مع اقتراب موسم زراعة الحبوب الشتوية في سوريا، تبرز احتياجات القطاع الزراعي من الأسمدة والجرارات والحصادات وأنظمة الري بوصفها فرصة تجارية محتملة للشركات الأمريكية، في وقت لا تزال فيه القدرة الشرائية وصعوبات التمويل والمنافسة الخارجية تحدد إمكانية تحويل هذه الاحتياجات إلى صفقات فعلية.
وتأتي هذه الفرص بعد تخفيف القيود التجارية الأمريكية تجاه سوريا، ما يفتح المجال أمام الموردين الأمريكيين لدراسة سوق تحتاج إلى تحديث معداتها ومدخلاتها الزراعية، لكنها تواجه تحديات اقتصادية ولوجستية متراكمة.
تعافٍ زراعي واحتياجات مستمرة
بحسب تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، الصادرة في 28 آب/أغسطس 2026، يُتوقع أن يبلغ إنتاج القمح السوري نحو 2.7 مليون طن، فيما تبقى البلاد بحاجة إلى استيراد قرابة مليوني طن خلال الموسم التسويقي 2026–2027.
ورغم التحسن المتوقع في الإنتاج، لا تزال الزراعة السورية تواجه نقصاً في المدخلات وارتفاعاً في تكاليف التشغيل، إلى جانب تحديات المياه والطاقة وصيانة المعدات.
وتختلف الاحتياجات باختلاف المواسم، إذ يحتاج المزارعون إلى البذار والأسمدة ومعدات الري خلال الزراعة والنمو، بينما تزداد الحاجة إلى الحصادات والنقل والتخزين خلال موسم الحصاد.
مصانع الأسمدة بين تعثر الإنتاج والاستيراد
تكشف أوضاع الشركة العامة للأسمدة في حمص جانباً من التحديات التي تواجه الإنتاج المحلي. ففي تصريح نشرته صحيفة «الصدى» في 19 أيار/مايو 2026، أكد المدير العام للشركة، المهندس مصطفى عبد الله علي، توقف الإنتاج بسبب نقص الغاز الطبيعي والكبريت الخام، مشيراً إلى مخاطبة وزارة الطاقة لتأمين المواد اللازمة لاستئناف التشغيل.
وكانت تصريحات سابقة لإدارة الشركة قد تحدثت عن إعادة تشغيل بعض خطوط الإنتاج لفترات محدودة، ما يشير إلى وجود قدرة صناعية محلية تواجه صعوبات في استمرارية التشغيل. ولم تتوفر بيانات حديثة كافية لتحديد وضع جميع المعامل حتى تشرين الأول/أكتوبر 2026.
وفي السادس من آب/أغسطس 2026، طرحت الفاو مناقصة لشراء 3,500 طن من سماد اليوريا و2,100 طن من سماد الفوسفات الثلاثي لصالح سوريا، بإجمالي 5,600 طن. وتمثل هذه الكميات احتياج شراء محدداً، وليس إجمالي الطلب الوطني أو دليلاً على تنفيذ عقد.
الواردات والمنافسة على السوق السورية
تظهر بيانات قاعدة WITS التابعة للبنك الدولي أن قيمة صادرات الأسمدة التركية إلى سوريا بلغت نحو 34.47 مليون دولار خلال عام 2025، مقابل 11.11 مليون دولار من الاتحاد الأوروبي.
وفي فئة اليوريا تحديداً، سجلت تركيا صادرات إلى سوريا بلغت 48,808 أطنان بقيمة 17.44 مليون دولار خلال العام نفسه.
وتعكس هذه الأرقام وجود تجارة فعلية وموردين قائمين، لكنها لا تمثل حصيلة شاملة للواردات السورية.
أما في قطاع المعدات، فتشير بيانات عام 2024 إلى تصدير الصين 1,190 وحدة إلى سوريا ضمن الفئة الجمركية للجرارات بقيمة 6.62 ملايين دولار، مقابل 269 وحدة من تركيا بقيمة تقارب 517 ألف دولار. وتشمل هذه الفئة أنواعاً مختلفة من الجرارات، ولا تقتصر بالضرورة على الاستخدام الزراعي.
فرص أمريكية مشروطة بالتمويل والتنافسية
قد تشمل الفرص أمام الشركات الأمريكية توريد الجرارات والحصادات وقطع الغيار وأنظمة الري الحديثة ومعدات اختبار التربة والتخزين، إضافة إلى بعض المدخلات والخدمات الزراعية.
وفي تموز/يوليو 2026، طرحت الفاو مناقصة لتوريد خمس حصادات زراعية صغيرة وأربع آلات بذار بستة صفوف إلى محافظة حلب، في مؤشر على وجود مشتريات مؤسسية محددة للمعدات.
لكن هذه المناقصات لا تعكس الحجم الوطني للنقص، إذ لم يتوفر إحصاء حديث وموحد لأعداد الجرارات والحصادات المتوقفة أو المطلوب استبدالها.
كما تواجه المنتجات الأمريكية منافسة من موردين أقرب جغرافياً، ما يجعل الأسعار والشحن والصيانة وتوافر قطع الغيار عوامل حاسمة في تحديد فرصها التجارية.
القيود التجارية والمصالح الأمريكية
بحسب مكتب الصناعة والأمن التابع لوزارة التجارة الأمريكية، يمكن عموماً تصدير بعض السلع المدنية المصنفة EAR99 إلى سوريا باستخدام الاستثناء التنظيمي SPP، وفق شروط تتعلق بتصنيف المنتجات والجهات المستفيدة.
لكن تخفيف القيود لا يلغي العقبات المصرفية. فقد أشار تقرير لوزارة الزراعة الأمريكية، صدر في 19 آذار/مارس 2026، إلى استمرار صعوبات المدفوعات والتمويل في التجارة الزراعية مع سوريا.
ويُظهر جدول بنك التصدير والاستيراد الأمريكي (EXIM) الصادر في 30 تموز/يوليو 2026 عدم توافر دعم البنك للعمليات التجارية مع سوريا، سواء للقطاع العام أو الخاص، ما يضيف تحدياً أمام تمويل الصادرات الأمريكية، دون أن يستبعد وجود قنوات تمويل تجارية أخرى.
وبالنسبة إلى الكونغرس الأمريكي، يتيح هذا الملف تقييم فرص توسيع الصادرات الأمريكية وأثر السياسة التجارية على التعاملات المدنية، مع مراعاة متطلبات الامتثال والمنافسة.
وفي المحصلة، تظهر احتياجات الزراعة السورية فرصاً محتملة أمام الشركات الأمريكية، لكن تحويلها إلى مبيعات فعلية يتطلب طلباً ممولاً وأسعاراً تنافسية وقنوات دفع وخدمات صيانة موثوقة. وبين الحاجة الزراعية والقدرة على الشراء، تتحدد الفرص الحقيقية في السوق السورية.