لم تعد العلاقات الصينية–الأمريكية تُقرأ فقط من زاوية من ينتصر على الآخر. الأهم اليوم هو كيف تدير القوتان الأكبر في النظام الدولي تنافسهما من دون أن يتحول إلى صدام مفتوح يربك الاقتصاد العالمي والأمن الدولي.

ومن هذه الزاوية تحديداً، تكتسب الزيارات المتبادلة المعلنة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ خلال عام 2026 أهمية تتجاوز بعدها البروتوكولي. فزيارة ترامب إلى الصين في مايو، ثم زيارة شي إلى واشنطن في سبتمبر، تكشفان تحولاً لافتاً في طبيعة العلاقة بين بكين وواشنطن: من محاولة فرض شروط القوة على الطرف الآخر، إلى إدراك متزايد بأن كلاً منهما يحتاج إلى الآخر، ولو في إطار منافسة استراتيجية مستمرة.

قبل تسع سنوات تقريباً، كان المشهد مختلفاً.

في نوفمبر 2017، زار ترامب الصين خلال ولايته الرئاسية الأولى، وحظي باستقبال رسمي لافت، شمل لقاءات مع شي جين بينغ وزيارة المدينة المحرمة ومأدبة عشاء داخلها. وكانت الملفات التجارية وكوريا الشمالية والعجز التجاري حاضرة بقوة في المباحثات.

لكن تلك الزيارة جاءت في بداية مرحلة أخذت فيها واشنطن تنظر إلى الصين بصورة متزايدة باعتبارها منافساً اقتصادياً واستراتيجياً طويل الأمد. وبعدها تصاعدت الحرب التجارية، ثم جاءت جائحة كورونا في 2020 لتضيف طبقة جديدة من التوتر السياسي والاتهامات المتبادلة، ولتدفع العلاقات بين البلدين إلى واحدة من أكثر مراحلها صعوبة منذ عقود.

وهنا تكمن أهمية المقارنة بين 2017 و2026.

فترامب الذي ذهب إلى بكين عام 2017 وهو يحاول إعادة صياغة قواعد العلاقة التجارية مع الصين، يعود اليوم إلى العلاقة نفسها، لكن من موقع مختلف فرضته التحولات التي شهدها العالم خلال السنوات الماضية. وفي مايو 2026 مثّلت زيارته إلى بكين أول زيارة رئاسية أمريكية إلى الصين منذ سنوات، بحسب ما أُعلن في حينه، وقد تحدث الطرفان آنذاك عن بناء علاقة صينية–أمريكية ذات “استقرار استراتيجي”، وعن تثبيت العلاقات الاقتصادية وتوسيع التعاون وإدارة الخلافات.

ثم جاء سبتمبر ليقلب اتجاه المشهد البروتوكولي.

الرئيس الصيني شي جين بينغ يصل إلى الولايات المتحدة في زيارة دولة تمتد من 23 إلى 25 سبتمبر، ويستقبله ترامب شخصياً عند قاعدة أندروز، في مشهد يُقرأ سياسياً بوصفه أكثر من مجرد إجراء بروتوكولي. فالزيارة هي الأولى لشي إلى واشنطن منذ سنوات طويلة، وتأتي بعد زيارة ترامب للصين بأشهر قليلة، بما يجعل تبادل الزيارات بين الزعيمين خلال فترة زمنية قصيرة أمراً استثنائياً في تاريخ العلاقات الثنائية.

لكن الأهم من المراسم هو السياق الذي جاءت فيه الزيارة.

فالولايات المتحدة لا تتعامل اليوم مع الصين في فراغ جيوسياسي. هناك حرب أوكرانيا التي دخلت مرحلة أكثر تعقيداً، وهناك توتر وأزمة ممتدة مرتبطة بإيران وتداعياتها على أمن الخليج والطاقة، وهناك اضطرابات مرتبطة بممرات التجارة الدولية، فضلاً عن التوتر في مضيقي هرمز وباب المندب، وملف تايوان، والتنافس على الذكاء الاصطناعي والرقائق والمعادن النادرة.

وهنا تصبح الصين بالنسبة إلى واشنطن أكثر من مجرد منافس اقتصادي.

إنها دولة تمتلك أدوات تأثير على ملفات متعددة في الوقت نفسه.

الصين تمتلك علاقة استراتيجية واقتصادية مع روسيا، ولها مصالح مباشرة في استقرار أسواق الطاقة، ولديها نفوذ اقتصادي واسع في الشرق الأوسط، كما أنها لاعب رئيسي في سلاسل الإمداد العالمية، وفي المعادن النادرة والتصنيع والتكنولوجيا. ولهذا فإن محاولة واشنطن إدارة ملفات العالم الكبرى من دون التواصل مع بكين أصبحت أكثر كلفة وتعقيداً.

ومن هنا يمكن فهم أحد أبعاد زيارة شي إلى واشنطن.

أمريكا تريد الصين منافساً منضبطاً، لا خصماً منفلتاً.

والصين تريد من الولايات المتحدة منافسة يمكن إدارتها، لا سياسة احتواء شاملة تنتهي إلى مواجهة مفتوحة.

وهذه المعادلة هي جوهر المرحلة الجديدة.

من “فخ ثوسيديدس” إلى إدارة التنافس

كان شي جين بينغ قد استخدم خلال السنوات الماضية مفهوم “فخ ثوسيديدس” في سياق التحذير من أن صعود قوة جديدة قد يقود إلى صدام مع القوة القائمة. وفي قمة واشنطن الحالية عاد هذا المفهوم إلى المشهد السياسي والإعلامي باعتباره خلفية استراتيجية للعلاقة.

لكن المفارقة أن الصين والولايات المتحدة، رغم تنافسهما، لا تبدوان مستعدتين لدفع العلاقة إلى نقطة الانفجار.

فالاقتصاد الأمريكي يحتاج إلى الأسواق وسلاسل الإمداد والاستثمارات، بينما تحتاج الصين إلى استمرار الوصول إلى الأسواق العالمية والتكنولوجيا والتجارة المستقرة.

وحتى في ملف المعادن النادرة، الذي أصبح أحد أهم أوراق القوة الصينية في مواجهة الولايات المتحدة، تكشف الوقائع عن مدى تشابك الاقتصادين. فقد أصبحت قيود التصدير الصينية على المعادن النادرة عاملاً مؤثراً في الصناعات الأمريكية والأوروبية واليابانية، ما دفع الغرب إلى البحث عن بدائل، وفي الوقت نفسه جعل استقرار العلاقة مع بكين مصلحة اقتصادية لا يمكن تجاهلها.

لذلك فإن الصراع بين واشنطن وبكين لم يعد مجرد صراع على الرسوم الجمركية.

إنه صراع على من يضع قواعد الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والتجارة في القرن الحادي والعشرين.

لكن المفارقة أن الطرفين لا يستطيعان بسهولة الانفصال الكامل عن بعضهما.

وهذا هو السبب الذي جعل “الهدنة التجارية” أكثر أهمية من مجرد أرقام الرسوم.

ففي سبتمبر اتفق الطرفان على تمديد التهدئة التجارية، وإن كان التمديد قصير الأجل، مع استمرار المفاوضات حول اتفاق أوسع. وهذا يعني أن الصراع لم ينته، لكنه انتقل إلى محاولة إدارة الصراع بدلاً من تفجيره.

الصين لم تعد ملفاً أمريكياً منفرداً

في عام 2017 كان يمكن لواشنطن أن تتعامل مع الصين بدرجة أكبر باعتبارها ملفاً تجارياً واستراتيجياً منفصلاً.

أما اليوم، فإن الصين أصبحت مرتبطة بكل الملفات تقريباً.

في أوكرانيا، تحتاج واشنطن إلى معرفة حدود الدور الصيني وقدرته على التأثير في موسكو.

وفي الشرق الأوسط، تبرز الصين كقوة اقتصادية وسياسية لها مصالح مباشرة في استقرار الطاقة والممرات البحرية.

وفي إيران، تظهر أهمية الدور الصيني في أي محاولة لفتح مسار تفاوضي أو تخفيف التوتر.

وفي الطاقة، فإن اضطراب هرمز لا ينعكس على دول الخليج وحدها، بل على الاقتصاد العالمي، وعلى الصين باعتبارها واحدة من أكبر مستوردي الطاقة.

وفي باب المندب والبحر الأحمر، فإن أمن التجارة العالمية لا يمكن فصله عن المصالح الصينية والأمريكية والأوروبية.

لهذا فإن واشنطن تحتاج إلى بكين ليس لأنها تخلت عن مفهوم المنافسة، وإنما لأن إدارة الأزمات العالمية أصبحت تتطلب مشاركة القوى الكبرى التي تستطيع التأثير فيها.

وهنا يمكن فهم دعوة شي إلى عودة الولايات المتحدة وإيران إلى مسار الحوار والتفاوض، وإشارته خلال لقائه ترامب إلى الأوضاع في الشرق الأوسط وأوكرانيا والملف الكوري.

لكن ذلك لا يعني أن الصين تحولت إلى شريك أمريكي.

بل يعني شيئاً أكثر واقعية: التنافس لا يلغي الحاجة إلى التنسيق.

من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط: البحث عن “إدارة الأزمات”

أحد أهم التحولات في المشهد الدولي أن القوى الكبرى لم تعد قادرة على إدارة كل أزمة منفردة.

فالولايات المتحدة تمتلك القوة العسكرية والمالية والتكنولوجية الأكبر، لكنها تواجه في الوقت نفسه ملفات متعددة تمتد من أوروبا إلى الشرق الأوسط وآسيا.

والصين تمتلك ثقلها الاقتصادي والصناعي والتجاري، لكنها بدورها تحتاج إلى بيئة دولية مستقرة لحماية تجارتها وأسواقها ومصادر الطاقة.

ومن هنا تظهر فكرة جديدة في العلاقات الدولية: التفاهمات الجزئية بدلاً من التسويات الكبرى.

فليس المطلوب بالضرورة أن تتفق واشنطن وبكين على النظام العالمي كله، وإنما أن تتفقا على منع بعض الملفات من الانفجار.

خفض التصعيد هنا.

استقرار التجارة هناك.

تجنب أزمة في تايوان.

فتح قنوات في ملف إيران.

منع توسع الحرب في أوكرانيا.

تأمين الطاقة والممرات البحرية.

والحفاظ على قنوات الحوار في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.

هذه ليست شراكة كاملة، لكنها أيضاً ليست حرباً باردة مكتملة الأركان.

إنها محاولة لصياغة تعايش تنافسي بين قوتين كبيرتين.

ما بعد واشنطن ليس كما قبلها

قد تكون الأهمية الحقيقية لزيارة شي إلى واشنطن أنها تفتح مرحلة جديدة في إدارة العلاقات الصينية–الأمريكية، لا لأنها أنهت الخلافات.

فاللقاء لم يحسم الملفات الأكثر حساسية؛ بقي الذكاء الاصطناعي وتايوان والتجارة والشرق الأوسط وأوكرانيا ملفات خلاف وتفاوض، بينما ركز الطرفان على استمرار الحوار وإدارة التنافس.

وهذا تحديداً ما يجعل الزيارة مهمة.

ففي العلاقات الدولية، أحياناً لا تكون قيمة القمة في الاتفاق الذي توقعه، وإنما في الأزمة التي تمنعها من الوقوع.

وإذا كان عام 2017 قد حمل بداية مرحلة اعتبرت فيها واشنطن صعود الصين تحدياً ينبغي مواجهته وإعادة ضبطه، فإن عام 2026 يكشف أن الصين أصبحت جزءاً من معادلة حل الأزمات التي تريد واشنطن إدارتها.

لقد تغيرت البيئة الدولية.

روسيا لم تعد مجرد ملف أوروبي.

الشرق الأوسط لم يعد ملفاً إقليمياً منفصلاً.

الطاقة أصبحت أداة جيوسياسية.

الممرات البحرية أصبحت جزءاً من الأمن العالمي.

الذكاء الاصطناعي أصبح مجالاً للصراع على القوة.

والمعادن النادرة أصبحت جزءاً من الأمن القومي.

وبالتالي، فإن العلاقات الصينية–الأمريكية أصبحت مرآة للنظام الدولي كله.

من يفرض النظام الجديد؟

السؤال الحقيقي بعد زيارة شي إلى واشنطن ليس: هل انتصرت الصين أم انتصرت أمريكا؟

هذا السؤال ربما لم يعد يصف طبيعة المرحلة.

السؤال الأهم هو: كيف ستتقاسم القوتان مساحة التأثير في نظام دولي لم يعد أحادي القطبية كما كان؟

واشنطن تريد الحفاظ على موقعها القيادي ومصالحها الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية، وبكين تريد تثبيت موقعها كقوة عالمية صاعدة وقادرة على التأثير في الاقتصاد والسياسة والأمن الدوليين.

وبين الهدفين توجد مساحة واسعة من المصالح المشتركة.

لذلك فإن المرحلة المقبلة قد لا تكون مرحلة نهاية المنافسة، بل مرحلة إعادة تعريف قواعد المنافسة.

الصين لا تريد حرباً مع الولايات المتحدة، والولايات المتحدة لا تريد بالضرورة حرباً مع الصين؛ لكن كل طرف يريد أن يضمن أن صعود الآخر لا يتحول إلى تهديد لمصالحه الأساسية.

وهنا تظهر أهمية الجمعية العامة للأمم المتحدة في هذه اللحظة تحديداً.

فزيارة شي إلى واشنطن تأتي في ذروة موسم دبلوماسي عالمي، وفي وقت تبحث فيه الدول عن ترتيبات جديدة بعد سنوات من الحروب والأزمات الاقتصادية والطاقة واضطراب النظام الدولي.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى القمة الأمريكية–الصينية باعتبارها جزءاً من افتتاح موسم دبلوماسي جديد: موسم لن يكون فيه ممكناً لأي قوة كبرى أن تدير العالم وحدها، ولن يكون فيه ممكناً أيضاً لأي قوة صاعدة أن تفرض واقعاً جديداً من دون تفاهمات مع القوى الأخرى.

لقد كان ترامب في بكين عام 2017 يتعامل مع الصين بوصفها منافساً ينبغي إعادة ضبط العلاقة معه.

أما ترامب في واشنطن عام 2026 فيتعامل مع الصين باعتبارها منافساً، ولكن أيضاً باعتبارها طرفاً لا يمكن تجاهله في ملفات الاقتصاد والطاقة والشرق الأوسط وأوكرانيا والاستقرار الدولي.

وهذا هو التحول الأهم.

من “مواجهة الصين” إلى “إدارة العلاقة مع الصين”.

ومن “من يربح؟” إلى “كيف يمنع الطرفان الخسارة الكبرى؟”

وقد لا تكون زيارة شي إلى واشنطن قد أنهت المنافسة الصينية–الأمريكية، لكنها كشفت بوضوح أن العالم دخل مرحلة مختلفة: مرحلة لا تكفي فيها القوة لفرض الإرادة، ولا تكفي فيها المنافسة لصناعة النظام.

إن العالم الذي يتشكل اليوم يحتاج إلى توازن جديد بين المنافسة والتعاون، القوة والتفاوض، المصالح الوطنية والمسؤولية الدولية.

ومن هنا، فإن زيارة شي إلى واشنطن قد لا تكون نقطة نهاية في مسار العلاقات الصينية–الأمريكية، لكنها يمكن أن تكون نقطة بداية لمرحلة جديدة: مرحلة تدرك فيها واشنطن أن احتواء الصين وحده ليس كافياً، وتدرك فيها بكين أن صعودها العالمي يحتاج إلى إدارة مستقرة لعلاقتها مع واشنطن.

وفي هذا التوازن المتوتر، ستتحدد ملامح النظام الدولي القادم.