في وقت تحاول فيه سوريا تجاوز سنوات الحرب واستعادة الاستقرار، يبرز ملف التعاون الأمني مع الولايات المتحدة بوصفه أحد العوامل المهمة في مواجهة التحديات التي لا تزال تهدد البلاد، وفي مقدمتها نشاط خلايا تنظيم داعش وتكرار الحوادث التي طالت منشآت الطاقة.
ومع إعلان واشنطن انتهاء مهمة عملية «العزم الصلب» في العراق، واستمرارها في سوريا، تتجه الأنظار إلى طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كان التعاون الأمريكي السوري سيسهم في تعزيز قدرات المؤسسات الأمنية، خصوصاً مع الحاجة المتزايدة إلى حماية المنشآت الحيوية ومنع عودة التنظيم.
استمرار المهمة رغم التغيير العسكري
في 30 سبتمبر/أيلول 2026، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية انتهاء مهمة عملية «العزم الصلب» في العراق، بعد مغادرة القوات والمعدات الأمريكية قاعدة أربيل، ونقل مقر قيادة قوة المهام المشتركة إلى الأردن.
لكن هذا التطور لم يشمل إنهاء المهمة في سوريا. فقد أكدت القيادة المركزية استمرار مكافحة داعش بالتعاون مع الحكومة السورية وشركاء التحالف الدولي، ضمن جهود منع التنظيم من استعادة نشاطه.
ويعكس القرار تحولاً في هيكل القيادة والانتشار العسكري الأمريكي بالمنطقة، دون أن يعني توقف العمليات المرتبطة بمكافحة الإرهاب داخل سوريا.
غير أن استمرار المهمة لا يعني بالضرورة التزام واشنطن بإبقاء عدد محدد من قواتها أو تقديم مساعدات عسكرية جديدة، وهي مسائل تحتاج إلى إعلانات واضحة لتحديد طبيعة التعاون في المرحلة المقبلة.
تعهدات دولية لمكافحة داعش ودعم الاستقرار
وفي الأول من أكتوبر/تشرين الأول، استضافت روما اجتماعاً للتحالف الدولي ضد داعش، برئاسة مشتركة بين الولايات المتحدة وإيطاليا، ناقش سبل تعزيز قدرات العراق وسوريا على مواجهة التنظيم ودعم الاستقرار.
وبحسب البيان الأمريكي الإيطالي المشترك، أعلن المشاركون تعهدات مالية تتجاوز 75 مليون دولار، لدعم احتياجات مكافحة الإرهاب في سوريا، وتعزيز قدرات الاحتجاز، واستمرار الخدمات الصحية والصرف الصحي، ومساندة النازحين والمحتجزين في سوريا والعراق.
وتكتسب هذه التعهدات أهمية في ظل التحديات التي تواجه المؤسسات السورية، لكنها لا تعني أن الأموال صُرفت بالفعل، أو أنها خُصصت بالكامل للحكومة السورية أو لمؤسساتها العسكرية.
كما أن تطوير التعاون الأمني قد يفتح المجال أمام تبادل المعلومات والتدريب والدعم الفني والتنسيق العملياتي، إلا أن الإعلان عن استمرار المهمة لا يكفي وحده لإثبات تنفيذ برامج جديدة في هذه المجالات.
منشآت الطاقة تحت الضغط
بالتزامن مع هذه التطورات، شهدت سوريا خلال الأسابيع الماضية حوادث متكررة طالت خطوط الغاز والمشتقات النفطية، ما أعاد تسليط الضوء على هشاشة البنية التحتية للطاقة.
ففي 28 سبتمبر/أيلول، تعرض خط الغاز الواصل بين الشولا ودير الزور للتخريب، ما تسبب بتوقف تدفق الغاز من معمل الجبسة إلى محطات توليد الكهرباء. وأعلنت الشركة السورية للبترول لاحقاً إصلاح الجزء المتضرر وإعادة الخط إلى الخدمة في الثاني من أكتوبر.
وفي 30 سبتمبر، أدى انفجار على خط الغاز قرب محطة تشرين الحرارية إلى خروج محطات تشرين ودير علي والناصرية عن الخدمة مؤقتاً، وسط تحذيرات من زيادة ساعات تقنين الكهرباء نتيجة انخفاض القدرة على التوليد.
ولم يكن سبب الانفجار محدداً عند الإعلان الرسمي الأول، ما يجعل من غير الدقيق اعتباره هجوماً إرهابياً قبل صدور نتائج تحقيق تثبت ذلك.
وفي 15 أكتوبر، أعلنت الشركة السورية للبترول تعرض خط تصدير غاز الجبسة في ريف الحسكة لانفجار تسبب باندلاع حريق، فيما تضرر خط لنقل المشتقات النفطية بين بانياس وحمص في حادث منفصل وصفته الشركة بأنه تخريب بهدف سرقة الوقود.
وتكشف هذه الحوادث أن أمن الطاقة يرتبط مباشرة بالاستقرار الاقتصادي والخدمي، فتعطل إمدادات الغاز والكهرباء لا يؤثر في حياة السكان فحسب، بل يزيد أيضاً من صعوبة إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية وجذب الاستثمارات.
عمليات ضد داعش دون صلة مثبتة بحوادث الطاقة
على الصعيد الأمني، أعلنت السلطات السورية خلال أكتوبر تفكيك خلية مرتبطة بداعش في منطقة الحولة بريف حمص، وإحباط مخطط لاستهداف دورية للشرطة في ريف دمشق، في عمليات قالت إنها أسفرت عن توقيف مشتبه بهم وضبط مواد متفجرة.
وتؤكد هذه الإعلانات استمرار المخاوف من نشاط خلايا التنظيم، لكنها لا تقدم دليلاً على مسؤوليته عن الحوادث التي طالت منشآت الطاقة.
ويظل الفصل بين العمليات المنسوبة رسمياً إلى داعش والتفجيرات مجهولة المسؤولية ضرورياً لتقييم التهديدات الأمنية، وتجنب تحميل التنظيم مسؤولية حوادث لم تُحسم نتائج التحقيق فيها.
ما الذي يهم الكونغرس الأمريكي؟
بالنسبة إلى واشنطن، يرتبط استمرار المهمة في سوريا بمنع عودة داعش وحماية القوات والشركاء والحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
أما الكونغرس الأمريكي، فتبرز أمامه أسئلة تتعلق بفاعلية التعاون الأمني، وحجم الدعم المقدم فعلياً، والجهات المستفيدة منه، وآليات الرقابة على الأموال والتعهدات الدولية.
ومن شأن متابعة نتائج العمليات الأمنية، ومستوى التنسيق مع المؤسسات السورية، وقدرتها على حماية المدنيين والمنشآت الحيوية، أن توفر مؤشرات أكثر وضوحاً على نجاح هذه السياسة.
وفي المحصلة، لا تبدو مكافحة داعش منفصلة عن جهود استقرار سوريا وإعادة إعمارها. فاستمرار المهمة الأمريكية قد يوفر فرصة لتعزيز التعاون وبناء القدرات، لكن نجاحه سيبقى مرتبطاً بما يتحقق على الأرض، وبقدرة المؤسسات السورية على مواجهة التهديدات وحماية البنية التحتية، بعيداً عن الاكتفاء بالتصريحات والتعهدات.
إعداد: رنا حوا | واشنطن – شبكة سوريا مورس الإخبارية