لم تعد التحركات الدبلوماسية السورية باتجاه العواصم الخليجية مجرد محاولة لاستعادة العلاقات العربية بعد سقوط النظام السابق، بل أصبحت مؤشراً على سعي دمشق إلى تثبيت موقع جديد في معادلات الأمن الإقليمي، في لحظة تشهد فيها المنطقة تحولات استراتيجية عميقة، في ظل التصعيد العسكري المرتبط بالمواجهة مع إيران، والانخراط الأمريكي في حماية المصالح والممرات الإقليمية، والتهديدات التي طالت أمن الخليج والممرات البحرية، وتزايد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة.

وتكتسب لقاءات وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في قطر والسعودية، والتحركات الدبلوماسية تجاه دول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات والكويت والبحرين، أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية، لتطرح سؤالاً جوهرياً: هل تستطيع سوريا الجديدة أن تتحول من ساحة للصراعات الإقليمية إلى شريك في حماية الاستقرار العربي، وأن توظف خروجها من المحور الإيراني لبناء توازنات جديدة تخدم مصالحها ومصالح دول الخليج؟

وخلال تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أجرى الشيباني سلسلة لقاءات في الدوحة والرياض والمنامة تناولت تعزيز التعاون والتشاور بشأن التطورات الإقليمية. كما شهدت العلاقات السورية الإماراتية اتصالات على مستوى وزيري الخارجية تناولت تعزيز التعاون والحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها.

من التحالف الإيراني إلى الشراكة العربية: ماذا تغير في الدور السوري؟

على مدى عقود، ارتبطت السياسة الخارجية السورية في عهد النظام البائد بعلاقة استراتيجية مع إيران، بدأت منذ السبعينات لتصبح سوريا إحدى أهم ساحات النفوذ الإيراني في المنطقة.

وفي الوقت نفسه، حافظ النظام السابق على قنوات دبلوماسية مع دول الخليج، وشهدت علاقاته بها مراحل من التقارب والتفاهم، وأخرى من التوتر والقطيعة. لكن هذه العلاقات لم تعنِ أن دمشق كانت ضامناً لأمن الخليج من التهديدات الإيرانية؛ إذ ظل التحالف السوري الإيراني جزءاً أساسياً من المعادلة التي أثارت مخاوف عدد من الدول العربية.

أما اليوم، ويبدو أن سقوط النظام السابق أسهم في إحداث تغير جوهري في موقع سوريا ضمن هذه المعادلة. فدمشق لم تعد تتحرك ضمن الإطار الاستراتيجي نفسه الذي ربطها بطهران، وأصبحت أمام فرصة لإعادة بناء سياستها الخارجية انطلاقاً من المصالح الوطنية، وتوسيع الشراكات العربية، واستعادة استقلالية القرار السياسي.

وهنا تكمن المفارقة: النظام السابق كان جزءاً من شبكة التحالفات الإقليمية المرتبطة بإيران، لكنه حافظ في الوقت نفسه على علاقات دبلوماسية مع بعض دول الخليج؛ أما سوريا الجديدة، فتسعى إلى بناء علاقاتها الخليجية على أساس شراكة مباشرة لا تتطلب المرور عبر تفاهماتها السابقة مع طهران.

ومع ذلك، لا يصح القول إن خروج سوريا من المحور الإيراني هو الذي منع الحرب بين إيران والخليج؛ فالمواجهة الإقليمية لها أسباب متعددة، تتصل بالحسابات العسكرية والسياسية والنووية وأمن الملاحة. الأدق أن التحول السوري أزال أحد مكونات النفوذ الإيراني الإقليمي، وفتح أمام دول الخليج فرصة للتعامل مع دمشق بوصفها شريكاً محتملاً في ترتيبات الاستقرار، بدلاً من كونها امتداداً للتحالف السابق.

كيف تنظر واشنطن إلى الدور السوري الجديد؟

من المنظور الأمريكي، تكتسب سوريا أهميتها من قدرتها المحتملة على الإسهام في الحد من النفوذ الإيراني، ومنع عودة استخدام الأراضي السورية ممراً لنقل السلاح أو منصة لتهديد دول المنطقة، إلى جانب مكافحة التنظيمات المتطرفة وتعزيز الاستقرار.

وتشير بعض المؤشرات السياسية إلى انخراط أمريكي أوسع مع القيادة السورية الجديدة، مع حديث عن تخفيف بعض القيود وفتح قنوات للتعاون السياسي والأمني. لكن واشنطن تراقب أيضاً قدرة الحكومة السورية على تثبيت مؤسسات الدولة، وضبط الحدود، والتعامل مع التحديات الأمنية الداخلية والإقليمية.

وبناءً على ذلك، يمكن أن ترى الولايات المتحدة في تعزيز العلاقات السورية الخليجية فرصة لتحقيق عدة أهداف: تخفيف اعتماد دمشق على إيران، وتشجيع دول الخليج على الاستثمار في استقرار سوريا، وتوسيع التعاون الإقليمي في مواجهة التهديدات العابرة للحدود.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن واشنطن تريد تحويل سوريا إلى طرف في مواجهة عسكرية مفتوحة مع طهران. فالمصلحة الأمريكية قد تتقاطع أيضاً مع تجنب اتساع الحرب، وحماية الملاحة، ومنع انتقال الصراع إلى ساحات جديدة.

ومن هنا، فإن قيمة سوريا بالنسبة إلى واشنطن لا تكمن فقط في ابتعادها عن إيران، بل في قدرتها على أن تصبح دولة مستقرة، ذات مؤسسات فاعلة، وعلاقات عربية واسعة، وسياسة خارجية يمكن التنبؤ بها.

فواشنطن قد تستفيد من التحول السوري في تقليص النفوذ الإيراني، لكنها ستقيّم نجاحه أيضاً بمدى إسهامه في الاستقرار، لا بمجرد انتقال دمشق من تحالف سابق إلى خصومة جديدة.

ماذا تريد دول الخليج من سوريا الجديدة؟

تحتاج دول الخليج إلى أكثر من مجرد تحسن العلاقات الدبلوماسية مع دمشق. فهي تبحث عن بيئة إقليمية أقل اضطراباً، وعن شركاء قادرين على حماية المصالح المشتركة، ومنع استخدام أراضيهم أو أراضي الدول المجاورة في تهديد الأمن الإقليمي.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الاهتمام الخليجي بسوريا الجديدة عبر ثلاثة مستويات:

أولاً: المستوى الأمني.

تريد دول الخليج سوريا مستقرة لا تُستخدم أراضيها لتهديد أمن الدول العربية، ولا تكون ممراً لشبكات التهريب أو السلاح أو الأنشطة التي تزيد من هشاشة المنطقة. ويمكن لدمشق أن تسهم في ذلك من خلال تعزيز مؤسسات الدولة، وضبط الحدود، وتطوير التعاون الأمني والدبلوماسي.

ثانياً: المستوى السياسي.

تحتاج المنطقة إلى قنوات إضافية للحوار والتنسيق، خصوصاً عندما تتصاعد المواجهات وتصبح احتمالات الخطأ في الحسابات العسكرية أكثر خطورة. ويمكن لسوريا، بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتنامية، أن تدعم المواقف العربية المشتركة في قضايا السيادة ورفض الاعتداءات وخفض التصعيد.

ثالثاً: المستوى الاقتصادي.

يمثل استقرار سوريا مصلحة خليجية، لأن إعادة إعمارها وتنشيط اقتصادها يفتحان المجال أمام الاستثمارات والتجارة ومشاريع النقل والطاقة والربط الإقليمي. وكلما أصبحت سوريا أكثر استقراراً وقدرة على إدارة مؤسساتها، ازدادت فرص تحويل التقارب السياسي إلى مصالح اقتصادية متبادلة.

وعليه، فإن دول الخليج لا تحتاج إلى سوريا بوصفها طرفاً إضافياً في محور مضاد لإيران، بقدر ما تحتاج إليها دولةً عربية مستقرة، قادرة على حماية سيادتها، والوفاء بالتزاماتها، والإسهام في منع انتقال الأزمات إلى بقية المنطقة.

دبلوماسية التوازن: كيف تحافظ دمشق على استقلال قرارها؟

التحدي الأكبر أمام الدبلوماسية السورية الجديدة هو تجنب الوقوع في معادلة الاستبدال: الخروج من محور إقليمي للدخول في محور آخر، من دون امتلاك قرار مستقل أو رؤية وطنية طويلة الأمد.

فالتقارب مع دول الخليج قد يتحول، إذا اتخذ طابعاً تلقائياً في جميع الملفات، إلى عامل يضعف استقلالية القرار السوري، كما أن إعادة تقييم العلاقة مع إيران لا تعني أن السياسة السورية يجب أن تقوم على العداء الدائم معها.

إن دبلوماسية التوازن تعني بناء علاقات قوية مع الدول العربية، وتوسيع التعاون مع الولايات المتحدة وتركيا وأوروبا، وإدارة الخلافات مع إيران على أساس المصالح الوطنية والسيادة والأمن، من دون السماح لأي طرف باستخدام سوريا للإضرار بجيرانها.

ولا يعني هذا التوازن الوقوف على مسافة واحدة من جميع المواقف، أو تجاهل الاعتداءات والتهديدات، بل يعني اتخاذ قرارات مستقلة تستند إلى طبيعة كل قضية، وتمنع تحول سوريا إلى ساحة مواجهة بالوكالة.

وفي ظل التوترات المحيطة بمضيق هرمز وباب المندب، تستطيع دمشق دعم الجهود الدبلوماسية لحماية الملاحة والتجارة، والتنسيق مع الدول العربية لاحتواء التصعيد، من دون الادعاء بأنها تمتلك وحدها أدوات التأثير في هذه الملفات.

وهنا تبرز أهمية الزيارات واللقاءات الأخيرة: فهي تمنح سوريا فرصة لبناء الثقة، وتبادل التقديرات السياسية، وتطوير آليات تعاون يمكن أن تساعد في منع الأزمات قبل تحولها إلى مواجهات أوسع.

الخلاصة: سوريا شريك في الاستقرار لا أداة في الصراع

تكشف التحركات الدبلوماسية السورية نحو الخليج عن فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين دمشق والعواصم العربية على أسس جديدة، تقوم على المصالح المشتركة، واحترام السيادة، والتعاون الأمني والاقتصادي، والعمل على خفض التوترات.

لقد غيّر سقوط النظام السابق موقع سوريا في التوازنات الإقليمية، وأتاح لها الابتعاد عن البنية الاستراتيجية التي ربطتها بإيران. لكن هذا التحول لن يتحول إلى مكسب مستدام بمجرد تبادل الزيارات أو إعلان المواقف، بل يحتاج إلى مؤسسات قوية، وسياسة خارجية مستقلة، وقدرة فعلية على حماية الأراضي السورية ومنع استخدامها للإضرار بالدول الأخرى.

أما بالنسبة إلى الخليج، فإن المصلحة لا تكمن في دفع سوريا إلى مواجهة مفتوحة مع إيران، بل في تشجيعها على بناء دولة مستقرة، ذات قرار مستقل، وعلاقات عربية متينة، وقادرة على المساهمة في حماية المصالح المشتركة.

لقد انتقلت سوريا من معادلة إقليمية كان تحالفها مع إيران أحد أبرز مكوناتها، إلى مرحلة تسعى فيها إلى استعادة دورها العربي. والنجاح الحقيقي ليس في استبدال محور بآخر، بل في تحويل هذا التحول إلى دبلوماسية توازن وانفتاح، تجعل من سوريا شريكاً في منع الحروب، لا ساحةً لها، وجسراً للتعاون العربي، لا أداةً في صراعات الآخرين.