بعد سنوات من العزلة المالية، بدأت سوريا تختبر فرص العودة إلى التعامل مع المصارف الدولية. فالقرارات الأمريكية التي خففت العقوبات فتحت الباب قانونياً، لكن فتح الباب لا يعني أن البنوك ستعبره فوراً. وبين لقاء الرئيس أحمد الشرع بالرئيس دونالد ترامب في نيويورك، واجتماع مصرفي شاركت الخزانة الأمريكية في استضافته، ثم تنفيذ اعتماد مستندي لاستيراد الوقود، ظهرت مؤشرات على تغير حقيقي، وإن ظل محدوداً.
لقاء سياسي سبقته قرارات العقوبات
شارك الشرع في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2026، والتقى ترامب في 22 سبتمبر ضمن اجتماع متعدد الأطراف ضم قادة من المنطقة. وكان اللقاء إشارة إلى تحسن العلاقات السياسية، لا قمة اقتصادية ثنائية ولا إعلاناً عن اتفاق مصرفي جديد. والأهم أن تخفيف العقوبات لم يبدأ من ذلك اللقاء؛ فقد وقّعت الإدارة الأمريكية في 30 يونيو 2025 قرار إنهاء برنامج العقوبات الشاملة، ودخل حيز التنفيذ في الأول من يوليو، ثم أُلغي قانون قيصر في 18 ديسمبر 2025، وأُزيل تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب في 24 أغسطس 2026.
وبحسب مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي، لم تعد المعاملات مع المؤسسات المالية السورية محظورة بصورة عامة، ما دامت لا تشمل أطرافاً مدرجة على قوائم العقوبات. غير أن القيود المستهدفة بقيت قائمة بحق شخصيات مرتبطة بالنظام السابق وجهات متورطة في الإرهاب والمخدرات وانتهاكات حقوق الإنسان. وهنا يظهر الفارق بين رفع الحظر العام وانتهاء كل المخاطر القانونية.
الخزانة تبحث متطلبات العودة
في الأول من أكتوبر، اجتمع مساعد وزير الخزانة الأمريكية جوناثان بيرك مع وزير المالية السوري محمد يسر برنية وحاكم المصرف المركزي صفوت رسلان، بمشاركة مؤسسات مالية أمريكية ومقدمي خدمات دفع، فيما شارك المبعوث توماس باراك افتراضياً. وقالت الخزانة إن النقاش تناول ثغرات في أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والإجراءات التي تعمل دمشق على اتخاذها لمعالجتها.
هذا النوع من الاجتماعات مهم لأنه يضع المصارف أمام صورة أوضح عن المخاطر، لكنه لا يلزم أي بنك بفتح حساب أو إعادة علاقة مراسلة. فالمصرف الذي ينفذ تحويلات دولية يحتاج إلى التأكد من هوية الأطراف ومصدر الأموال وسلامة إجراءات الرقابة. لذلك يبقى إصلاح الأنظمة المصرفية شرطاً عملياً، وليس مجرد مطلب سياسي.
اعتماد مستندي واحد.. ماذا يثبت؟
في 11 أكتوبر، أعلن المصرف المركزي السوري إصدار اعتماد مستندي عبر مؤسسة مالية أمريكية لدعم استيراد مشتقات نفطية من أرامكو السعودية. وبعد تسعة أيام، نقلت رويترز عن مسؤول في الشركة السورية للبترول أن جيه بي مورغان تولى تأكيد الاعتماد وضمان تنفيذه، وأن الشركة تسلمت 65 ألف طن متري من الديزل. ولم يقدم البنك تعليقاً للوكالة على العملية.
الاعتماد المستندي أداة تتيح تسوية صفقة تجارية بضمانات مصرفية، ما يخفف المخاطر بين البائع والمشتري. وبالنسبة لسوريا، يمكن أن يسهل تأمين الوقود والواردات الضرورية. لكن هذه الصفقة لا تثبت عودة شبكة واسعة من المصارف المراسلة، ولا تعني تدفق استثمارات جديدة بالمليارات. إنها معاملة محددة، يمكن البناء عليها إذا تكررت في قطاعات أخرى.
الكونغرس يراقب ما بعد الانفتاح
الملف لا يتوقف عند المال. فقد ناقشت السيناتورة جين شاهين مع الشرع في 21 سبتمبر مكافحة تنظيم داعش، وحماية المكونات الدينية والعرقية، والتفاهمات مع قوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب فرص الاستثمار. كما يلزم القسم 8369 من قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2026 الإدارة الأمريكية بتقديم تقارير دورية إلى الكونغرس بشأن أداء الحكومة السورية في ملفات مكافحة الإرهاب، وحماية حقوق الأقليات، والتفاهمات مع قوات سوريا الديمقراطية، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وقضايا أمنية ومؤسسية أخرى.
ومن هنا، لا يكفي الإعلان عن إصلاحات أو توقيع تفاهمات. المؤشرات الأهم هي عدد العلاقات المصرفية التي تستأنف فعلياً، وحجم التحويلات المنفذة، وتطور إجراءات الامتثال، والاستثمارات التي تدخل مرحلة التنفيذ، إلى جانب نتائج ملموسة في الملفات الأمنية وحقوق الأقليات.
اختبار الثقة
قدّر البنك الدولي تكلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وهو تقدير لحجم الاحتياجات لا تعهد استثماري. وبين هذا الرقم الكبير والخطوات المصرفية الأولى، تبدو المسافة طويلة. فقد أزالت واشنطن عوائق أساسية، وبدأت دمشق اختبار قنوات دفع جديدة، لكن الثقة لا تُستعاد بقرار واحد. ويشير هذا المسار أيضاً إلى فرق مهم بين القدرة على تمويل واردات محددة وبين تمويل مشروعات طويلة الأجل. فالمستثمر يحتاج إلى قنوات لتحويل الأموال وتسوية المدفوعات، وإلى قواعد واضحة يمكن الاعتماد عليها، بينما تحتاج الجهات الرقابية إلى بيانات تثبت أن المعاملات لا تمر عبر أطراف محظورة. لذلك ستظل النتائج الفعلية، لا التصريحات وحدها، المقياس الذي يمكن من خلاله الحكم على جدوى الانفتاح. ما سيحدد مسار المرحلة المقبلة هو قدرة المؤسسات السورية على تحويل الانفتاح السياسي إلى معاملات منتظمة وإصلاحات يمكن التحقق منها.
إعداد: رنا حوا | واشنطن – شبكة سوريا مورس الإخبارية