“`html
برزت سوريا خلال الأشهر الأخيرة كممر محتمل يمنح العراق منفذاً برياً إضافياً إلى البحر المتوسط في وقت تسعى فيه بغداد والأسواق إلى تقليل مخاطر الاعتماد على مضيق هرمز. وبينما بدأت شحنات من زيت الوقود العراقي بالفعل بالعبور إلى ميناء بانياس بواسطة الشاحنات، لا تزال مشاريع خطوط الأنابيب الأكبر في مراحل إعادة التأهيل والدراسة والتخطيط. وتكمن الأهمية الاستراتيجية للمسار السوري في إمكانية مساهمته مستقبلاً في تنويع طرق تصدير الطاقة، إلا أن حجمه الفعلي سيظل مرتبطاً بالتمويل والأمن والجدوى التجارية وتنفيذ البنية التحتية المخطط لها.
برزت سوريا خلال الأشهر الأخيرة في نقاش أمن الطاقة الإقليمي كممر محتمل يتيح للعراق منفذاً برياً إلى البحر المتوسط، في وقت تبحث فيه الأسواق عن مسارات إضافية لتقليل مخاطر الاعتماد على مضيق هرمز. لكن التطور لا يعني أن سوريا أصبحت بديلاً لمضيق هرمز، فالمتاح اليوم هو ممر بري محدود يعتمد على الشاحنات، بينما لا تزال مشاريع خطوط الأنابيب في مراحل الاتفاق وإعادة التأهيل والدراسة.
ففي 3 سبتمبر/أيلول، شارك الرئيس دونالد ترامب تقريراً لصحيفة واشنطن بوست في 2 سبتمبر/أيلول تناول مساعي سوريا للاضطلاع بدور في توفير مسارات بديلة لمضيق هرمز، وعلق على التقرير بعبارة: “هذا رائع”. وأعاد المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا والعراق، توماس باراك، نشر المنشور وكتب: “شكراً سوريا”.
الموقفان يضيفان وزناً سياسياً أمريكياً إلى مسار كانت واشنطن قد دعمت ملامحه بالفعل في يوليو/تموز. ففي 17 يوليو، رحبت واشنطن باتفاق عراقي – سوري لإعادة تأهيل خط نفطي يربط العراق بالساحل السوري، في إطار مساع لإعادة فتح مسار تصدير نحو البحر المتوسط، وأُعلن عن سعة أولية مستهدفة تصل إلى مليوني برميل يومياً بعد إعادة التأهيل، وفقاً لما أعلنته وزارة الخارجية الأمريكية.
مشاريع متعددة وليست خطاً واحداً
وتتطلب مشاريع الربط المقترحة تمييزاً بين أكثر من مسار. فمذكرة التفاهم العراقية-السورية المعلنة في يوليو/تموز تتعلق بمشروع إعادة تأهيل خط حديثة – بانياس، بينما يشير النقاش الأوسع إلى إحياء مسار كركوك–بانياس التاريخي. كما تطرح بغداد شبكة مستقبلية تبدأ من البصرة إلى حديثة وتتفرع منها مسارات باتجاه سوريا وتركيا. ولا ينبغي التعامل مع هذه المشاريع المختلفة باعتبارها خطاً واحداً أو باعتبار طاقاتها المخططة طاقة تشغيلية حالية. وتشير وكالة الأنباء العراقية إلى دور Chevron في الاتفاق الخاص بإعادة تأهيل خط حديثة – بانياس.
وفي التغطيات الأمريكية والدولية يوصف المسار الأوسع أيضاً بأنه إحياء لخط كركوك-بانياس التاريخي، الذي ظل خارج الخدمة بدرجات كبيرة منذ أضرار لحقت به بعد 2003، أما مشروع البصرة-حديثة فهو مسار مختلف قيد التخطيط، ويمكن أن يشكل في مرحلة لاحقة وصلة تغذي فروعاً باتجاه بانياس أو تركيا، بحسب ما أكدته وكالة رويترز.
وفي بداية سبتمبر/أيلول، بدأت بغداد بالفعل إعداد دراسات جدوى وتقديرات تكلفة ومسارات لشبكة مقترحة بطاقة إجمالية تبلغ مليوني برميل يومياً من البصرة إلى حديثة، على أن يتفرع منها خط بطاقة مليون برميل يومياً باتجاه بانياس السورية وآخر بطاقة مماثلة باتجاه فيشخابور وتركيا. وهذه أرقام مخططة وليست طاقة تشغيلية قائمة، بحسب ما أكدته وكالة الأنباء العراقية.
ما الذي يعمل فعلياً اليوم؟
أما ما يعمل فعلياً الآن، حيث بدأ العراق خلال ربيع 2026 بنقل شحنات من زيت الوقود بالشاحنات عبر الأراضي السورية إلى ميناء بانياس، وفق تقارير إعلامية وبيانات نقلتها مصادر متخصصة في أسواق الطاقة، حيث يخزن ثم يحمل على ناقلات بحرية إلى الأسواق الخارجية. ونقلت وكالة رويترز أن العراق بدأ استخدام الطريق بعد اضطراب صادراته عبر الخليج.
وفي يونيو/حزيران، أفادت نشرة المسح الاقتصادي للشرق الأوسط MEES، استناداً إلى بيانات Kpler، بأن تدفقات زيت الوقود العراقي عبر هذا المسار سجلت متوسطاً يقارب 140 ألف برميل يومياً حتى تاريخ التقرير.
وأشار تقرير للمفتش العام الأمريكي إلى أن شركة تسويق النفط العراقية الحكومية SOMO أبرمت اتفاقات مع أربعة متعاملين لنقل نحو 650 ألف طن متري من زيت الوقود شهرياً إلى سوريا بواسطة الصهاريج، وأن أولى القوافل دخلت الأراضي السورية في 31 مارس/آذار.
هذا الممر يثبت أن الجغرافيا السورية قابلة للاستخدام، لكنه يكشف أيضاً حدودها. ومن الناحية التشغيلية، يظل النقل بالشاحنات مختلفاً جذرياً عن خط أنابيب واسع السعة، فالشاحنات تتطلب عدداً كبيراً من الرحلات والمعابر ومرافق التحميل والتفريغ، بينما يمكن للخطوط المستمرة نقل كميات أكبر بصورة أكثر انتظاماً بعد اكتمالها.
لماذا تزداد أهمية البدائل عن هرمز؟
وتفسر أزمة هرمز أهمية البحث عن هذه البدائل. فقد أظهرت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن إجمالي تدفقات النفط الخام والمكثفات والمنتجات النفطية عبر المضيق بلغت في المتوسط 21.6 مليون برميل يومياً في الربع الأخير من 2025، قبل أن تهبط إلى 4.9 مليون برميل يومياً في الربع الثاني من 2026 خلال الاضطرابات.
من هنا تأتي قيمة ميناء بانياس في الساحل السوري فهو يمكن أن يمنح صادرات النفط العراقية مساراً برياً إلى بانياس السورية على المتوسط، بعيداً عن الخليج وهرمز، وإذا توسع هذا المسار إلى نشاط تجاري مستدام، فقد يدعم نشاط الموانئ والتخزين والنقل والخدمات اللوجستية، ويخلق طلباً على إعادة تأهيل البنية التحتية السورية. لكن تحويل هذه الإمكانات إلى عائدات مستدامة لسوريا يظل مشروطاً بوجود إطار قانوني واضح، وتمويل قابل للاستمرار، وتأمين للممرات والمنشآت، واستقرار سياسي وأمني طويل الأمد.
البعد الأمريكي
وبالنسبة إلى واشنطن، لا تكمن الفكرة في إلغاء أهمية هرمز، بل في تقليل الاعتماد على نقطة اختناق واحدة. وكان باراك قد تحدث في يوليو/تموز عن إمكان أن تسهم مشاريع خطوط الأنابيب في تقليل الاعتماد على مضيق هرمز، كما أن مشاركة شركة Chevron في اتفاقات الطاقة العراقية، إلى جانب شركات أمريكية أخرى، تمنح مشاركة شركات أمريكية في مشاريع الطاقة العراقية للمبادرة بعداً استثمارياً إلى جانب بعدها الجيوسياسي، لكن القرارات الاستثمارية النهائية تظل مرتبطة بالجدوى والتمويل والأمن.
الأهمية لصانعي السياسات
لا تمثل سوريا حالياً بديلاً كاملاً لمضيق هرمز، إلا أن الممر البري القائم ومشاريع خطوط الأنابيب المقترحة يمكن أن تصبح جزءاً من شبكة أوسع لتنويع مسارات تصدير الطاقة العراقية وتقليل الاعتماد على نقطة اختناق بحرية واحدة.
وبالنسبة إلى المراجعة أمام الكونغرس، ستتمثل المؤشرات الرئيسية في مدى التقدم الفعلي في إعادة تأهيل خطوط الأنابيب، وتوفير التمويل، وتأمين الممرات والمنشآت، وانتقال المشاريع من مذكرات التفاهم والدراسات إلى التنفيذ، إضافة إلى حجم النفط الذي يمكن نقله بصورة آمنة ومستدامة عبر سوريا إلى البحر المتوسط.
لذلك، فإن المؤشر الحقيقي خلال السنوات المقبلة لن يكون عدد التصريحات السياسية، بل عدد الكيلومترات التي يعاد تأهيلها، والتمويل الذي يؤمن، والمنشآت التي تبنى، وحجم النفط الذي يمكن نقله بصورة آمنة ومستدامة. فسوريا حالياً ليست بديلاً كاملاً عن مضيق هرمز، لكنها قد تصبح إحدى حلقات شبكة أوسع من البدائل التي تمنح العراق والأسواق الدولية مرونة أكبر أمام اضطرابات الممرات البحرية.
“`