تُعد العودة التدريجية للعائلات المسيحية إلى قرى في ريف إدلب واللاذقية مؤشراً محلياً إيجابياً على تحسن نسبي وتعافٍ مجتمعي. ومع ذلك، تبقى هذه العودة هشّة وتعتمد على الأمن، واسترداد الممتلكات، وترميم المنازل والكنائس، وتوفير الخدمات الأساسية، واستمرار الحماية المحلية.
شهدت القرى المسيحية في ريف إدلب عودة تدريجية لبعض العائلات منذ أواخر عام 2025 بعد سنوات من النزوح. وتُعد هذه العودة مؤشراً محلياً على تحسن نسبي في الظروف الأمنية وإمكانية الوصول إلى الممتلكات، لكنها لا تزال مرتبطة بتحديات كبيرة، من بينها تضرر المنازل والكنائس، وضعف الخدمات، والحاجة إلى استمرار الحماية المحلية.
بالنسبة للكونجرس، ترتبط هذه المسألة بعودة المجتمعات النازحة، وحماية الأقليات الدينية، واسترداد الممتلكات، والاستقرار المحلي، وقدرة المؤسسات السورية على دعم عودة آمنة ومستدامة.
العودة إلى الغسانية
في نوفمبر 2025، شهدت قرية الغسانية في ريف إدلب عودة عائلات مسيحية بعد أكثر من عقد من الغياب القسري. وجرت العودة في إطار ديني ومجتمعي علني، حيث شدد رجال دين وممثلون عن المجتمعات المسيحية على التسامح والتعايش وإعادة بناء الحياة المشتركة بعد سنوات من الحرب.
وجّه الأب فرانشيسكو إيلبو، حارس الأراضي المقدسة، رسالة إلى أهالي القرية شدد فيها على التسامح بوصفه أساساً للتعايش الدائم والسلام. كما لعب رجال دين فرنسيسكان، من بينهم المطران حنا جلوف، النائب الرسولي ورئيس الطائفة اللاتينية في سوريا، دوراً واضحاً في مرافقة عملية العودة.
وقال سكان محليون لـ SMNN إن الأوضاع في الغسانية والقرى المسيحية القريبة، بما في ذلك القنية واليعقوبية والجديدة، تحسنت نسبياً، وإن العائلات العائدة لم تبلغ عن مضايقات مباشرة. وأضافوا أن السلطات الحكومية أعادت أراضي ومنازل كانت تحت سيطرة عائلات وقوات تركستانية منذ عام 2013، رغم النهب والسرقة وأضرار الحرب والقصف والأضرار المرتبطة بزلزال عام 2023.
الأرقام المحلية وأوضاع الممتلكات
قال عبد الله إبراهيم، الذي عاد إلى دوره السابق مختاراً للغسانية بعد نزوحه إلى حلب، لـ SMNN إن عدد سكان القرية كان نحو 4,500 نسمة قبل عام 2012، وكانت تمتد على مساحة تقارب 3,000 هكتار. وأشار إلى وجود مسيحي في حلّوز والقنية واليعقوبية والجديدة وجسر الشغور، حيث كانت هناك عائلات مسيحية وكنيستان تابعتان للطائفتين اللاتينية والروم الأرثوذكس.
بحسب إبراهيم، تضم الغسانية أربع كنائس تعود إلى الطوائف اللاتينية، والروم الأرثوذكس، والسريان الكاثوليك، والإنجيلية المشيخية. وخلال الحرب، بقيت ست عائلات فقط لفترة محدودة قبل أن تغادر إلى اللاذقية بعد مقتل الأب فرانسوا مراد، وهو كاهن سوري سرياني كاثوليكي قُتل في يونيو 2013 في منطقة الغسانية / جسر الشغور، في ظروف ذكرتها مصادر كنسية على أنها تضمنت هجوماً من جماعة مسلحة على دير.
قال إبراهيم إنه بعد سقوط نظام الأسد في نهاية عام 2024، بدأت عائلات مسيحية بزيارات قصيرة إلى منازلها في الغسانية، من دون عودة دائمة، لأن عائلات تركستانية كانت لا تزال موجودة في بعض المنازل. وأضاف أن إخلاء القرية وعودة السكان لم يكن ليحدثا لولا ما وصفه بـ “قرار سياسي حكومي حازم” في نوفمبر 2025، إلى جانب جهود استثنائية بذلها رجال الدين الفرنسيسكان وقادة دينيون محليون.
وقال إن نحو 30 عائلة، أي ما يقارب 75 شخصاً، يعيشون الآن في الغسانية. وفي حلّوز، لم تعد العائلات المسيحية بعد بشكل دائم لأن نقل العائلات التركستانية تأخر حتى مايو 2026. ويتواجد حالياً أربعة شبان هناك، مع توقعات بعودة مزيد من العائلات إذا تحسنت الظروف.
وفيما يتعلق بالأضرار، قال إبراهيم إن الغسانية تضم نحو 700 منزل، من بينها 54 منزلاً مدمراً بالكامل ونحو 400 منزل متضرر جزئياً. كما تحتاج المنازل المتبقية إلى إعادة تأهيل لأنها تعرضت للنهب أو سُلبت محتوياتها.
القنية واليعقوبية والجديدة
يختلف الوضع في القرى المسيحية المجاورة. قال إبراهيم إنه خلال الحرب بقيت نحو 20 عائلة مسنة في كل من اليعقوبية والجديدة والقنية. واليوم، يقدّر أن كل قرية تضم نحو 50 عائلة، بما في ذلك أفراد أصغر سناً.
وقال إن حلّوز كان فيها نحو 1,800 نسمة قبل الحرب، والقنية نحو 4,000، واليعقوبية نحو 3,000، والجديدة نحو 2,500. وقد بدأت بعض المنظمات الدولية بتقديم دعم محدود لترميم المنازل المتضررة جزئياً وتوفير تجهيزات منزلية أساسية.
وقال الأب خوكاز مسروب، رئيس الدير اللاتيني في القنية، لـ SMNN إن العائلات عادت تدريجياً إلى اليعقوبية والجديدة والقنية، مع وصول العدد التقريبي للعائلات العائدة في تلك المناطق إلى نحو 700 عائلة. وأضاف أن في القنية كنيسة لاتينية واحدة، وفي اليعقوبية كنيستين، إحداهما لاتينية والأخرى أرمنية أرثوذكسية، وفي الجديدة كنيسة للروم الأرثوذكس.
وأضاف أن الكنائس في هذه المناطق تعرضت لدمار ونهب واسعين. وكانت كنائس الغسانية من بين الأكثر تضرراً، بما في ذلك إزالة الصلبان وأضرار القصف. كما تعرضت الكنيسة الإنجيلية المشيخية لدمار جزئي، بينما دُمرت كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس بالكامل.
الخدمات والأمن وإعادة بناء المجتمع
رغم مؤشرات العودة، لا تزال عقبات كبيرة قائمة. قال إبراهيم إن بعض السكان لا يشعرون بعد بأمان كامل، وإن ممارسة الشعائر الدينية لا تزال محدودة لأن الكنائس دُمرت أو تحتاج إلى إعادة تأهيل. كما تبقى المياه والكهرباء والطرق وشبكات الصرف الصحي وإعادة تأهيل المساكن من العوائق الرئيسية.
جمعت لجنة محلية لإعادة الإعمار تضم 12 من سكان الغسانية نحو 35,000 دولار من التبرعات. وبدأت المبادرة العمل على شبكات مياه الشرب، وإنارة الشوارع، والطاقة الشمسية لـ 15 عائلة، وكاميرات المراقبة، مع التنسيق مع منظمات بشأن الطرق والصرف الصحي والمياه والكهرباء والأرصفة.
وقال إبراهيم أيضاً إن هناك تعاوناً وثيقاً مع مدير منطقة جسر الشغور للحفاظ على الأمن المحلي. ووصف السكان هذا التنسيق بأنه مهم لتشجيع عائلات إضافية على التفكير في العودة، رغم أن استمرار الحماية والخدمات والإصلاحات يبقى ضرورياً.
مؤشرات إيجابية وحوادث تستدعي المتابعة
تزامنت العودة إلى ريف إدلب مع مؤشرات أخرى على تجدد النشاط المؤسسي المسيحي. ففي حلب، استعادت الكنيسة اللاتينية مدرسة الرام، التي كانت مصادرة منذ ستينيات القرن الماضي، بينما بدأت الحياة التعليمية تعود تدريجياً إلى القنية.
في الوقت نفسه، لا تزال حوادث طائفية مقلقة تتطلب المتابعة، من بينها تخريب جزئي لتمثال السيدة العذراء في كنيسة القديس كيرلس بحي القصاع في دمشق، وعبارات تهديد وُجدت على جدران مزار مار إلياس في معرة صيدنايا. ولا تلغي هذه الحوادث مؤشرات العودة في إدلب واللاذقية، لكنها تؤكد الحاجة إلى مراقبة حماية المواقع الدينية والمساءلة عن أعمال الترهيب أو التخريب.
اللاذقية: العودة إلى الأرض قبل الاستقرار الكامل
في محافظة اللاذقية، توجد عائلات مسيحية في مناطق شمالية غربية تشمل كنسبّا وغنيمة وقسّاب، مع وجود محدود في مركز المدينة. وقال جورج جبور، وهو من سكان كنسبّا في منطقة الحفة، لـ SMNN إن عائلات مسيحية من المنطقة تمكنت في أوائل يونيو 2026 من زيارة أراضيها وحقولها وتفقدها بعد سنوات من النزوح.
وقال جبور إن السكان كانوا يعتمدون قبل الحرب على الزراعة، ولا سيما زراعة التفاح، وإن المنطقة شهدت اشتباكات عنيفة ودماراً واسعاً بعد عام 2011. وأضاف أن كنسبّا كان فيها نحو 150 عائلة في عام 2011، وكانت منذ زمن طويل مكاناً للتعايش بين المجتمعات.
ومع ذلك، لم تعد معظم العائلات المسيحية بعد من أجل الاستقرار الكامل لأن كثيراً من المنازل دُمرت بالكامل وتحتاج إلى إعادة بناء. وتضم المنطقة كنيسة واحدة تابعة لأبرشية الروم الأرثوذكس في اللاذقية وتوابعها.
لماذا يهم هذا الكونجرس؟
تُعد عودة العائلات المسيحية إلى قرى في ريف إدلب واللاذقية مؤشراً محلياً إيجابياً على تحسن نسبي وعلى رغبة السكان في العودة إلى أراضيهم وكنائسهم ومجتمعاتهم. كما تُظهر أن العودة لا تزال هشّة وتعتمد على الأمن، واسترداد الممتلكات، وترميم المنازل والكنائس، والوصول إلى الخدمات، والتعاون بين السكان والسلطات المحلية والمنظمات الإنسانية.
بالنسبة لمراجعة أعضاء الكونجرس، تتمثل الأسئلة الرئيسية في ما إذا كانت العودة ستستمر في الغسانية والقنية واليعقوبية والجديدة وحلّوز وكنسبّا؛ وما إذا كان استرداد الممتلكات سيتوسع؛ وما إذا كانت الكنائس والمنازل ستُعاد تأهيلها بما يسمح بعودة دائمة؛ وما إذا كانت السلطات المحلية قادرة على منع الحوادث الطائفية من تقويض ثقة المجتمع.
لا تتعلق هذه المسألة بعودة مجتمع ديني واحد فقط. إنها تتعلق أيضاً بقدرة سوريا على حماية التنوع الديني، وإدارة عودة النازحين، ودعم التعافي المحلي، وتحويل مؤشرات التعافي المحدودة على مستوى الميدان إلى مسار أوسع ومستدام.
بقلم أنطونيو بسماجي
مراسل SMNN — حلب، سوريا