمار ولقاءات مجتمع الأعمال، وإتاحة الوصول المباشر إلى الجهات الحكومية المرتبطة بالاقتصاد وبيئة الاستثمار.

وهذا تحول جوهري.

المعرض التقليدي يقول:

تعالَ وشاهد منتجاتنا.

أما المعرض الجديد فيقول:

تعالَ، تعرّف إلى سوريا، قابل حكومتها، قابل شركاتها، اسأل عن فرصها، ثم ابدأ مشروعك.

وهذه هي النقلة الحقيقية.

الحكومة دخلت المعرض بكل مؤسساتها

ربما تكون واحدة من أكثر الرسائل أهمية في هذه الدورة أن الحكومة السورية لم تتعامل مع المعرض باعتباره نشاطاً لوزارة الاقتصاد وحدها.

بل حضرت الوزارات والهيئات والمؤسسات الاقتصادية والخدمية، إلى جانب القطاع الخاص.

وهذا يعني أن المستثمر لا يجد أمامه جناحاً تجارياً فقط، وإنما يجد الدولة نفسها حاضرة لتقديم المعلومات والإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالاستثمار والتراخيص والقطاعات والفرص.

وقد أكد مدير المؤسسة العامة للمعارض والأسواق الدولية أن مؤسسات الدولة والوزارات والهيئات المختلفة حاضرة ومستعدة للتعامل مع المستثمرين ورجال الأعمال وتزويدهم بالمعلومات التي يحتاجونها.

وهنا تظهر صورة مختلفة للدولة السورية:

دولة لا تنتظر المستثمر في المكاتب المغلقة، وإنما تضع نفسها أمامه في أكبر منصة اقتصادية سورية.

منتدى دمشق الاقتصادي… المعرض الذي يريد أن يصنع صفقات

لكن دمشق لم تتوقف عند فكرة المعرض.

فبالتزامن مع الدورة الحالية بدأ تأسيس منتدى دمشق الاقتصادي العالمي، ليكون المسار الذي ينقل المشاركة من عرض المنتجات والفرص إلى التفاوض حول المشاريع والعقود والشراكات.

المنتدى يجمع الحكومة والقطاع الخاص والمستثمرين والشركاء الدوليين، ويتيح لقاءات بين الشركات، وبين الشركات والجهات الحكومية، لبحث الاستثمار والإنتاج والتصدير والتراخيص ومذكرات التفاهم والاتفاقيات.

وهنا تصبح الصورة أكثر وضوحاً:

المعرض هو بوابة التعارف.

والمنتدى هو طاولة التفاوض.

والحكومة هي الجهة التي يفترض أن تحول التفاوض إلى بيئة استثمار.

أما القطاع الخاص، فهو الطرف الذي يجب أن يحول الفرص إلى إنتاج ومشاريع وفرص عمل.

وهذه معادلة اقتصادية مختلفة تماماً عن اقتصاد الدولة المغلقة.

ألمانيا… ليست مجرد ضيف شرف

ربما كان اختيار ألمانيا ضيف شرف للدورة الحالية من أكثر الرسائل دلالة.

فألمانيا لا تمثل فقط دولة صناعية كبرى.

إنها تمثل، في الذاكرة الاقتصادية السورية، نموذجاً لإعادة البناء والانضباط الصناعي والتدريب المهني والتكنولوجيا والقطاع المتوسط والصغير.

ولهذا فإن وجودها في دمشق يحمل معنى يتجاوز البروتوكول.

وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار تحدث صراحة عن أهمية التجربة الألمانية في تحويل التحديات إلى قوة والدمار إلى بناء، مؤكداً أن سوريا لا تريد استنساخ التجربة الألمانية، وإنما التعلم منها، وأن السوريين الذين عاشوا في ألمانيا يمكن أن يشكلوا جسراً بشرياً ومعرفياً واقتصادياً بين البلدين.

وهذه ربما واحدة من أهم الأفكار في المشهد كله:

رأس المال السوري الموجود في الخارج ليس أموالاً فقط.

إنه خبرة.

ومعرفة.

وشبكات علاقات.

ولغة.

وتجربة.

وعندما يعود هذا الرأس المال البشري إلى سوريا، ولو عبر الشراكات والاستثمار ونقل المعرفة، فإنه يصبح جزءاً من عملية إعادة البناء.

رأس المال البشري يتحدث من داخل المعرض

وهنا نصل إلى جانب لا يقل أهمية عن الاستثمارات المالية.

سوريا لا تحتاج فقط إلى مليارات الدولارات.

سوريا تحتاج إلى ملايين الأفكار والخبرات.

المهندس السوري الذي عمل في أوروبا.

الطبيب الذي بنى خبرته في الخارج.

رجل الأعمال الذي أسس شركته في الخليج.

المبرمج الذي عمل في ألمانيا.

الخبير الصناعي الذي عاش في تركيا.

الأكاديمي الذي عمل في الجامعات الأجنبية.

كل هؤلاء يمثلون جزءاً من رأس المال الذي يمكن أن يعيد بناء الاقتصاد السوري.

ولهذا فإن معرض دمشق الدولي ليس فقط مكاناً للشركات الأجنبية.

إنه أيضاً مكان يمكن أن يلتقي فيه السوري في الداخل مع السوري في الخارج.

ومن هنا يصبح المعرض منصة لإعادة وصل الاقتصاد السوري بشبكات المعرفة السورية العالمية.

العرب يعودون إلى دمشق اقتصادياً

اللافت أيضاً هو الحضور العربي الواسع.

السعودية، الإمارات، قطر، الكويت، مصر، الأردن، العراق، ليبيا، الجزائر، لبنان وغيرها من الدول العربية حاضرة بصورة مباشرة أو عبر مؤسساتها وشركاتها ومجالس أعمالها.

وهذا الحضور يحمل معنى بالغ الأهمية.

فالاقتصاد السوري لا يمكن أن يُبنى بمعزل عن محيطه العربي.

سوريا تقع في قلب المشرق، وتملك موقعاً يمكن أن يجعلها حلقة وصل بين الخليج والعراق وتركيا والبحر المتوسط.

ولهذا فإن الاستثمار العربي في سوريا لا يعني فقط ضخ الأموال.

بل يمكن أن يعني:

إعادة بناء طرق التجارة.

إعادة تشغيل الموانئ.

تطوير المناطق الصناعية.

تنشيط النقل البري.

تطوير السياحة.

فتح أسواق جديدة للمنتجات السورية.

وهكذا يتحول الاقتصاد السوري من اقتصاد يبحث عن المساعدة إلى اقتصاد يحاول أن يصبح جزءاً من شبكة اقتصادية إقليمية.

رفع العقوبات… والآن يبدأ الاختبار الحقيقي

لكن هناك نقطة يجب عدم تجاهلها.

رفع العقوبات أو تخفيف القيود لا يعني أن الاقتصاد السوري أصبح جاهزاً تلقائياً.

بل يعني أن الفرصة أصبحت متاحة.

والاختبار الحقيقي يبدأ الآن.

هل تستطيع سوريا جذب الاستثمار؟

هل تستطيع حماية المستثمر؟

هل تستطيع بناء نظام مصرفي قادر على التعامل مع الاقتصاد العالمي؟

هل تستطيع تسهيل تأسيس الشركات؟

هل تستطيع توفير الطاقة؟

هل تستطيع تحديث التشريعات؟

هل تستطيع مكافحة الفساد؟

هل تستطيع تحقيق الاستقرار؟

هل تستطيع تحويل الاتفاقيات التي تُعلن أمام الكاميرات إلى مصانع ومشاريع وفرص عمل؟

هذه هي الأسئلة التي ستحدد نجاح المرحلة المقبلة.

ولذلك فإن معرض دمشق الدولي ليس نهاية الطريق.

بل هو أول اختبار حقيقي للانفتاح الاقتصادي السوري.

السياحة… الاقتصاد الذي يطل من بوابة المعرض

وإذا كان الاستثمار والصناعة والتجارة هي العنوان المباشر للمعرض، فإن السياحة هي العنوان الذي يمكن أن يمتد إلى كامل الاقتصاد السوري.

سوريا لا تحتاج فقط إلى أن يعود المستثمر.

هي تحتاج أيضاً إلى أن يعود السائح.

دمشق.

تدمر.

بصرى.

حلب.

اللاذقية.

طرطوس.

الجزيرة.

الجنوب السوري.

المدن القديمة.

الآثار.

الطبيعة.

المطبخ السوري.

والتراث الثقافي.

كلها يمكن أن تتحول إلى مكونات لصناعة سياحية متكاملة.

وتشير التقديرات التي طُرحت ضمن منتدى دمشق الاقتصادي إلى إمكانية استهداف نحو 8 ملايين سائح خلال خمس سنوات، مع إمكان خلق مئات آلاف فرص العمل إذا جرى تطوير البنية السياحية والخدمات المرتبطة بها.

وهذا يعني أن الموسم السياحي السوري المقبل لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد موسم للزوار.

بل باعتباره:

موسم استثمار.

الفندق مشروع.

المطعم مشروع.

النقل السياحي مشروع.

المنتجعات مشروع.

المدن القديمة مشروع.

السياحة العلاجية مشروع.

السياحة الدينية مشروع.

السياحة البيئية مشروع.

وهنا يمكن لمعرض دمشق الدولي أن يكون نقطة البداية لعرض سوريا ليس فقط كسوق استثمار صناعي، وإنما كوجهة سياحية واستثمارية متكاملة.

هناك فرق كبير بين أن نقول:

سوريا تحتاج إلى إعادة إعمار.

وبين أن نقول:

سوريا تبني اقتصاداً جديداً.

الأولى تعني إصلاح ما تهدم.

أما الثانية فتعني بناء شيء مختلف.

وهذا ما يجب أن تكون عليه المرحلة القادمة.

ليس المطلوب فقط إعادة بناء مصنع كان موجوداً.

بل إنشاء مصنع أكثر كفاءة.

ليس المطلوب فقط إعادة بناء مدرسة.

بل بناء منظومة تعليم تربط الطالب بسوق العمل.

ليس المطلوب فقط إصلاح شبكة كهرباء.

بل بناء قطاع طاقة قادر على جذب الاستثمار.

ليس المطلوب فقط إعادة الطرق.

بل تحويل سوريا إلى ممر تجاري إقليمي.

وهنا تحديداً يصبح الاستثمار الأجنبي مفيداً عندما يأتي مصحوباً بـ:

التكنولوجيا + المعرفة + التدريب + الإدارة + رأس المال.

وهذه هي الفكرة التي طرحها وزير الاقتصاد عندما تحدث عن أن المعرض يجب أن يكون منصة تنتقل عبرها التكنولوجيا والمعرفة والخبرة إلى سوريا.

من الدورة السابقة إلى الدورة الحالية… ماذا تغير؟

ربما تكون المقارنة بين الدورتين هي أفضل طريقة لفهم حجم التحول.

الدورة الثانية والستون، التي أقيمت في 2025، كانت أول دورة بعد التغيير السياسي، وشهدت مشاركة نحو 850 شركة محلية وعالمية وحضوراً اقتصادياً ودولياً واسعاً. وقد بلغ عدد الزوار نحو 2.261 مليون زائر، وتجاوزت قيمة العقود والاتفاقيات المعلنة خلالها 935 مليار ليرة سورية.

أما الدورة الثالثة والستون، فقد جاءت بمشاركة نحو ألف جهة من قرابة 60 دولة، مع حضور حكومي واقتصادي دولي أوسع، وتحوّل أكبر نحو الاستثمار ولقاءات الأعمال.

أي أن سوريا انتقلت خلال عام واحد تقريباً:

من استعادة المعرض…

إلى إعادة تعريف وظيفة المعرض.

ومن استقبال الشركات…

إلى محاولة بناء الشراكات.

ومن عرض المنتجات…

إلى التفاوض على المشاريع.

ومن استعادة الحضور الدولي…

إلى محاولة استعادة الدور الاقتصادي.

وهذه ليست تفاصيل صغيرة.

غرفة تجارة وصناعة درعا… نموذج للقطاع الخاص الذي يدخل المشهد

وفي هذا السياق، يبرز دور غرف التجارة والصناعة، ومنها غرفة تجارة وصناعة درعا، باعتبارها نموذجاً على دخول القطاع الخاص السوري بصورة أكثر مباشرة في مشروع الاقتصاد الجديد.

فالقطاع الخاص لم يعد مطلوباً منه فقط أن ينتظر القرارات الحكومية.

بل أصبح شريكاً في جذب الاستثمار، والتواصل مع المستثمرين، وبناء العلاقات التجارية، وتطوير الإنتاج المحلي.

وهذا التحول أساسي.

لأن الدولة وحدها لا تستطيع بناء اقتصاد حديث.

والقطاع الخاص وحده لا يستطيع العمل دون دولة قوية وقوانين واضحة.

المعادلة المطلوبة هي:

دولة تنظم وتحمي وتفتح الأبواب.

وقطاع خاص يستثمر وينتج ويخلق فرص العمل.

وشريك دولي ينقل رأس المال والخبرة والتكنولوجيا.

وهنا يمكن أن يبدأ الاقتصاد السوري الحقيقي.

الاتحاد الأوروبي حاضر أيضاً

مشاركة السفير ميخائيل أونماخت، رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي إلى سوريا، في منتدى دمشق الاقتصادي العالمي تضيف بعداً آخر للمشهد.

فالمنتدى لم يعد مساحة سورية داخلية.

لقد أصبح مكاناً يجلس فيه:

الحكومة السورية،

والقطاع الخاص،

والدبلوماسيون،

والمستثمرون،

والمؤسسات الدولية،

والشركات الأجنبية.

وهذه الصورة بحد ذاتها تحمل رسالة سياسية واقتصادية:

دمشق تعود إلى طاولة الاقتصاد الدولي.

سوريا الجديدة… من موقع المتلقي إلى موقع الشريك

ربما تكون هذه هي الصورة الأهم التي يجب أن يخرج بها الزائر من معرض دمشق الدولي 2026.

سوريا ليست بلداً يطلب فقط.

وليست بلداً ينتظر المساعدات فقط.

إنها بلد يمتلك:

موقعاً جغرافياً استراتيجياً.

سوقاً كبيرة.

موارد بشرية.

ثروات طبيعية.

قطاعاً خاصاً.

خبرات في الداخل والخارج.

حاجة ضخمة لإعادة الإعمار.

وموقعاً يمكن أن يعيد ربط الشرق بالمتوسط.

لكن كل هذه الإمكانات تحتاج إلى إدارة.

وهنا يأتي دور الحكومة.

عام كامل من العمل… والآن يبدأ الحصاد

معرض دمشق الدولي ليس وليد أسابيع قليلة من التحضير.

إنه نتيجة لمسار كامل بدأ منذ عودة سوريا إلى الانفتاح الدولي.

إعادة بناء العلاقات.

فتح القنوات السياسية.

إعادة التواصل مع المؤسسات الدولية.

تخفيف ورفع القيود والعقوبات.

إعادة بناء البيئة التشريعية.

تنشيط الاقتصاد.

إعادة الاعتبار للقطاع الخاص.

التواصل مع المستثمرين.

فتح قنوات مع الدول العربية.

الانفتاح على أوروبا وآسيا.

والتحرك باتجاه إعادة دمج سوريا في الاقتصاد الإقليمي والدولي.

والآن جاءت اللحظة التي يمكن فيها أن يظهر أثر هذا العمل أمام العالم.

في معرض دمشق الدولي.

ولهذا فإن نجاح الدورة الحالية لا يُقاس فقط بعدد الزوار.

ولا بعدد الأجنحة.

ولا بعدد الصور.

بل بما سيحدث بعد إغلاق أبواب المعرض في الرابع من أيلول.

كم مصنعاً سيُبنى؟

كم شركة ستدخل السوق؟

كم مشروعاً سيبدأ؟

كم وظيفة ستُخلق؟

كم اتفاقية ستتحول إلى عقد؟

وكم مليار دولار من رأس المال سيجد طريقه إلى الاقتصاد السوري؟

هذه هي الأرقام التي ستحدد النجاح الحقيقي.

الخلاصة: المعرض ليس صورة لسوريا… بل اختبار لسوريا الجديدة

معرض دمشق الدولي 2026 ليس مجرد معرض.

إنه رسالة سياسية واقتصادية واستثمارية في آن واحد.

رسالة تقول إن سوريا التي كانت لسنوات مغلقة أمام العالم، بدأت تفتح أبوابها.

وأن سوريا التي كانت تُناقش في المؤتمرات الدولية باعتبارها أزمة، بدأت تحاول أن تقدم نفسها باعتبارها فرصة.

وفرصة الاستثمار السورية ليست في قطاع واحد.

إنها تمتد من:

الصناعة،

والزراعة،

والطاقة،

والبنية التحتية،

والنقل،

والتكنولوجيا،

والاتصالات،

والسياحة،

والعقار،

والخدمات،

إلى التعليم والتدريب ورأس المال البشري.

ولذلك ربما يكون أفضل وصف للدورة الثالثة والستين هو:

معرض الانتقال من التعافي إلى التنمية.

ففي العام الماضي قالت سوريا للعالم:

«نحن نستقبلكم».

أما هذا العام فتقول:

«تعالوا نبني معاً».

وهذه هي صورة سوريا الجديدة التي تريد الحكومة تقديمها:

سوريا ليست فقط بلداً يعيد بناء ما تهدم… بل بلداً يريد أن يبني اقتصاداً جديداً، ويعود إلى موقعه الطبيعي كجسر بين الأسواق، ومنصة للاستثمار، وممر للتجارة، ووجهة للسياحة، وشريك في الاقتصاد الإقليمي والدولي.

ولعل العبارة التي قالها الرئيس أحمد الشرع في افتتاح المعرض تختصر المشهد كله:

«نرى شمس سوريا تشرق من جديد لتكون منارة في اقتصادها وجسراً بين الأسواق».

لكن الشمس لا تكفي وحدها.

المرحلة المقبلة هي مرحلة تحويل هذا الضوء إلى:

مصانع، ومشاريع، واستثمارات، وسياحة، ووظائف، وصادرات، ونمو.

وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي لسوريا الجديدة.

فالمعرض انتهى يوماً ما.

أما الاقتصاد الذي سيولد من داخله، فيجب ألا ينتهي.

سوريا على أعتاب الخروج من العزلة: الاستثمار وإعادة الإعمار في الواجهة

تقف سوريا أمام مرحلة مفصلية في مسارها السياسي والاقتصادي، مع استمرار الجهود الدولية والسورية لإعادة النظر في منظومة العقوبات والقيود التي أثرت طوال سنوات في قدرة الاقتصاد السوري على الوصول إلى الأسواق والتمويل والاستثمار الدولي.

ولا يعني أي تخفيف أو رفع محتمل للعقوبات أن الاقتصاد السوري سينتقل تلقائيًا إلى مرحلة التعافي، لكنه قد يزيل جزءًا مهمًا من العوائق التي تواجه التجارة والاستثمار وإعادة الإعمار، إذا ترافق ذلك مع إصلاحات داخلية وضمانات قانونية ومالية واضحة.

شهدت السياسة الخارجية السورية خلال المرحلة الأخيرة تحركًا باتجاه توسيع العلاقات العربية والإقليمية والدولية، بالتوازي مع محاولات لإعادة تفعيل قنوات التعاون الاقتصادي والدبلوماسي.

وشملت هذه التحركات دولًا عربية وإقليمية وآسيوية، إلى جانب اتصالات مع أطراف غربية ومؤسسات دولية، بما يعكس رغبة دمشق في الانتقال من التعامل مع آثار العزلة إلى بناء علاقات قائمة على المصالح المشتركة والتعاون الاقتصادي.

ومن هذه الزاوية، فإن النقاش حول العقوبات لم يعد اقتصاديًا فقط، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بمدى قدرة سوريا على بناء علاقات طبيعية مع المجتمع الدولي وإظهار استعدادها للتعاون في الملفات التي تشكل مصدر قلق للدول والمؤسسات الدولية.

ماذا يعني تخفيف العقوبات للاقتصاد السوري؟

الأثر الأكثر أهمية لأي تخفيف للعقوبات قد يظهر في قدرة الشركات والمصارف على التعامل مع السوق السورية ضمن الأطر القانونية الدولية.

لكن هذا المسار لن يكون تلقائيًا؛ فالمؤسسات المالية الدولية ستظل مطالبة بتطبيق قواعد الامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، كما ستحتاج الشركات إلى وضوح في القوانين السورية المتعلقة بالاستثمار وتحويل الأموال والملكية وتسوية النزاعات.

ولهذا فإن الاستثمار وإعادة الإعمار في سوريا لا يرتبطان بقرار خارجي واحد، وإنما بمجموعة من العوامل الداخلية والخارجية المتداخلة.

فالقرار السياسي يمكن أن يفتح الباب، لكن المستثمر يحتاج إلى بيئة يستطيع فيها أن يعرف حقوقه والتزاماته ومخاطر مشروعه بصورة واضحة.

الاستثمار يحتاج إلى بيئة أكثر وضوحًا

تمتلك سوريا احتياجات واسعة في قطاعات الكهرباء والطاقة والنقل والمياه والإسكان والاتصالات والصناعة والزراعة والسياحة.

وهذه الاحتياجات يمكن أن تتحول إلى فرص استثمارية، لكن الاستفادة منها تتطلب إجراءات عملية، من بينها تطوير التشريعات، وتبسيط التراخيص، وتعزيز استقلالية المؤسسات، وتوضيح آليات تحويل الأموال، وتوفير ضمانات للمستثمرين.

لذلك فإن المرحلة المقبلة ينبغي ألا تكتفي بتوجيه الدعوات إلى المستثمرين، وإنما تقديم خريطة استثمارية واضحة تتضمن المشاريع المتاحة، وحجم التمويل المطلوب، ونماذج الشراكة، والضمانات القانونية، والجدول الزمني للتنفيذ.

إعادة الإعمار لا تبدأ من الصفر

التحدي السوري لا يتمثل فقط في إعادة بناء ما دمرته الحرب، وإنما في إعادة بناء اقتصاد قادر على الإنتاج والتصدير وخلق فرص العمل.

وهنا تبرز أهمية مشاريع النقل والطرق والموانئ والسكك الحديدية والطاقة.

فإعادة تأهيل هذه القطاعات يمكن أن تساعد سوريا على استعادة دورها في حركة التجارة الإقليمية، خصوصًا مع تنامي التعاون في النقل والترانزيت مع السعودية وتركيا والأردن والعراق، والانفتاح الاقتصادي على دول الخليج وآسيا.

وبذلك يمكن أن تصبح إعادة الإعمار جزءًا من مشروع اقتصادي أوسع، لا مجرد عملية لإعادة الأبنية والبنية التحتية إلى ما كانت عليه.

الدبلوماسية تتحول إلى أداة اقتصادية

أحد أهم التحولات في السياسة الخارجية السورية يتمثل في تزايد التركيز على البعد الاقتصادي للعلاقات الدولية.

فالعلاقات مع السعودية يمكن أن تفتح مجالات للاستثمار والنقل والتجارة، والعلاقة مع تركيا ترتبط بالجغرافيا وإعادة الإعمار، بينما توفر باكستان والهند والصين فرصًا مختلفة في الأسواق والصناعة والتكنولوجيا.

وهذا التنوع يمنح دمشق فرصة لبناء شبكة شراكات اقتصادية بدل الاعتماد على مصدر واحد للتمويل أو الاستثمار.

لكن نجاح هذه السياسة يتوقف على قدرة سوريا على تحويل الاتفاقات والزيارات والبيانات السياسية إلى مشاريع قابلة للتنفيذ.

التعاون الدولي واستعادة الثقة

كما أن التعامل مع المؤسسات الدولية والجهات الرقابية في الملفات الفنية والقانونية يمكن أن يكون عنصرًا مهمًا في بناء الثقة.

وأي خطوات سورية معلنة في اتجاه زيادة الشفافية والتعاون مع المؤسسات الدولية ينبغي أن تُترجم إلى سياسات مستدامة، لأن المستثمر والدولة والمؤسسة المالية لا ينظرون إلى التصريحات وحدها، بل إلى مدى استمرارية الإجراءات وقدرتها على التنبؤ.

وهنا تصبح الثقة أحد أهم الأصول التي تحتاج سوريا إلى استعادتها، إلى جانب رأس المال والبنية التحتية.

الفرصة أكبر من مجرد رفع العقوبات

حتى في حال اتساع نطاق تخفيف العقوبات، ستبقى أمام سوريا تحديات كبيرة: ضعف البنية التحتية، محدودية التمويل المحلي، الحاجة إلى إصلاح المؤسسات، وتطوير النظام المصرفي، وتحسين بيئة الأعمال، وضمان الاستقرار الأمني والقانوني.

لذلك لا ينبغي النظر إلى رفع العقوبات باعتباره نهاية الأزمة الاقتصادية، بل باعتباره فرصة لإطلاق مرحلة جديدة إذا أحسنت دمشق استثمارها.

فالسماء لا تمطر استثمارات بمجرد صدور القرارات الدولية.

والأموال لا تأتي لمجرد فتح الأبواب.

المستثمر يبحث عن القانون، والاستقرار، والشفافية، والبنية التحتية، وإمكانية تحويل الأرباح، ووضوح العلاقة مع الدولة.

الاختبار الحقيقي أمام سوريا لن يكون فقط في قدرتها على إقناع المجتمع الدولي بتخفيف القيود، وإنما في قدرتها على استثمار أي انفراج دولي لبناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنوعًا.

وهذا يتطلب الانتقال من اقتصاد يعتمد على المساعدات والتحويلات إلى اقتصاد قادر على جذب الاستثمار، وزيادة الإنتاج، وتطوير الصادرات، وخلق فرص العمل.

كما يتطلب أن تكون إعادة الإعمار فرصة لإعادة تصميم الاقتصاد، لا مجرد إعادة بناء ما تهدم.

الخلاصة

تدخل سوريا مرحلة يمكن أن تشهد تحولات مهمة في علاقتها بالاقتصاد الدولي، لكن حجم المكاسب التي يمكن تحقيقها سيعتمد على تفاعل عاملين: مدى الانفتاح الدولي من جهة، وقدرة الدولة السورية على تنفيذ الإصلاحات من جهة أخرى.

فالتحولات الدبلوماسية التي شهدتها سوريا خلال الفترة الأخيرة وفرت مساحة أوسع للحركة، لكن هذه المساحة تحتاج إلى ترجمة اقتصادية ومؤسساتية.

وإذا نجحت دمشق في الجمع بين الانفتاح الخارجي، والإصلاح الداخلي، والشفافية، وتطوير البنية التحتية، وحماية الاستثمار، فقد تتحول نهاية مرحلة العزلة تدريجيًا إلى بداية مرحلة مختلفة عنوانها:

الاستثمار بدل العقوبات، والإنتاج بدل الاعتماد، وإعادة الإعمار باعتبارها مشروعًا لبناء اقتصاد سوري جديد، لا مجرد ترميم لاقتصاد الماضي.

يشكل إعلان الرئيس أحمد الشرع عن إطلاق حزمة من المشاريع الخدمية والتنموية في محافظة دير الزور نقطة تحول محتملة في مسار التنمية شرق سوريا. ليس بوصفها منطقة خرجت من الحرب فحسب، وإنما باعتبارها ركيزة أساسية لمستقبل الاقتصاد السوري.

ويعد الإعلان عن مشروع طريق دمشق – دير الزور بكلفة تصل إلى 300 مليون دولار، إلى جانب إنشاء مدينة صناعية كبرى ومستشفى متخصص لعلاج أمراض السرطان، خطوة قد تفتح الباب أمام خطط تنموية أوسع في دير الزور ومناطق أخرى شرق البلاد، وفق ما تعلنه الجهات الرسمية لاحقاً. وتأتي هذه المشاريع بالتزامن مع إعادة افتتاح مطار دير الزور الدولي واستعادة نشاطه، بما قد يسهم، وفق التقديرات الرسمية، في تسهيل حركة النقل وربط المنطقة الشرقية ببقية المحافظات السورية والدول المجاورة، وتنشيط التجارة والاستثمار.

ولا تقتصر أهمية هذه المشاريع على بعدها الخدمي، بل تحمل رؤية متكاملة لإعادة تأهيل البنية التحتية، وتحسين شبكة الطرق، وتطوير القطاع الصحي، وإنشاء مناطق صناعية جديدة، وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي، وخلق فرص عمل جديدة، بحسب ما ستحدده الخطط التنفيذية المعلنة لكل مشروع، بما يسهم في الحد من البطالة وتحسين مستوى الدخل والمعيشة. وتتمتع الجزيرة السورية بمقومات اقتصادية تجعلها إحدى أهم المناطق الواعدة في سوريا، فهي تضم الجزء الأكبر من الثروات النفطية والغازية، والأراضي الزراعية الخصبة، والثروة الحيوانية، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يربط سوريا بالعراق وتركيا، ما يجعلها مؤهلة لتكون مركزاً للإنتاج الزراعي والصناعي والطاقة والنقل والتجارة.

وفي حال انتقلت آبار النفط والغاز مستقبلاً إلى إدارة الدولة، أو جرى التوصل إلى ترتيبات جديدة بشأنها، فقد ينعكس ذلك على قطاع الطاقة في المنطقة، بما قد يدعم مشاريع التنمية وإعادة الإعمار في مختلف المحافظات السورية. كما أن المرحلة المقبلة تحمل فرصاً كبيرة لإعادة تنشيط الحياة الاجتماعية والثقافية والتعليمية، من خلال إعادة تأهيل المدارس والجامعات والمراكز الثقافية والمستشفيات، وتعزيز الخدمات العامة، بما يشجع عودة السكان والكوادر والكفاءات ورؤوس الأموال إلى مدنهم ومناطقهم بعد سنوات طويلة من النزوح والهجرة.

إلا أن نجاح هذه الرؤية التنموية يبقى مرتبطاً بعدة تحديات، من بينها مستقبل الترتيبات الأمنية والإدارية في المنطقة، بما في ذلك ملف العلاقة بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ومؤسسات الدولة السورية، لما لذلك من أثر محتمل على بيئة المشاريع التنموية والاستثمارية. كما أن مواجهة خلايا تنظيم داعش النشطة في بعض المناطق تمثل أولوية أمنية لضمان استدامة الاستقرار، فالتنمية لا يمكن أن تزدهر إلا في بيئة آمنة تحمي المواطنين والمستثمرين والمنشآت الحيوية.

وتبرز أيضاً الحاجة إلى ترميم الثقة بين الدولة والمجتمع المحلي، من خلال حضور حكومي فعّال يلامس احتياجات المواطنين اليومية. فقد تركت حوادث الغرق والنقل التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية أثراً كبيراً في نفوس الأهالي، ورسخت مطالبهم بزيادة الاهتمام بالبنية التحتية، وتعزيز خدمات النقل والسلامة العامة، وتطوير المرافق الصحية والإنقاذ، بما يعكس اهتمام الدولة بأبنائها في المنطقة الشرقية.

إن أبناء الجزيرة السورية لا ينتظرون المشاريع فقط، بل يتطلعون إلى رؤية اهتمام حكومي مستمر، يشعرهم بأنهم شركاء في بناء مستقبل البلاد، وأن الدولة حاضرة في تفاصيل حياتهم اليومية، عبر الخدمات، والتنمية، وفرص العمل، والاستثمار، والتعليم، والرعاية الصحية.

وتبقى المرحلة المقبلة فرصة تاريخية لتحويل المنطقة الشرقية من ساحة للصراع إلى ساحة للإنتاج والتنمية. وإذا ما استكملت مشاريع الطرق، والمناطق الصناعية، والطاقة، والصحة، والتعليم، مع تعزيز الأمن والاستقرار، فإن الحسكة والرقة ودير الزور والميادين والبوكمال والقامشلي ستتحول إلى أحد أهم أقطاب النمو الاقتصادي في سوريا، وستكون رافعة حقيقية لإعادة الإعمار الوطنية، ونموذجاً لعودة الدولة إلى جميع مناطقها عبر التنمية والخدمات، بما يعزز وحدة البلاد ويرسخ الاستقرار ويؤسس لمرحلة جديدة من التعافي والازدهار.