عاد أكثر من ثلاثة ملايين سوري من الخارج أو من مناطق النزوح الداخلي منذ ديسمبر 2024. ويمثل حجم العودة فرصة للتعافي، إلا أن استدامتها ستعتمد على السكن والخدمات الأساسية والتعليم والرعاية الصحية وسبل العيش والتمويل الدولي، في وقت أفادت فيه مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين بأن الاستجابة لسوريا لعام 2026 لم تكن ممولة سوى بنحو 32 بالمئة حتى 31 يوليو.
أصبحت عودة السوريين النازحين واحدة من أبرز التطورات الإنسانية في البلاد. فمنذ ديسمبر 2024، عاد أكثر من ثلاثة ملايين سوري، سواء من الخارج أو من مناطق النزوح الداخلي، في مؤشر على رغبة متزايدة في إعادة بناء حياتهم داخل البلاد. إلا أن هذه العودة تجري في ظل تحديات كبيرة تتعلق بالسكن والخدمات الأساسية وفرص العمل والبنية التحتية المتضررة.
وبحسب مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، لا يزال نحو أربعة ملايين لاجئ سوري موجودين في الدول المجاورة، بينما لا يزال قرابة 5.5 ملايين شخص نازحين داخليًا داخل سوريا. ولذلك، ستعتمد استدامة موجات العودة الحالية على قدرة سوريا والمجتمع الدولي على تهيئة الظروف اللازمة للاستقرار وإعادة الاندماج بنجاح.
العودة إلى مجتمعات تحتاج إلى إعادة تأهيل
بالنسبة إلى كثير من العائدين، لا تنتهي رحلة العودة بمجرد الوصول إلى مناطقهم الأصلية. فقد تضررت أو دُمرت أعداد كبيرة من المنازل ومرافق البنية التحتية العامة خلال سنوات النزاع، فيما لا يزال الوصول إلى الخدمات الأساسية محدودًا في العديد من المناطق.
وأفادت مفوضية اللاجئين بأن تضرر المساكن وعدم كفاية الخدمات الأساسية لا يزالان يمنعان بعض الأسر النازحة من العودة إلى مدنها وقراها. وتتطلب العودة المستدامة دعم إعادة تأهيل المساكن، واستعادة الخدمات الأساسية، وتوفير سبل العيش، وضمان الوصول إلى الوثائق القانونية والمدنية.
نقص التمويل يهدد استدامة الاستجابة
في مواجهة حجم العودة الحالية، دعت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين المجتمع الدولي إلى زيادة الدعم المقدم لسوريا بصورة عاجلة، محذرة من أن نقص المساعدات قد يؤدي إلى ضياع فرصة مهمة للتعافي وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
ولا تزال الاستجابة الإنسانية تواجه فجوة تمويل كبيرة. فقد أظهر تحديث تمويل الاستجابة للوضع في سوريا الصادر عن مفوضية اللاجئين حتى 31 يوليو 2026 أن نحو 32 بالمئة فقط من التمويل المطلوب قد تم تأمينه، ما ترك نحو 68 بالمئة من الاحتياجات من دون تمويل.
ويؤثر نقص التمويل في قدرة المنظمات الإنسانية وشركائها على توسيع برامج المأوى، واستعادة الخدمات الأساسية، وتقديم المساعدات النقدية، ودعم سبل العيش، وهي جميعها عناصر أساسية لمساعدة الأسر على بناء حياة مستقرة بعد عودتها.
من المساعدات الطارئة إلى التعافي المبكر
تؤكد وكالات الأمم المتحدة بصورة متزايدة ضرورة الجمع بين المساعدات الإنسانية وبرامج التعافي المبكر. فالعودة المستدامة لا تعتمد على المساعدات الطارئة وحدها، بل تتطلب أيضًا إعادة تأهيل شبكات المياه والصرف الصحي والمرافق الصحية والمدارس، إلى جانب توسيع فرص العمل ودعم المشاريع الصغيرة وسبل العيش الزراعية.
وخلال زيارته إلى سوريا في أغسطس، دعا المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم صالح إلى تقديم دعم دولي ملموس للتعافي وسبل العيش والبنية التحتية والخدمات الأساسية، مؤكدًا أن سوريا لا تستطيع إدارة عملية عودة وتعافٍ بهذا الحجم بمفردها.
ضغوط اقتصادية ونقص في السكن الملائم
تجري عمليات العودة أيضًا في ظل أوضاع اقتصادية صعبة وارتفاع تكاليف إصلاح المنازل ومواد إعادة الإعمار والسلع الأساسية، في وقت تواجه فيه أسر كثيرة صعوبات في تأمين مصادر دخل مستقرة.
وفي المناطق التي تعرضت لأضرار كبيرة، يعيش بعض العائدين في منازل تحتاج إلى إصلاحات واسعة، أو في ظروف سكن مؤقتة وغير مستقرة. وقد حددت مفوضية اللاجئين إعادة تأهيل المساكن ودعم سبل العيش باعتبارهما من العناصر الأساسية لتهيئة ظروف العودة المستدامة.
التعليم: ملايين الأطفال ما زالوا خارج المدارس
لا يزال التعليم أحد أكبر تحديات التعافي في سوريا. ووفقًا لليونيسف، يوجد نحو 2.45 مليون طفل خارج المدارس، فيما يواجه مليون طفل آخر خطر التسرب من التعليم. كما لا تزال نحو 8,000 مدرسة خارج الخدمة، ما يحد من قدرة النظام التعليمي على استيعاب الأطفال، بمن فيهم الأطفال العائدون مع أسرهم.
وتفاقم الضغوط الاقتصادية هذه المخاطر، إذ تزيد من احتمال اعتماد بعض الأسر على عمالة الأطفال أو إخراج أبنائها من المدارس. ولذلك، فإن إعادة تأهيل المدارس، ودعم المعلمين، وتوفير المواد التعليمية، ومساندة الأسر الأكثر ضعفًا ستشكل عناصر مهمة في تحقيق إعادة اندماج مستدامة.
نظام صحي لا يزال تحت الضغط
يواصل النظام الصحي في سوريا مواجهة تحديات كبيرة بعد سنوات من تضرر البنية التحتية والنقص في الكوادر الطبية والأدوية والمستلزمات.
ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، كان 12.8 مليون شخص في سوريا بحاجة إلى مساعدات صحية حتى يونيو 2026، في حين تستمر تكاليف العلاج المرتفعة التي يتحملها الأفراد، ونقص الكوادر، والضغوط الاقتصادية الأوسع في الحد من الوصول إلى الرعاية الصحية. كما أفادت اليونيسف بأن ما يقرب من 40 بالمئة من المستشفيات والمرافق الصحية لا يزال يعمل بصورة جزئية أو خارج الخدمة بالكامل.
وتزداد أهمية تعزيز قدرة النظام الصحي مع عودة المزيد من الأشخاص إلى مجتمعات تواجه فيها الخدمات القائمة ضغوطًا كبيرة أصلًا.
الأهمية بالنسبة للسياسة الأمريكية
يثير حجم العودة الحالية تساؤلات تتجاوز نطاق الإغاثة الإنسانية الطارئة لتشمل الاستقرار على المدى الطويل. فنجاح أكثر من ثلاثة ملايين سوري عائد في إعادة بناء حياتهم سيعتمد بدرجة كبيرة على الوصول إلى السكن والخدمات الأساسية والتعليم والرعاية الصحية وفرص العمل، وعلى توافر دعم دولي كافٍ لإعادة الاندماج.
ومن منظور المراجعة في الكونجرس، هناك عدة مؤشرات تستحق المتابعة: هل تستطيع برامج المساعدة الدولية مواكبة حجم العودة؟ وهل يمكن توجيه حصة أكبر من المساعدات نحو التعافي المبكر والبنية التحتية والخدمات الأساسية التي تساعد الأسر على البقاء في مجتمعاتها؟ وهل ستؤدي زيادة أعداد العائدين إلى انخفاض مستدام في أعداد اللاجئين والنازحين داخليًا، أم أن نقص الخدمات والفرص الاقتصادية قد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة؟
يمثل حجم العودة الحالي فرصة مهمة لسوريا وللدول المجاورة التي استضافت ملايين اللاجئين السوريين. إلا أن نجاح هذه العملية لن يُقاس في النهاية بعدد الأشخاص الذين عادوا فقط، بل بقدرتهم على البقاء وإعادة بناء حياة مستقرة وآمنة.